أهـلا و سهـلا بكم في منتـدى غــرفة الحـوار الإسـلامي المسيحـي بالبالتـولك للــداعية وســـام عبــد الله

oJJI Muslim Christian Dialogue oJJI

 

النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. #1
    ::: عضو ::: Array
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    المشاركات
    36

    افتراضي بحث رائع وهام جدا مش حتقدر تغمض عينيك


    بسم الله الرحمن الرحيم



    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


    بصراحة يا احباب هذا البحث اكثر من رائع , وشيق جدا , عندما بدات بقراءته لم اتركه حتي انهيته ,

    فهو مهم لكل مسلم ليعرف اعجاز القران وحسن بيانه

    مهم لكل مسلم بعرف العبريه والاراميه واليونانية وغيرها من اللغات

    وقد نقلته لكم من هذا الرابط

    http://e3gaz1.blogspot.com/2007/06/blog-post.html


    http://www.ahl-alquran.com/arabic/pr...810&doc_type=1

    http://e3gaz1.blogspot.com/2007/06/blog-post.html
    ////////
    الأحد، 8 أبريل، 2007
    من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن
    السلام عليكم
    تعددت المقالات والكتب التي تتحدث عن إعجاز القرآن وأدلته في المجالات المختلفة ومن بينها هذا البحث "من إعجاز القرآن في أعجمي القرأن"... وهذا الموضوع يتميز عن غيره في اهتمامه الأساسي بلغة القرآن وفصاحتها. وهذا الوجه من الإعجاز القرآنى وجه قاطع بات، لا تصح فيه لجاجة، ولا تسوغ معه مخالفة، لأنه قائم على قواعد اللغة، ومستند إلى أحكام التاريخ ، وليس للهوى فيه حظ أو نصيب.
    لقد قرأت عن هذا الموضوع لأول مرة في أوائل التسعينات من القرن الماضي في مجلة المصور للكاتب الراحل (الأستاذ/ رؤوف أبو سعدة) وقد عمل الكاتب لفترة طويلة في الامم المتحدة وأجاد عدة لغات من بينها العبرية ودرس أيضاً بعض اللغات القديمة المنقرضة مثل الآرامية واليونانية القديمة خصيصاً من أجل إعداد هذا البحث الذي أنهاه وقد تجاوز الستين من عمره. وقد تم تجميع هذه المجموعة في كتاب صادر عن دار الهلال.
    وعلى كثرة ما قرأت في أمور الدين والدنيا فللأسف لم أجد صدى كافي لما قرأته في هذا البحث... وعلى هذا قررت أن أقوم بمحاولة شخصية لتلخيص هذا الموضوع وعرضه على الإنترنت لما فيه من فائدة عظيمة للجميع.
    مع تحياتي

    من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن
    العلم الأعجمى فى القرآن مفسراً القرآن
    المؤلف/رؤوف أبو سعدة
    ******
    يأتى كتابنا هذا فى (علم إعجاز القرآن) للكاتب الراحل الأستاذ "رؤوف أبو سعدة" نمطاً وحده، فقد أداره مؤلفه على وجه من إعجاز القرآن جديد، لم يسبقه إليه سابق، ولم يفطن إليه باحث؛ فقد يفتح الله على الآواخر بما لم يفتح به على الأوائل، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وهذا أيضاً وجه من وجوه إعجاز القرآن، وأنت ترى هذا من نفسك، فقد تتلو الآية أو السورة فى صلاتك، أو فى مغداك ومراحك، وعند أخذ مضجعك، وتمر عليها مرا، ثم تتلوها نفسها فى ساعة أخرى من ساعاتك، وفى حالة مباينة من حالاتك، أو تسمعها من قارى غيرك، فإذا هى تهزك هزاً وإذا هى تملاً كل ما حولك بهجة وضياء، ثم تفجر أمامك ينابيع من الحكمة والهدى لم يكن لك بهما عهد ، وتعجب كيف غيب عنك كل هذا الخير فيما سلف لك من أيام؛ وكل الكلام يٌمل إلا كلام ربنا عز وجل.

    وهذا الوجه من الإعجاز القرآنى الذى قام له المؤلف ونهض به، وجه قاطع بات، لا تصح فيه لجاجة، ولا تسوغ معه مخالفة، لأنه قائم على قواعد اللغة، ومستند إلى أحكام والتاريخ ، وليس للهوى فيه حظ أو نصيب.
    وعنوان الكتاب كما ترى (من إعجاز القرآن فى أعجمي القرآن) -العلم الأعجمى فى القرآن مفسراً بالقرآن- وهو عنوان دال على موضوعه صراحة، مُتجةً إليه مباشرة، ومنهج الوضوح دائر فى هذا الكتاب كله، فالمؤلف يمضى إلى قضاياه ويعالجها دون ثرثرة أو تلكؤ أو فضول. يقرر المؤلف أن القرآن يفسر فى ثنايا الأيات المعنى الدقيق لكل اسم أعجمى علم ورد فى القرآن، أياً كانت اللغة المشتق منها هذا الاسم الأعجمى العلم، وإن كانت لغة منقرضة يجهلها الخلق أجمعون عصر نزوله. وأسلوب القرآن فى ذلك – كما يقول المؤلف- (المجانسة على الاسم العلم بما يفسر معناه أبين تفسير). ومثال ذلك ما ذكره فى تفسير اسم (زكريا) عليه السلام : يقول ربنا عز وجل: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} (2) سورة مريم، ويقول المؤلف: زكريا فى اللسان العبرانى معناه حرفياً (ذاكر الله ) ثم يدعوك المؤلف إلى أن تتأمل المجانسة بين قوله تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} (وبين (ذاكر الله)، وكأنه عز وجل يقول -وهو أعلم بما يريد- "ذكر الله ذاكر الله"، أو: "ذكر الله فذكره الله"، أو : "ذكر الله فذكرته رحمة الله" .
    وقد يأتى تفسير العلم العجمى فى القرآن بذكر المرادف العربى لمعناه بغير العربى: ومن ذلك أن معنى (جبريل) فى العبرية: الشديد القوى، وجاء التعبير عنه فى القرآن بذلك ، قال تعالى : {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى، ذو مرة فاستوى} سورة النجم(5،6) والمِرة بكسر الميم وتشديد الراء، بمعنى القوة أيضا. وكذلك قوله تعالى عن جبريل عليه السلام: { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ .ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ}(19) (20) سورة التكوير ومثل ذلك ما انتهى إليه المؤلف فى أمر (نوح) عليه السلام، فقد رده بعض مفسرى القرآن إلى (النواح) فقالوا: هو من ناح ينوح، وجاء المؤلف فطبق عليه منهجه فرده- اعتماداً على قواعد اللغة العبرية – إلى معنى التلبث والإقامة ، ثم فسره بالسياق القرآنى الكاشف، فى قوله تعالى:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا } (14) سورة العنكبوت، وقوله عز وجل :{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ } (71) سورة يونس، وقوله تباركت أسماؤه: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ} (77) سورة الصافات.وثالثة: يذكر المؤلف أن (إسماعيل) ينطق فى العبرية "يشمعيل" ومعناه: "سمع الله" أو"سميع الله"، ثم التمس هذا المعنى فى سياق القرآن الكريم، فوجده فى قوله عز وجل على لسان إبراهيم عليه السلام: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} (39) سورة إبراهيم، وفى قوله عز وجل على لسان الخليل أيضا وابنه إسماعيل عليهما السلام: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (127) سورة البقرة.
    وهكذا يمضى المؤلف بهذا المنهج فى تفسير أسماء الأعلام الأعجمية وما يشبهها من أسماء الأجناس والمواضع، وقد أحصى فى ذلك واحداً وستين علماً أعجميا أو مختلفاً فى عُجمته فى القرآن، فسرها من القرآن نفسه، تعالى مُنزِله. ثم ذكر أن القرآن لا يفعل هذا فقط ، ولكنه يصحح أيضاً لعلماء العبرية وعلماء التوراة، وقت نزوله وإلى يوم الناس هذا، تفسيراتهم اللغوية لمعنى هذا العلم العبرانى أو ذلك ، من مثل أسماء ينى إسرائيل الواردة فى القرآن وغيرها من أسماء المواقع، مثل((مدين)) فيخطئ أصحاب اللغة ويصيب القرآن.
    ***
    فهذا هو عمود صورة الكتاب، كما أقامه مؤلفه، وكما أراد له أن يكون، ولكنه من وراء ذلك ومن قدامه قد استطرد إلى قضايا كثيرة، عقيدية ولغوية وتاريخية. ومن أنفس ما فى هذا الكتاب- وكله نفيس إن شاء الله- ما ذكره المؤلف حول تاريخ كتابة التوارة والإنجيل، وان نص التوراة مستنسخ من الذاكرة بعد نحو ثمانية قرون من وفاة موسى عليه السلام، وكذلك الأناجيل الأربعة المتداولة لم يخطها عيسى عليه السلام بيده، ولم يملها على حوارييه، وبهذا تكون سلسلة السند فى التوراة والإنجيل منقطعة ، وليس كذلك القرآن. ومما يتصل بالتوراة: ما سجله المؤلف من قصورها وتقصيرها فى ذكر الأنبياء الذين هم من قبل إبراهيم عليه السلام، فتكون بذلك (توراة بنى إسرائيل) ليس غير.وقد أفضى ذلك بالمؤلف إلى أن طعن كثيراً فى (سفر التكوين) الذى بين أيدينا الآن. وكذلك شنع على كاتب التوراة، وكشف تدليسه وكذبه فى أكثر من موضع، بل إنه نبه على تناقضه مع نحو اللغة العبرية ومعجمها.
    أما بنوة عيسى لأدم عليهما السلام، وعبوديته لله عز وجل فقد عالجها المؤلف فى غير مكانٍ من الكتاب.ثم تكلم عن خصائص اللسان العربى وعبقرية العربية وقدمها،وأوجه التقابل والتغاير بينها وبين العبرية، ليجيب بعد ذلك: لماذا كانت العربية هى أم الساميات جميعاً؟وأشار إلى لغات العالم المعروفى وقت نزول القرآن ، ثم أورد كلاماً عزيزاً عن القرآن، وأورد اجتهادات فى لغة آدم عليه السلام، التى تكلم بها على الأرض مهبطه من الجنة، وتحدث عن استعارة معانى الأفعال، وحدود الأخذ والاستعارة من اللغات الأخرى.ولهذا المؤلف اجتهادات جيدة فى الاشتقاق، وتأصيل عربية بعض ما يظنه الناس أعجمياً، مثل (جهنم) وتخطئة بعض اللغويين العرب فى أصل (إبليس) واشتقاقه.
    ***
    وهناك أمر لا يزال المؤلف يعتاده ويلم به كثيراً، وهو الرد على المستشرقين ومن إليهم من متحذلقة الأساتيذ فى هذا القرن، الذين أدركتهم عجمة العلم واللسان.. أو كما قال. وقد رد على المستشرقين فى طعنهم على القرآن، وأنه وحى من الله يوحى على خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم.وكان أكثر المستشرقين حظا من الرد والتعقيب المستشرق الألمانى جوزيف هورفيتس، المولود سنة 1874م، والمتوفى سنة 1931 م

    ***
    ولعل أغنى بحث فيما وقع لى من أصول هذا الكتاب: هو الكلام على اسم أبى إبراهيم عليه السلام، وهو (آزر) فى القرآن، و (تارح) فى التوارة ، وقد تختلف مع المؤلف فى بعض ما انتهى إليه من الربط بين ( آزر). و(تارح)، ولكنك تكبر فيه صدق الجهد وقوة الحجة.
    ***
    وبعد :
    فهذا بحث جيد جداً، احتشد له مؤلفه احتشاداً، وأحكم بناءه إحكاماً، ولم يبق إلا أن أخلى بينك وبينه، لا أجاذبك الحكم عليه أو الرضا عنه، فهذا لك ، أما أنا فإنى أرفعه وأمدحه، وهذا لى، لكنى من باب النصح للمسلمين والبر بهم : أوصيك أيها القارئ العزيز بتأمل هذا الكتاب ومدراسته، فخل له سربك، وشد عليه يد الضنانة، ثم أغر به من حولك. جعلك الله لكل خير سببا، وأذاقك حلاوة الإنصاف، وثبت نعمه لديك، وأوزعك شكرها. وجزى الله مؤلف الكتاب خير ما يجزى به مسلم يوقر كتابه ورحمه الله وأسكنه فسيح جناته، والحمد لله فى الأولى والآخرة،،،،
    مرسلة بواسطة أستاذ/ ولاء الشاذلي في 3:34 ص 0 التعليقات
    رسائل أحدثالصفحة الرئيسية
    الاشتراك في: الرسائل (Atom)







    ////////
    الثلاثاء، 17 أبريل، 2007

    أعجمي وعربي
    السلام عليكم
    نتابع معا عرض كتاب "من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن"... وفي هذا المقال يتعرض الكاتب لبعض النقاط والمواضيع الهامة المفيدة في بحثه مثل:
    1- لماذا نزل القرآن الكريم بالعربية دونا عن غيرها من اللغات السائدة في هذا العصر.
    2- ما السر في تطور اللغة العربية وتميزها للدرجة التي تؤهلها لحمل القرآن وحفظه. فقد تطورت اللغة العربية دون أن يصاحبها حضارة كبرى على عكس منطق التاريخ!
    3- ما هي الفروق الجوهرية بين اللغة العربية وغيرها من اللغات السامية وأهمها العبرية (مع التركيز على عبرية التوراة لأهميتها في هذا البحث).يقدم الكاتب في النهاية بعض المعلومات الشيقة عن الترجمة والاشتقاق اللغوي بين اللغات المختلفة وأثر هذا في اللغة العربية.
    مع تحياتي

    أعجمي وعربي

    -----





    (1)






    هل وردت في القرآن ألفاظ أعجمية؟

    كيف، والمنزل عليه القرآن عربي، والمنزل إليهم القرآن عرب؟

    أليس تُبعثُ الرسل كل بلسان قومه؟ فكيف يفهمون عنه؟ كيف يتم البلاغ؟

    كيف يصح التكيف؟ أيمشى الرسول غريبا في قومه، يتوكأ على مترجم يفسر ما يقوله للناس؟

    قال عز وجل : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } (4) سورة إبراهيم، أي كما أنزلنا التوراة عبرانية على موسى العبراني فكذلك القرآن، عربيا على عربي.

    وكأن من أهل الكتاب من تعاظمه أن يخاطب الله الخلق بغير العبرية، لغة التوراة، فقال جل شأنه : {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ٍ} (44) سورة فصلت.



    ***



    أما أن القرآن عربي، فهذا عين الحق، ليس هذا فحسب، بل إن عربية القرآن شاهد على عربية العرب، لا العكس: لا يصح لها فصيح متفق عليه إلا الوجه الذي نزل به.

    وأما أنه قد وردت في القرآن ألفاظ أعجمية، فهذا حق أيضا، ولكنه لا ينتقص شيئاً من عربية القرآن، وإنما هو يجليها، كما سترى...



    ***



    وليس القرآن عربيا فحسب، وإنما هو عربي مبين. تجد النص على هذا في قوله عز وجل : {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ.نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} (الشعراء: 192-195} .

    ولفظ " المبين" حيثما ورد في كل القرآن- وقد ورد لفظه نعتا للمعرفة والنكرة 119 مرة - لا يعنى الإفصاح والإبانة، وإنما يعنى حيث ورد، تأكيد اكتمال تحقق الصفة في الموصوف. إليك بعض الأمثلة، وعليك بالباقي في مواضعه من المصحف :

    - {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} (107) سورة الأعراف، أي ثعبان حق، لا شك في ثعبانيته.

    - { إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (5) سورة يوسف. أي هو العدو يقيناً، لا خفاء لعداوته.

    - {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} (1) سورة الفتح. أي أن صلح الحديبية وإن تجهمه أول الأمر بعض أجلاء الصحابة، ليس فتحا فحسب، وإنما هو فتح حق، ليس له إلا هذا الاسم.

    - { هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} (25) سورة النــور، يصف نفسه تباركت أسماؤه، أي هو عين الحق جلا جلاله، لا يمارى فيه أحد.



    من هنا تدرك أن وصف لغة القرآن بأنها لسان عربي مبين، يعنى أنه بلسان عربي بين العربية، أو هو حق العربية، لا يمارى في عربيته إلا جاهل بالعربية نفسها.



    ***



    وقد امتن الله على العرب بالقرآن، وأكرم بها منة أن يكون لسان القرآن لسانهم.

    وقال عز وجل يقسم بالقرآن : {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} (1) سورة ص.

    وقال جل شأنه : {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (10) سورة الأنبياء.

    وقال أيضا تباركت أسماؤه : {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} (44) سورة الزخرف.

    والذكر في هذه المواضع الثلاثة جميعا يعنى "الشرف".

    نعم ، شرفت العربية بالقرآن، وشرف أهلها. والشرف أمانة، أداؤها أن تعرف حقها، وإلا فأنت بها مأخوذ. كما قال عز وجل :"وسوف تسألون" في الآية التي قرأت توا.



    وقد تتساءل : كيف استحقت العربية هذا الشرف؟



    لا يكفي أن تقول نزل القرآن عربيا لمجرد أن المنزل عليه القرآن عربي والمنزل إليهم القرآن عرب. بل هو تقدير العليم الخبير، الذي لا يمضى أمرا إلا أحكمه. إنه عز وجل يصطفي لرسالته الرسول، ويصطفي لرسوله الجيل الذي يحمل الرسالة، ويصطفي لخاتم رسله البقعة التي تنطلق منها الرسالة إلى أقاصي الأرض. وهو أيضا جل شأنه يصطفي لرسالته الأداة، وأداة الإسلام هي هذا القرآن الناطق بالعربية.



    فكيف وسعت العربية هذا القرآن؟ كيف حملت وقره؟ ما تلك الحضارة التي انضجت تلك اللغة، واللغة كما تعلم هي نضاج الحضارة. وهل كانت للعرب قبل القرآن حضارة؟ فمتى اكتمل لهاه نحوها وصرفها وإعرابها؟ متى تهيأ لها شعراؤها وخطباؤها وفصحاؤها؟ بل كيف فهم العرب عنه؟ كيف تذوقوا حلاوته؟ كيف سلموا بإعجازه؟



    الحق أن العربية هيئت تهيئة لتلقى هذا القرآن،وزينت تزيينا لتليق به، وأنضجت إنضاجا لتكون وعاءه، وأحكمت إحكاما لتعبر عنه، فما نزل القرآن إلا وقد تهيأ لها هذا كله ضد منطق التاريخ ومنطق الحضارة.



    وتلك وحدها معجزة ، وليس شئٌ على الله بعزيز.



    لم تكن العربية وقت نزول القرآن، بمستوها هذا الفني المحكم، لغة كتابة، فقد أريد للقرآن أن يكون"قرآنا".

    كانت العربية وقت نزول القرآن، بمستواها هذا الفني المحكم، لغة الخطاب اليومي، لا لغة يصطنعها فحسب أهل الفكر والفن والأدب، ولم تكن بمستواها هذا الفني المحكم لغة الخطاب لدى الصفوة من سادة قريش فحسب، بل كانت هي لغة الخاصة والعامة.



    وهذا هو اصلاً معنى اللغة: لا تلتمس في المدونات وبطون الكتب، ولا تهمهم بها الأقلام وتحبر الصحف، وإنما اللغة هي التي ينطلق بها اللسان سجيةٌ، فتبصر بها العين، وتسمع الأذن.



    وكان هذا – كما مر بك – ضروريا لرسالة تخاطب الكافة...



    ****



    على أن في العربية خصائص لغوية وبيانية وموسيقية، قل أن تجتمع لسواها.

    إنها لغة الإيجاز البليغ، والسلم الموسيقى الكامل.

    لغة اجتمعت لها كل الحروف، وصحت المخارج: لا تندغم في الحلق، ولا تتآكل على أطراف اللسان، ولا تتحور في ذبذبات اللهاة. فيها ما يقرع السمع عنيفا، وفيها الدمث اللين، وما بين بين.



    لغة غنيت حروفا، فغنيت جذورا: لا تعرف اللواصق من رواكب وروادف، وفى غيرها ينوء جذر اللفظ بأوزاره، فيغيم المعنى في ضباباته. أما هي، فتنحت الألفاظ والأوزان للمعنى وضده، وللمعنى وقريبه، وللمعنى والمشتق منه، وللمعنى والمتداخل معه. ما أن يقع بصرك على اللفظ حتى يستعلن لك بكل معناه ودلالاته.



    لغة تفننت في أوزانها، ونوعت في تراكيبها طرائق شتى، تمد بالإعراب أواخر الكلم، تهمز وتسهل ، وتصل وتقف، وتنون وترخم، فما استعصى عليها نغم.



    وتلك كلها خصائص قرآنية.



    ****



    وقد أفاد القرآن من العربية وأفادت العربية من القرآن. ولكن الذي أفادته العربية من القرآن أضعاف الذي أفاد القرآن...

    جمع مادتها، وأحكم نحوها وصرفها وإعرابها، ورسم لها نموذجها الأعلى. ليس هذا فحسب، بل تكفل الله بحفظ القرآن، فكفل لها القرآن حياتها، ونماءها، وبقاءها.



    وقد مضى على نزول القرآن بالعربية أربعة عشر قرنا، بادت خلالها لغات وتحورت لغات، ولا تزال العربية وحدها تعيش، بنصاعتها الأولى. وليس لهذا- كما يعرف أهل العلم- نظير في كل اللغات قديمها وحديثها. وأما الذي أفاده القرآن من العربية فهو- كما مر بك – أنها اللغة التي هيئت له، لا يصلح إلا لها. ولسنا هنا في مقام المفاضلة بين لغة ولغة، فاللغات كلها من آيات الله سبحانه.



    ولكن الذي لا يتوقف عنده كثيرون، وربما قل من يفطنون إليه، هو أن اللغة العربية - عصر بدء نزول القرآن في مطلع القرن السابع للميلاد، على قلة الناطقين بها يومذاك- كانت هي دون منازع أرقى لغات العالم القديم، ليس فحسب أرقاها بلاغة وفصاحة وجمالا، وإنما أيضا، وبالمقياس اللغوي البحت، أرقاها دقة وكمالا.

    لم يكن ينقصها لتصبح اللغة العالمية الأولى يومذاك، إلا أن تتجاوز حدودها الجغرافية السياسية الضيقة، فتشيع بين الناس في المشارق والمغارب. وقد تكفل القرآن بذلك.



    (2)





    بدأ نزول القرآن على خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم ليلة القدر من رمضان عام 13 قبل الهجرة (609م) مطلع القرن السابع للميلاد، قبيل انقضاء ستة قرون على رفع المسيح عليه السلام، ليس بينهما نبي.



    كانت حضارات العالم القديم كلها آنذاك قد تهاوت، وآذنت الدنيا بميلاد جديد وهى قد تهاوت لأن العمالقة أكل بعضهم بعضا، وكانت ساحة الصراع هي هذا الشرق الأدنى القديم.



    لم يكن الصراع يدور على فكر أو على خطة لحياة، فقد تداخلت الأفكار والمذاهب،وتشاكلت الضلالات هنا وهناك،وإنما كان الصراع يدور على الأسلاب والغنائم،وكان الأسلاب والغنائم هم أهل هذا الشرق الأدنى القديم. لم يكن لدى الغزاة شئ يفتحون به على أهل الأقطار المغلوبة ، ولم يبقى لدى المغلوبين شئ يقدمونه للغزاة.



    ولكن الصراع بين العمالقة الآريين الثلاثة، الفرس والإغريق والرومان، أو اختصارا بين الفرس والروم، لا ينفك يدور، لا تضع الحر أوزارها إلا لالتقاط الأنفاس بضع سنين، وهى حرب عبث، سواءٌ على التاريخ قامت أم لم تقم، فالغالب اليوم مغلوب غدا، لا يعنيك اى الفريقين أدال من الآخر، ولمن كانت الدائرة في الحرب اليوم، فالدائرة على الجميع: إنهم يخربون بيوتهم بأيديهم ويأتون على ما بقى من أطلال حضارتهم. لا تهتم ، فعلى الأنقاض سيبنى صرح جديد. تجد إشارة إلى هذا في قوله عز وجل :



    { الم .غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } (الروم:1-6)



    (أما لماذا يفرح المؤمنون يومئذ بنصر الله، وقد أجهز المسلمون من بعد على الفرس ولم يفلتوا الروم، ولماذا يعد الله المؤمنين بهذا مؤكد أنه لا يخلف الله وعده، فليس هذا إيثارا لأهل كتاب على مجوس، ولا اهتماما لشأن المعارك بين الفرس والروم، وإنما هى بشرى للمسلمين بيوم بدر (2هـ-624م) الذي توافق مع كرة الروم على الفرس (624م). في الآيات الست إذن نبوءتان: إنتصار الروم على الفرس ،وانتصار المسلمين على قريش في بدر، كانت النبؤة الأولى توقيتا لتحقق النبؤة الثانية، لا أكثر ولا أقل، ولكن المفسرين احتفلوا للأولى، ولم يفطنوا للثانية، وبها وحدها تفهم الآيات الست فهما متكاملا، أما (أدنى الأرض) المشار إليها في الآيات، فهي ترجمة قرآنية دقيقة لعبارة "أرض كنعان"، وهى فلسطين، حيث كانت المعارك المعنية بين الفرس والروم (راجع في المعجم العربي مادة كنع، وهى نفسها"كنع" العبرية- الآرامية) ولم يلتفت إلى هذه الترجمة أحد.)

    احتدم الصراع بين الفرس والروم على ما بقى من أطلال الشرق الأدنى القديم قرونا، بين كر وفر، حتى أجهز عليهم المسلمون في أواسط القرن السابع. ومن قبل، أثخن الروم- إغريقا ورومان – بعضهم في بعض، وأتى القوط والجرمان على القياصرة في روما، فارتحلوا شرقا إلى بيزنطة، قبل قرنين اثنين من ظهور الإسلام.



    اختلط الحابل بالنابل في هذه المنطقة من العالم التي شهدت مولد حضارات البشر، ولم يعد هناك فكر جامع، تستند إليه حضارة جامعة، جديرة بالبقاء، لم تعد هناك إلا حضارة ماتت أو أوشكت أن تموت...



    ***



    أما اللغة – موضوعنا في هذا الجزء من الكتاب_- فأنت تعرف بالطبع العلاقة بين موات الحضارة وموات اللغة، فما بادت حضارة قوم إلا بادت لغتهم، أو ذابت في لغة السادة لتعيش بعضا من حياة، أو تحورت إلى رطانة شائهة هجين، لا تكاد تُبين.



    متى لم يعد للحضارة فكر تعبر عنه وتعيش عليه، ومثل تدعو إليها وتجاهد من أجلها ، فقد خرست الحضارة ولم يعد لديها ما تقول. إلى هذا آلت اللغات في هذه المنطقة من العالم: تهاوت الحضارة فتهاوت اللغة ولم يكن في أي من تلك اللغات جميعا كتاب في عظمة القرآن، يعصمها أن تزول.



    *****



    في مطلع القرن السابع للميلاد كانت اليونانية الفصحى التي تغنى بها من قبل شعراء الإلياذة وكتب بها أمثال أفلاطون وسوفوكل، وخطب بها أمثال بريكليس وديموستين، قد آذنت من قبل بالأفول حوالي مطلع القرن الثالث، ولم يأت القرن السابع إلا وقد آلت إلى يوناينة دارجة هجينة، لا على ألسنة العامة فحسب وإنما أيضا في الفن والفكر والأدب.



    أما اللاتينية الفصحى، التي كتبت بها مدونات الفقه الروماني، ونظمت بها إنيادة فرجيل، وخطب بها أمثال شيشرون وقيصر، فقد حذت حذو أختها الوينانية، بنفس الترتيب الزمني أو تكاد، فلم يأت القرن السابع إلا وقد تحورت إلى لاتينية دارجة هجينة، بل قل إلى لاتينيات دارجة هجينة، يلدن من بعد لغات أوربية تقرأ لها الآن، لم يكتمل لها نموها إلا في نحو تسعمائة سنة من نزول القرآن.



    لم يبق من اليونانية والاتينية مطلع القرن السابع للميلاد إلا أثارة من أطلال مجد قديم، تليق بحضارة ذوت، ولا تتسع لحضارة باذخة توشك أن تولد، لتعيش تلك الحضارة الباذخة الوليدة كان القرآن شهادة ميلادها، وهو إلى الآن عمود حياتها، وما أوشكت أن تتصدع في مراحل من عمرها إلا لأن أصحاب القرآن أنسوه. فالحذر الحذر ممن يرفضونه اليوم دستور حياة.



    ****



    أما في الشرق الأدنى القديم ما بين مصر وفارس، مهبط الرسالات، وموئل الحضارات التي سبقت الفرس والروم، فقد اختلط الحابل بالنابل:

    في مصر، تصدعت – بانهيار دولة الرعامسة (الرعامسة جمع رعمس، أو رمسيس كما نكتبها نحن الآن) ، حوالي القرن الثاني عشر قبل الميلاد- حضارة شامخة زهت نحو ألفى سنة (3200ق م- 1200ق م). وآذنت بأفول لا رجعة منه: تعاور مصر الغزاة من شرق وغرب، ومن شمال وجنوب، نهبا للرائح والغادي، جائزة لم غلب ، إلا هبات هنا وهناك، وجذوة خامدة تريد أن تتوهج وسرعان ما تنطفئ، حتى غدت مصر ولاية فارسية منذ 525 ق م على يدي قمبيز وخلفائه، ثم إقطاعة يونانية لخلفاء الاسكندر (333ق م ) ثم ولاية رومانية (30م) للقياصرة في روما، ارتحلت تبعيتها معهم إلى بيزنطة (395م) ، ولم يبق من المصريين إلا الحجر، وإلا مياة النيل تجرى تهمهم بما كان : {كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ. وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ. كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ. فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ} (الدخان: 25-29)



    ترى هل بقيت للمصريين في مطلع القرن السابع للميلاد آثارة من لغة حضارتهم الأولى التي درست؟ هل بقى لديهم من تلك اللغة الفصحى التي ترنم بها أخناتون من قبل، أبتهالات وتسابيح؟ هل بقى لديهم شئ من تلك اللغة الفصحى التي حاور بها فرعون موسى وهارون؟ هي لم تكن لغة أهل البلاط فحسب، وإنما كانت هي نفسها اللغة التي قرع بها السحرة أسماع فرعون وملئه (الملأ يعنى علية القوم، الذين تمتلئ منهم العين مهابة).



    أنت بالطبع تعرف الجواب: باندثار الحضارة تندثر اللغة ، لم يبق من المصريين في مطلع القرن السابع من يتكلم المصرية الفصحى، ناهيك بمن يفك رموزها، فضلا عن أن يكتب بها، وإنما آلت المصرية الفصحى إلى قبطية دارجة هجينة، تكتب كلها أو تكاد بأحرف يونانية ابتدع رسومها الفينيقيون من قبل، وتنضح برطانة تعرف فيها آثار ألسنة الغزاة، الإغريق فالرومان، ومسحة من آرامية. فارسية انتقلت إليها مع جيوش قمبيز.



    (الآرامية هى لغة أهل آرام (إرم فى القرآن). كانت تطلق على ما نسميه نحن "سورية" بالمعنى العام. سماها أهلها كذلك حنينا إلى موطنهم القديم"آرام نهريم" أي آرام ما بين النهرين، وهناك كانت "إرم ذات العماد" التي عناها القرآن، وسيأتي الحديث عنها في موضعه حين الكلام عن "عاد قوم هود". كانت الآرامية هي اللغة الغالبة في ربوع الشرق الأدنى القديم، فاستبقاها الفرس لغة رسمية في إمبراطوريتهم، وبها اكتشفت في مصر مخطوطات ترجع إلى القرن السادس قبل الميلاد، عصر مجئ قمبيز، تستند إليها الدراسات الحديثة في محاولة فهم الآرامية البائدة وتقعيد نحوها وصرفها. وللآرامية أيضا اسمان آخران. هما "الكدانية" و "السريانية"، أما الكلدانية فهى تسمية خطأ، عدل عنها اليوم علماء اللغات المحققون، وأما السريانية فهي الآرامية نفسها أو ما آلت إليه الآرامية منذ القرن الثالث الميلادي، وما زالت السريانية تعيش إلى اليوم على بعض الألسنة. وبهذه الآرامية نفسها كان يتحدث المسيح إلى عشيرته وحوارييه، وبها كان إنجيله الذي لا تجد له اليوم إلا أصولا كتبها أصحابها بيونانية متأخرة تعرف باليونانية الكنسية.)

    أما فارس . التي بلغت أقصى اتساعها على عهد الأخمينين (القرن السادس ق-م)- القرن الرابع ق م )، فشملت امبراطوريتهم منذ القرن الخامس قبل الميلاد الشرق الأدنى القديم كله من فارس إلى مصر، ومن بابل وما بين النهرين إلى سواحل البحر الأبيض في سورية وفلسطين، واكتسحوا اليونان في آسيا الصغرى وألزموهم عقر دارهم في شبه جزيرتهم .. فارس هذه ، ماذا بقى منها؟



    كر عليهم الإسكندر فقوض ملكهم من تخوم الهند إلى مصر (333ق م )، وورث امبراطوريتهم الشاسعة جميعها، ليتوزعها خلفاؤه من بعده، وليبدأ في الشرق الأدنى كله العصر "الهلينى" أو "المتهلين" ("هلينى" لفظة يونانية، صفة من هلاس، اسم لليونان قديم)، أي المصطبغ بالصبغة اليونانية فكرا ولغة وحضارة، وهو تعبير غير دقيق، وربما كان مضللا أحيانا، لأنه يغلب العنصر اليونانى الوافد إلى حضارات الشرق الأدنى القديم، ويغفل مردود هذه الحضارات نفسها على أرض اليونانا الأم، حتى باتت اليونان نفسها بعد الاسكندر "هلينية" فكرا وحضارة.



    لم تكن جحافل الإسكندر يوناينة خالصة، وإنما كانت تستمد في سيرها المدد من أهل الأقطار المفتوحة، حتى انتهت " غارة " الإسكندر . واستقر الغزاة بعد الفتح في مواقعهم ، يموج بعضهم في بعض، تتمازج الدماء، وتختلط الألسنة، وتتلاقح الثقافات والفلسات والعقائد.



    ولك أن تتصور تأثير هذا كله على اللغة الفارسية في موطنها الأصلى كما رأيت من قبل تأثيره على لغة شعراء الإلياذة وأفلاطون وسوفوكل: جمدت الفارسية القديمة على الألسنة ولم يعد يستدل عليها إلا من نقوش كتبت ما بين القرنين السابع والرابع قبل الميلاد، وحلت محلها الفارسية"الفهلوية" التي كتبت بها نصوص "زرادشت" في القرن الثالث الميلادى. وآلت إلى "الأفستية"(أي لغة النص الأصلى) فعاشت في المعابد والأذكار، وبقيت منها فارسية تزهو حينا وتتحامل على نفسها حينا، تنوء بأوزار ما تهجنت به ، حتى أجهز عليها الفتح الإسلامى في القرن السابع، فصارت همهمة يغمغم بها أمثال البرامكة في بلاط الرشيد، ولكن تلك الهمهمة التي طالت، قضت على ما بقى من أصالة اللغة، فلم يستعد لافرس سلطانهم في أواخر الدولة العباسية إلا وقد آلت الفارسية إلى رطانة ثلثها على الأقل عربي، هي تلك الفارسية الحديثة التي تقرآ لها الأن.



    ****



    لم يبق من الحديث عن لغات الشرق الأدنى القديم إلا الآرامية والعبرية ومنهما كانت غالبية العلم الأعجمي الذي نتناوله في هذا الكتاب.

    ولكن الحديث عن الآرامية والعبرية يقتضى الحديث أولا عن اللغات المسماة بالسامية – وأمها جميعا"العربية" – تقريرا لأصالة العربية عليهما قبل نزول القرآن، وهذا ما ننتقل إليه الآن.







    (3)





    تستطيع أن تصنف لغات البشر إلى سلالات عرقية، أو جغرافية – تاريخية، تنسبها إلى موطن أقدم من يُظن أنهم تكلموا بها قبل أن ينساحوا في الأرض، فتنشعب ألسنتهم لهجات فلغات، فتقول مثلا اللغات الآرية ، ومنها السنسكريتية في الهند، والفارسية في إيران، واليونانية والللاتينية والجرمانية في أوربا، وما تفرع عن هذه وتلك من لغات تقرآ لها الآن، أو تقول مثلا اللغات السامية والحامية والكوشية، ومنها العربية والعبرية والمصرية والحبشية، بقى منها ما بقى وباد ما باد. والسامية والحامية نسبة إلى سام وحام إبنى نوح، والكوشية نسبة إلى كوش بن حام.



    ("أريا" لفظة سنسكريتية بمعنى الشريف النبيل الأمثل، وصف بها الهنود لغة السادة الغزاة ، وبها سميت "إيران" (آريا – نام) على الراجح، أي أرض الأماثل. ومن "أريا" لفظة "أرستو" اليونانية بمعنى الأمثل، وبها صيغت "أرستو- كراتيا" (الأرستوقراطية) أي حكومة الصفوة أو الأماثل.)



    وليس لك بالطبع أن تتساءل بم كان يكلم نوح أباه، وبم كان يتفاهم نوح مع ابنيه سام وحام، ولم شذ حام عن أخيه سام فاصطنع لنفسه لغة انفرد بها لم ترق لابنه كوش فعدل عنها إلى غيرها . تلك على الأرجح- إن صحت التسمية- ليست أسماء أشخاص، وإنما هي أسماء قبائل وشعوب تفرقوا في البلاد، فتفارقت الألسنة.



    أما إن ترجح لديك – وأنت اللبيب العاقل- وحدة الأصل الإنساني، فلا مفر لك من أن ترد لغات أهل الأرض جميعا إلى أصل واحد، هو تلك اللغة الأولى التي تلكم بها أبو البشر وأمهم، بعد مهبطهما من الجنة.



    على أن افتراض لغة أولى تفرعت عنها كل اللغات، وهو فرض علمي لا غبار عليه- إن لم يكن الفرض المنطقي الراجح- ربما يغريك ببحث عقيم عن أي اللغات كان الأول، ولكنك مهما بذلت من جهد- وأيضا من افتعال- فقصاراك أن تقنع بفرض واحد مؤكد، وهو أن اللغة التي تكلمها آدم بعد مهبطه من الجنة لم يعد يتكلمها اليوم أحد من أهل الأرض، وإنما هي تفرقت في لغات البشر جميعا: لكل منهم فيها نصيب، قل أو كثر.



    لهذا عدل اللغويون الآن عن تلك التسميات العرقية الجغرافية- التاريخية التي قد توهمك بوجود لغة أو لغات أولى تنتمي إليها الأسر اللغوية التي يتكلمها البشر اليوم. عدل اللغويون عن ذلك الآن، وأصبحوا ينسبون الأسر اللغوية إلى الأرض التي يعيش عليها في عصرنا هذا من يتكلمونها اليوم، أو عاش عليها أسلاف لهم سبقوا ، تكلموا لغة تلمح أصولها في اللغات المعاصرة، أو عثر فيها على نقوش أو مخطوطات عفا عليها الدهر، يعكف عليها اللغويون بغية حل رموزها، وفك طلاسمها ، ورها إلى أسرة لغوية ولدت فيها، ثم تحورت أو بادت. فيقولون مثلا اللغات "الهندية- الأوروبية" ما بقى منها وما باد. ويقولون مثلا اللغات "الإفريقية- الآسيوية"، يعنون تلك الأسرة اللغوية بفصائلها" السامية" و"الحامية" و"الكوشية"، إلخ، المتقاربة جذور مفرداتها ودلالات ألفاظها ومخارج أصواتها، التي يتكلمها في آسيا، أو تكلمها في آسيا يوما ما، عرب شبه الجزيرة من أقصى اليمن إلى أقصى الشام، كما يتكلمها في أفريقيا، أو تكلمها في إفريقيا يوما ما ، أهل الضفة المقابلة من البحر الأحمر ، المصريون والسودان والأحباش.



    *****



    أما الخصائص التي يستند إليها اللغويون في تقسيم لغات البشر إلى مجموعات لغوية، أو أسر لغوية، فهى تنقسم بدورها إلى فصائل لغوية داخل الأسرة الواحدة، فأهم هذه الخصائص ما يلى:



    1- مخارج الأصوات

    أي انفراد فصائل الأسرة اللغوية المعينة بنطق أحرف، أي أصوات، لا تنطقها غيرها. من ذلك انفراد اللغات الافريقية- الآسيوية بنطق الحاء، وانعدام هذا الصوت – على سبيل المثال- في اللغات الهندية- الأوربية. وليست العبرة في هذا السياق بصورة الحرف، أي بشكله المكتوب، أي بالخط الذي تصطنعه اللغة في الكتابة، وإنما العبرة بالصوت الموضوع له الحرف.



    2- دلالات الألفاظ

    تتقار في لغات الفصيلة الواحدة، تقاربا واضحا، بل وتتطابق أحيانا، بنية اللفظ الموضوع لنفس المعنى. من ذلك لفظة "عين" الموضوعة لأداة الإبصار، وعين الماء، الخ. ، في اللغات العربية والآرامية والعبرية على السواء,. ومن ذلك أيضا مادة الفعل" كتب" بنفس المعنى في هذه اللغات السامية الثلاث.



    3- بناء الألفاظ

    من اللغات صرفي وغروي. فأما اللغات الغروية، ومنها أسرة اللغات الهندية- الأوربية، كالسنسكريتية والفارسية، وكاليونانية واللاتينية وبناتها الأوربيات، فهي اللغات التي تستعين في اشتقاق المعنى الموسع من المعنى البسيط بإضافة اللواصق من خلف ومن قدام، فيبدو لك اللفظ منحوتا من كلمة واحدة نطقا وكتابة، وهو من بضعة أجزاء موصولة، وكأنما شد بعضها إلى بعض بغراء. من ذلك في اللاتينية مثلا كلمة emancipio بمختلف صورها في اللغات الأوروبية الحديثة، ومعناها العتق والانعتاق: تظنها من كلمة واحدة، وهى من ثلاثة أجزاء شدت إلى بعض (e)+(man)+(cipio) الجزء الأول (e) بمعنى "خارجا" ، والثاني (man) بمعنى "اليد"، والثالث (cipio) بمعنى "الأخذ"، فهى إذن ليست كلمة وإنما هي جملة أو شبة جملة، معناها الحرفي"الإخراج من أخذ اليد" ، أو "الإخراج من ملك اليمين".



    وأما اللغات الصرفية ومنها على سبيل المثال العربية والآرامية والعبرية في الفصيلة السامية المنتمية إلى أسرة الافريقية – الآسيوية، فهي لا تستعين في اشتقاق المعنى الموسع من المعنى البسيط بإضافة اللواصق أو بتجميع أجزاء الكلام، وإنما هي تنحت جذور الألفاظ لجذور المعاني، ثم تشتق الموسع من البسيط"بالتصرف" في بنية الجذر الأصلي وفق أوزان ثابتة لكل منها معناها التوسعي المحدد، بغض النظر عن جذر اللفظ الأصلي. من ذلك في العربية فَعَل وفعل وتفعل وانفعل استفعل وفاعل وتفاعل الخ. وليست أحرف الزيادة الى تلحظها وسط الجذر كتضعيف العين في فعل ، والمد بالألف في فاعل، أو المضافة في أول الجذر مثل الهمزة والنون في انفعل ، والهمزة والسين والتاء في استفعل ، كاللواصق في الغات الهندية- الآوروبية ، لأن أحرف الزيادة هذه ليس لها في ذاتها معنى كما هو الحال في لواصق اللغات الهندية- الأوروبية، وإنما لها وظيفة صرفية، تصرف جذر اللفظ عن معناه البسيط إلى معناه الموسع.



    وأيا كانت ميزة الصرفي على الغروي، مما لا نتصدى له الآن، فهي عند اللغويين سمة فارقة حاسمة بين المجموعات اللغوية.



    ***



    وأما الفوارق بين لغة ولغة من نفس الفصيلة، كفوارق ما بين العربية والعبرية من الفصيلة السامية ، والتي تجعل منهما لغتين مختلفتين بحيث تعتجم العبرية على السامع العربي- كما تعتجم العربية على السامع العبري- فلا يفهم أحدهما شيئا من لغة الآخر حتى يترجم له، فمن هذه الفوراق بين العربية والعبرية على سبيل المثال، القلب والإبدال. أما القلب فهو تغيير ترتيب أحرف الكلمة، مع اتحاد المعنى، ومثاله من العربية نفسها الجذران"جَذَب" ، "جَبَذ"، بمعنى شد في كليهما، وغيرهما كثير. وأما الإبدال فهو تغيير حرف بحرف آخر قريب من مخرجه، مع بقاء المعنى، ومثاله من العربية نفسها "سراط"، "صراط"، بمعنى الطريق في كليهما. ومن الإبدال أيضا، المبادلة بين أحرف المد، كإبدال المد بالواو مدا بالياء، ومثال هذا من العربية نفسها "ساع/يسوع"، وكلتاهما بمعنى ضاع وهلك. ويتفاقم أمر القلب والإبدال ما بين العربية والعبرية حين يكون لصورة اللفظ المتحور في إحدى اللغتين بالقلب والإبدال معنى مغاير تماما لمعناه في اللغة الأخرى. من ذلك أن "نجب" العبرية (ومعناها الجنوب) ليست من "النجابة"، وإنما هي مقلوب الجذر العربي"جنب". أما "جنب" عبريا فليست من الجنوب في شئ، وإنما هي بمعنى "سرق". ومن ذلك أيضا أن "صنم" العربية ( مفر أصنام) تصبح "صلم" في العبرية. ولكن صلم عربيا (باللام) تعنى قطع واستأصل (وغلبت في الأنف والأذن). فلا تفهم أي المعنيين يريد ذلك العبراني الذي يحدثك. ويزداد الأمر سوءاً حين تعلم أن "صلم" العبرانية تفيد أيضا الظلام والظلمة (من أظلم العربي أبدلت ظاؤها صادا). أما "الظلم" نفيض العدل فهو في العبرية بالطاء"طلم" (وطلمه عربيا يعنى ضربه بكفه مبسوطة، وهو أيضا وَسَخُ الأسنان من إهمال تنظيفها، ليس له بالظلم صلة). أما "صنم" عبرانيا فلا صلة له بالأصنام، وإنما هو من النضج والإنضاج. وقس على هذا الكثير الذي لا يحصى بين هاتين اللغتين.



    وإلى جانب القلب والإبدال، تفتقر العبرية إلى ستة أحرف أصيلة موجودة في العربية، هي بترتيبها على أحرف الهجاء العربية: الثاء والخاء والذال والضاد والظاء والغين. أما الضاد والظاء فلا وجود لهما مطلقا في العبرية نطقا وكتابة، فما كان بالضاد في العربية انقلب غالبا إلى صاد في العبرية، مثل "ضحك" العربية التي تنقلب إلى "صحق" في العبرية (أبدلت أيضا كافها قافا)،ومنه اسم نبي الله إسحاق كما سترى، وما كان بالظاء انقلب غالبا إلى طاء أو زاى، وربما إلى صاد، مثل "ظبى"التي تصبح "صبى" في العبرية . أما الأحرف الأربعة الأخرى (ث-خ-ذ-غ)، فلا وجود لها في العبرية أيضا، أي في الكتابة، ولكنك تسمعها في مواضع مخصوصة من محدثك العبراني الذي ينطق لك التاء ثاء، والكاف خاء، والدال ذالا، والجيم غينا، حين يتحرك- أو يعتل- ما قبلها (حين يكون لها قبل)، شريطة ألا تُضعف هي. من ذلك أن "بيت" العبرية (وهى بيت العربية) تنطق"بيث"، و"ملك" (هي ملك العربية) تُنطق "مِلخ"(ولكن المؤنث منها وهو ملكه تسكن لاُمه قبل الكاف فتنطق الكاف على أصلها). من ذلك أيضا"يهود" التي تنطق "يهوذ"، ومثله أيضا"رَجَم" العبرية التي تنطق"رَغَم" لتحرك الراء قبل الجيم فصار جيمها في النطق غينا. (المعنى به في هذا الكتاب هو "عبرية التوراة" لا العبرية" المعاصرة)

    ولعلك لاحظت أن التفاوت في نطق هذه الأحرف العبرية الأربعة في مواضع مخصوصة مع نظق الحرف على أصله في غيرها، هذا التفاوت لا يضيف جذراً إلى تلك اللغة ، وإنما هو مجرد "لهجة" في نطقه في مواضع مخصوصة لا تغير من أصل معناه. ولعلك لاحظت في هذا السياق أيضا. أن زيادة الأبجدية العربية (28 حرفا ليس من بينها اللام ألف) بستة أحرف أصيلة على الأبجدية العبرية (22 حرفا) تثرى العربية بكم هائل من الجذور الثلاثية لا تستطيعه العبرية، ذلك أن الحرف الواحد مجموعا إلى حرفين اثنين فقط من حروف الأبجدية (ولتكن ض- ب- ر) يعيطك عشرة جذور ثلاثية ممكنة: بَض-ضَب- رض- ضر- ضبر-ضرب-رضب- ربض- برض- بضر، كلها مستعمل مسموع في العربية عدا الجذرين الأخيرين"برض"و"بضر" الباقيين في خزائنها ، تستطيع استخراجهما حين تشاء. وقس على هذا اجتماع الضاد مع باقي الحروف. (هذا باب واسع غفل عنه"المعربون"، يتيح "اختراع" الألفاظ لمستحثات الحضارة.)



    من جهة أخرى تفتقر العربية إلى صوتين في العبرية، هما الباء(p)الثقيلة، والباء المرققة التي تخف وتسيل فتصبح(V) ولكن هذين الصوتين غير أصليين في العبرية، وإنما هما نفساهما الفاء والباء: تنطق الفاء باء ثقيلة (باء) حين لا يتحرك أو يعتل ما قبلها (أولا يكون لها قبلُ) أو حين تُضعف (مثل برعو العبرية بمعنى فرعون) وتنطق كالفاء العربية فيما عدا ذلك . أما الباء العبرية فتنطق كالباء العربية حين لا يتحرك أو يعتل ما قبلها (أو حين لا يكون لها قبل) أو حين تُضعف، وتنطق باء مرققة سائلة (فاء) فيما عدا ذلك (مثل "آف" (AV)العبرية يعنى أبٌ، وعكسه "بَا" العبرية ومعناها (جاء). وهذا أيضا لا يضيف إلى العبرية جذورا جديدة تتميز بها على العربية، وإنما هو مجرد لهجة في نطق الحرف في مواضع مخصوصة ، لا تغير من أصل معنى الجذر الذي يحتويه، مع نطق الحرف على أصله في غيرها. من ذلك الفعل "كَفَر" المشترك بين العربية والعبرية معنى ونطقا وكتابة، ولكن الفاء فيه حين تُضعف، تنطق في العبرية باء ثقيلة (P)، كما في "يُوم كِبُور" أي "يوم الكفارة". ومثله أيضا الاسم العبراني"أيوب"، الذي ينطق في العبرية "إيوف"، رُققت باؤه وأسيلت لاعتلال ما قبلها (الواو) فنطقت باؤه فاء. ومثله أيضا "أبراهام"(إبراهيم) الذي ينطقه العبرانيون" أفراهام" لتحرك الهمزة قبل الباء.



    من وجوه المغيرة الصوتية أيضا بين العربية والعبرية، اصطناع العبرية "المد بالكسر" (أي إطالة زمن نطق الكسرة دون انقلابها ياءُ ثقيلة) وقرينة "المد بالضم" (أي إطالة زمن نطق الضمة دون انقلابها واواً ثقيلة) ولا وجود لهما أصلا في العربية الفصحى، (باستثناء حالات "الألف الممالة" التي تثبت سماعا عن أصحاب القراءات في مثل ياء "مجريها ومرساها " .وإمالة الألف هى نفسها بالمد بالكسر) وإن كانا موجودين في العربية العامية، مثلما ترى في كلمة "بيت" العربية التي تنطق في العامية مكسورة الباء ممدودة الكسرة"بيت". والفرق بين المد بالكسر وبين المد بالياء أن الكسر في المد بالياء ثقيل، تحتشد له عضلات الفم واللسان، كما في كلمة "عيد" بينما هو في المد بالكسر مخفف مرقق، كما في كلمة "ليش" (بمعنى لأى شئ) العربية العامية ، ترتخي فيه عضلات الفم واللسان. وهكذا أيضا الفرق بين المد والضم وبين المد بالواو في مثل"عود" و"يوم" وإذا لاحظت أن العبرية - شأنها شأن العربية العامية- تصنع ذلك كلما كان الأصل في العربية الفصحى الوقوف بعد فتح على الواو والياء، في مثل"يوم" و"ريب" ، الوقوف عليهما ثقيل، بدت لك العبرية وكأنما تنشد التسهيل ، كما تفعل العربية العامية، وكما فعلت الانجليزية المعاصرة مثلا بالحرفين (au)"آو" و (ai)"آى" اللذين سهلتهما الانجليزية المعاصرة، والفرنسية المعاصرة أيضا دون سائر أخواتها اللاتينيات ، إلى "أوه" و"إيه"على الترتيب.



    هناك أيضا مغايرة بين العربية والعبرية في النحو والصرف، لا توجد في العبرية علامات "إعراب"، وإنما الأصل "البناء"، أي بقاءُ اللفظ على حاله وصورته أيا كان موضوعه من الإعراب رفعا ونصبا وجرا وجزما كما تفعل العربية العامية، وكما آلت إليه الانجليزية والفرنسية بين أمهات اللغات الأوروبية الحديثة. وليس في العبرية صيغة للمثنى، إنما هو الجمع لا غير. عدا استثناءات قليلة منقرضة من مثل"عينيم" مثنى "عين" (أداة الإبصار)، ومثل "نهريم" مثنى "نهر" (في عبارة "آرام نهريم"، أي آرام ما بين النهرين). ولا وجود لجمع التكسير في العبرية ، وإنما هو الجمع السالم لا غير، وصورته البناء على الياء بعدها ميم(لا نون كما في العربية والآرامية) في جمع المذكر ، مثل "بنيم" (يعنى "بنون" العربية) والمد بالضم بعدها تاء ساكتة (لا المد بالألف بعدها تاء كما في العربية والآرامية) في جمع المؤنث ، مثل "بنوت" (يعنى "بنات" العربية) . كما تفتقر العبرية إلى صيغة "أفعل التفضيل" مثل " أكبر" و"أصغر" وما إلى ذلك ، فتحتال عليها بصيغ مخصوصة من مثل" الابن الكبير" في موضع أكبر الأبناء، وهلم جرا. ومن أمثلة المغايرة بين العربية والعبرية في موازين الصرف، أن العبرية تضع الوزن "فُعيل" (مدا بالكسر) لزنة اسم الفاعل، والوزن" فعول" (مداً بالواو) لزنة اسم المفعول ، وأحيانا كثيرة الوزن "فعول "( مداً بالضم لا بالواو) لزنة مصدر الثلاثى المجرد. من ذلك "حميذ" بمعنى حامد، و"حموذ" بمعنى محمود، و"حموذ"( مدا بالضم ) بمعنى الحمد، الخ.



    أما أخطر وجوه التغاير بين العربية والعبرية ، وأدلها أيضا على أصالة العربية وسبقها للعبرية (وللآرامية ايضا) في الزمان والمكان، فمنها تفوق العربية تفوقا ساحقا بوفرة المادة اللفظية الأصلية (الجذر الثلاثى) بما لا يقاس على العبرية والآرامية ليس فقط بسبب زيادة الأبجدية العربية بستة أحرف أصلية(ث – خ – ذ - ض- ظ - غ) كما مر بك ، فتستطيع الإتيان مثلا بالجذرين "خرج" وحرج" كلا بمعنى، ولا تستطيع العبرية إلا الثانى وحده بمعنى "ضاق" وغير هذا أكثر من أن يحصى، وإنما أيضا لكون العربية أوفر أوزانا وأضبط وأقيس ، تستطيع الإتيان بالطريف بالمعجب دون زيادة في أحرف الجذر، وإنما فقط بتغيير حكة عينه. من ذلك الفعل "صنع" أي كان صانعا شيئا ما ، سفسف فيه أو أتقنه، و"صنع" أي كان حاذقا ماهر الصنعة، وغيره كثير.



    ومن وجوه الأصالة والتفوق أيضا أن العربية تستنفد من الجذر الأصلي كل معانيه - الرئيسي والمترتب عليه- على حين تقتصر العبرية والآرامية غالبا على وجه واحد تجمدان عليه. من ذلك الفعل "حمد" فهو في العربية بمعان يتسلسل بعضها من بعض: حمدته يعنى رضيته وأعجبت به، وحمدته أيضا يعنى ذكرت محاسنه فمدحته بما هو أهله، وحمدت له أمرا يعنى استحسنت له، وحمدته أيضا يعنى ذكرت له نعمة فشكرتها وأثنيت عليه لجوده بها. أما العبرية فتقتصر من "الحمد" على وجه واحد، هو الرضا والإعجاب: حمدته العبرية تعنى أعجبنى وحلا لى.



    (هذا عندي هو الوجه المنعوت به صلى الله عليه وسلم بمقتضى تسميته"محمداً، أي الحميد الخَلق والخُلق، الأفعال والصفات. وهو أيضا- وهذا جديد نفيس لم تقرآه من قبل- الذي جاء في العهد القديم نبوءة بمبعثه صلى الله عليه وسلم على لسان حجاي النبي: "وبا حمدت كل هجويم" (سفر حجاي:2/7)، يعنى "ويجئ حمده كل الأمم أي الذي تحمده كل الأمم، يعنى يحمده كل من نطق باسمه، وإن جحده وأنكر نبوته. والنصارى يسقطون هذه النبوءة على المسيح عليه السلام، وليس بشئ، لأن المسيح لا يحمده من جحده وأنكره، ومنهم اليهود على الأقل.

    وهذا أيضا بعض معنى قوله عز وجل : { النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ } (157) سورة الأعراف، أي نبي كل الأمم، الموصوف بنعته في التوراة والإنجيل الذين بين أيديهم عصر نزول القرآن وإلى الآن. ومن أسف أن تراجمه العهد القديم يترجمون عبارة"حمده كل الأمم" بعبارة" مشتهى كل الأمم" ، ربما لطمس معنى "الحمد" في النبوءة. ولو أنصفوا لاستبقوا لفظ "الحمد" في النص العربي على الأقل – بصورته المشتركة بين العرب والعبرية. ربما اعتذرت لهم بأنهم لو سلموا بهذه النبوءة لسلموا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وربما ظننت أيضا أنهم لا يُسلمون بالاشتراك بين "حَمَد" العبراني ولكن آباءهم في الأندلس كانوا يسلمون بهذا الاشتراك، بدليل نطقهم اسم النبي لنصارى الأسبان والفرنسييين لا على زنة مُفعل العربي- أى محمد- وإنما على زنة نظيره العبرى مفُعل – أى محمد – بنفس المعنى عبريا، ومن هنا قال الأسبان Mahoma وقال الفرنسيون Mahomet اللتين تحار في تعليل تحريفهما ، وربما أسأت الظن فحسبت أنها " ما حُمدِ" نفيا للحمد عنه صلى الله عليه وسلم).
    ولكن آباءهم في الأندلس كانوا يسلمون بهذا الاشتراك، بدليل نطقهم اسم النبي لنصارى الأسبان والفرنسييين لا على زنة مُفعل العربي- أى محمد- وإنما على زنة نظيره العبرى مفُعل – أى محمد – بنفس المعنى عبريا، ومن هنا قال الأسبان Mahoma وقال الفرنسيون Mahomet اللتين تحار في تعليل تحريفهما ، وربما أسأت الظن فحسبت أنها " ما حُمدِ" نفيا للحمد عنه صلى الله عليه وسلم


    أما أكثر أوجه المغايرة دلالة على أصالة العربية وسبقها فهو أن العربية لا يوجد فيها لفظ مشتق إلا وهى تستخدم ثلاثية المجرد في أصل المعنى الموضوع له، أما العبرية فيكثر فيها المشتق الذي لا حذر له. معنى ذلك أن العبرية تأخذ اللفظ المشتق على صورته عند أصحابه دون فهم أصل معناه في جذره الثلاثي. والجذر بالطبع أسبق وجوداً من اللفظ المشتق منه. العبرية إذن ناقلة عن العربية، ولا يتصور العكس. من ذلك أن الفعل العربي"نجل" بمعنى قطع وطعن- ومنه" المنجل" أداة الحصاد- لا وجود له في العبرية، ولكن الموجود في العبرية من مادة الجذر العربي

    "نجل اللفظ "مجال" (أوصلها "منجال") أي المنجل: استعارت العبرية "المنجل" ولم تستعر "النجل". هذا يفسر لك لماذا يلجأ اللغويون إلى المعجم العربي لمحاولة فهم غوامض العبرية والآرامية، لهذا صح عند اللغويين الأثبات أن العربية هي أم الساميات جميعا، لأنها الخزانة اللغوية التي تغترف منها سائر لغات الفصيلة ولا تنضب هي، بل لديها دائما المزيد.وربما ترجح عند بعضهم أنها أيضا الأصل البعيد الذي انشقت عنه وتحورت سائر لغات المجموعة الإفريقية- الآسيوية، ومنها المصرية والحبشية.







    ولكنك في أقل القليل تستطيع أن تؤكد- مصيبا غير مخطئ- أن اللغة العربية- أيا كان الشكل الذي تطورت منه إلى الشكل الذي نزل به القرآن في مطلع المائة السابعة لميلاد المسيح- كانت هي نفسها في عصر ما غير بالغ القدم اللغة السائدة بين سكان شبه الجزيرة من أقصى اليمن إلى أقصى الشام، وأن الآرامية التي ارتحل بها آباء إبراهيم من العراق إلى سورية، والعبرية التي ارتحل بها إلى مصر يعقوب وبنوه، وعاد بها بنو إسرائيل إلى جنوبي فلسطين بغير الوجه الذي ذهبت به فتعاجموا بها على إخوانهم الموآبيين - هذه وتلك وسائر ما تكلم به أهل الشرق الأدنى القديم في شبه الجزيزة – ليست إلا لهجات قبلية متحورة عن هذه العربية نفسها، تهجنت بها ألسنتهم بتأثير الغزو اللغوي الحضارة الذي توالى على أطراف شبه الجزيرة، شرقيها وشماليها، وسلم منه قلبُلها في الحجاز، وإلى حد بعيد جنوبيها في اليمن. على أنك إزاء هذا المستوى الفنى الرائع الذي ارتقت إليه تلك اللغة الفذة نحوا وصرفا وإعرابا- ضد منطق التاريخ ومنطق الحضارة- والذى تلمسه قبيل نزول القرآن – فيما صحت نسبته إلى الجاهليين من شعر- لابد يخايلك إحسان مبهم بأن تلك اللغة لا ريب سليلة حضارة موغلة في القدم سبقت عصر الطوفان وسبقت عصر التصحر والجفاف في شبه الجزيرة ، ثم ضاعت في ضباب التاريخ. ولكننا لا نخوض بك في تاريخ ما قبل التاريخ، فلا علاقة لموضوعنا بهذا الفن ، ولسنا نحن أيضا من رجاله.







    (4)





    تحدثنا فيما سبق عن أوجه التقابل والتغاير بين العربية والعبرية داخل الفصيلة السامية. وما ذكرناه بشأن العربية والعبرية ينطبق في جملته، مع بعض تفاوت، على ما بين العربية والآرامية ، وعلى ما بين الآرامية والعبرية تلك اللغات السامية الثلاث الألصق بموضوع هذا الكتاب. ما أردناه هو التمثيل لوجوه التقابل والتغاير بين أفراد الفصيلة اللغوية الواحدة، التي تجعل إحداها كلاما أعجميا في سمع أهل اللغة الأخرى من نفس الفصيلة، وفيما ذكرناه كفاية، وعذرنا أن الإفاضة بعض الشئ في المقارنة بين العربية والعبرية بالذات، تفيدنا في استجلاء"عجمة" العلم العبراني الذي نتصدى له فيما يلي من فصول الكتاب.



    ****



    هذا التقارب، والتغاير أيضا، بين أفراد فصيلة لغوية معينة، ولتكن الفصيلة السامية، داخل أسرة لغوية معينة، ولتكن الفصيلة السامية ، داخل أسرة لغوية معينة، ولتكن أسرة اللغات الإفريقية-الآسيوية، يدلان على أن التقارب قد كان منشئوه التجاور في الزمان والمكان حقبة من الدهر بين أبناء الفصيلة اللغوية الواحدة، لأن اللغات تُتعلم بالمحاكاة والتقليد، وهذا لا يتسنى إلا في بيئة معيشية مشتركة.



    على أن التقارب- وهو دون التطابق- يفيد بذاته وجود مغايرة بقدر ما بين اللغتين من ذات الفصيلة، لا يمكن تفسيره إلا بحدوث انفصال بيئي بنفس القدر بين أبناء هاتين اللغتين تعرضت إحداهما خلاله- بالمحاكاة والتقليد أيضا- لتأثيرات لغوية من حضارات مجاورة، أو غزوات لغوية- حضارية شنها أقوام يتحدثون غير اللغة، ليس هذا فحسب، بل إن هذا الانفصال البيئي ربما صاحبه انفصال حضاري في اتجاه مغاير، استتبع تطور اللغة في اتجاه مغاير لتطور اللغة التي انشقت منها، فتتباعدان إلى حد التعاجم. ذلك أن اللغات ، بغض النظر عن الغزو اللغوي- الحضاري، لا تثبت قط على حال، بل تنمو وتتحور أيضا، لا بفعل المؤثرات الخارجية وحدها، وإنما أيضا بفعل ارتقاء- أو انتكاس- الحضارة الذاتية لأبناء اللغة: تنتعش الحضارة فتتغنى اللغة، وينضب معين الحضارة فتذوى اللغة أو تموت. والأصل في هذا أن الألفاظ أوعية المعاني، تماما كما أن الجسد وعاء الروح: لا يولد في اللغة لفظ جديد إلا متلبسا بمعنى جد لأهل اللغة. والحضارة التي يصيبها العقم فلا تتطور ولا تبدع ولا تبتكر، تعقم لغة أهلها أيضا فلا تولد فيها ألفاظ جديدة لمعان ومسميات جديدة سبقهم إلى الوقوع عليها أبناء الحضارة الغالبة، أصحاب الحق الأول في تسمية ما يكتشفونه ويبتدعونه. وبقدر ما تتهجن الحضارات التوابع، تتهجن اللغة، لن اللغة التي عقمت بعقم حضارة أهلها لا تجمد مفرداتها فحسب على ما جمدت عليه حضارتهم، ولا تضمر مفرداتها فحسب وتشيخ، وإنما يهجرها أهلها أيضا إلى ألفاظ"أعجمية" تلتوى بها ألسنتهم، هي تلك الألفاظ التي اصطنعها أصحاب الحضارة الغالبة لما استحدثوه أو تطوروا إليه من أنماط حياة وأدوات حياة.



    وعيب اللفظ المنقول على أصله الأعجمة إلى اللغة المستعيرة أنه ليس دالا بذاته على أصل معناه في لغة المنقول عنهم، فيلتبس على غير المتخصص من أبناء اللغة المتسعيرة، وربما استخدم في غير ما وضع له. يحدث هذا بالتحديد في ألفاظ" المعاني" أي الألفاظ الدالة على الفعل وهيئة الفعل، من مثل" الاستراتيجية" و"الديمقراطية"، الخ، في اللغات المعاصرة، مما ليس له مقابل مادي خارج الذهن، يوضحه ويجليه ويذكر به، أكثر مما يحدث في أسماء الأشياء والمنتجات والمصنوعات والعدد والآلات والمكتشفات والمخترعات التي سبقت إليها الحضارة الغالبة مثل "الرادار" وغيره، مما له خارج الذهن مقابل مادي يوضحه ويجليه ويذكر به.



    أما اللغة التي تستعير من غيرها معانى الأفعال وأسماء الأفعال، فهى لغة قد عقم تفكير أهلها وضحل، ينتظرون من غيرهم أن يفكر لهم، ثم يأخذوا عنه أخذ الببغاء والقردة، فيزدادوا تبعية ويمعنوا انتكاسا، لغة أهل الحضارة الغالبة هي المثل على تطور اللغة بتطور الحضارة الاتية لأبناء اللغة، ولغة الحضارة التابعة هي المثل على تحور اللغة بتاثير الغزو اللغوي- الحضاري.



    وتستطيع أن ترتب على هذا – مصيبا غير مخطئ- أن اللغة الأغزر ألفاظا أو الأقدر على نحت جذور الألفاظ، هي اللغة الأقدر على توليد المعاني، وأنها اللغة الأدق عبارة، الأوضح فكرة، الأطوع لتشقيق المعاني،الأقوى على التخيل والإبداع، الأملك لعنان الفكر، الأثبت في وجه الغزو اللغوي- الحضاري.



    ولأن الحروف – أي الأصوات- هي لبنات الألفاظ، تستطيع أن تقول إن اللغة الأقدر على نحت جذور الألفاظ، هي اللغة الأكثر احتواءً لكافة الأصوات المفردة الممكنة ، أي الأوفر أصواتاً وحروف نطق.



    وتستطيع أن تضيف إلى هذا ان اللغات الصرفية ذوات الأوزان، كما هو الحال في اللغات السامية، وأمها العربية، هي وحدها- دون اللغات الغروية- الأقدرعلى تمثيل الألفاظ الأعجمية وهضمها،لأنها – وبالذات اللغة العربية- لا تقبل اللفظ الأعجمي على صورته في لغته، وإنما تعربه فتجانس بين حروفه على مقتضى مخارج أصواتها، ثم تقولبه في قوالبها وتصبه في أوزانها ، ثم تشتق منه، وتتصرف فيه، حتى يبدو اللفظ الأعجمي لغير المتخصص وكأنما ولد عربيا لأب عربي.



    واللغة العربية في هذا كله- دون سائر اللغات- فرس لا يدانى، لأنها الأكثر حروفا، الأغزر جذورا، الأوفر أوزانا، الأضبط نحوا وموازين صرف. ولكنها أيضا – ولنفس الأسباب- اللغة الأقمن باشتباه الأعجمي فيها بالعربى، لأن اللفظ المنقول إليها ذابت عجمة معناه في عروبة صورته بعد تعريبه. قارن فى هذا السياق"ساذج" المعربة عن الفارسية"ساده" بمعنى النقى الخالص، وأيضا الاسم الللاتيني"كسر"المعرب إلى "قيصر".



    على أن النقلة العرب في العصر الحديث، لا سيما في نصف هذا القرن الأخير، لم يلتزموا قواعد التعريب التي تقتضيها أوزان اللغة العربية ومخارج أصواتها:



    عربوا " الخط" ولم يعربوا اللفظ ، فأساءا ولم يحسنوا . قد مهد لهذا- رغم جهود محو الأمية ونشر التعليم في عصرنا- شيوع العامية وتراجع الفصحى على الألسنة ، لا في لغة الحديث اليومي فحسب ، بل وفى الخطابة وفى الإذاعة والتلفزة، حتى استجازتها الصحف فتسللت إلى أقلام أهل الفكر والفن والأدب، وحتى أصبح استيعاب قواعد النحو والصرف والأعراب وتعلمها وتعليمها، على بساطتها في العربية وانضباطها، مشكلة كبرى لجمهرة المثقفين أنفسهم فما بالك بغيرهم؟



    بمثل هذا – وقد بدأ بالفعل- تستحيل اللغة رطانة شائهة هجينة ، تعتجم على القائل والسامع. والذي تشوه لغته وتعتجم لا يحسن القول ولا يحسن الفكر، ومن ثم لا يحسن التلقي ولا يحسن العمل. لأن اللغة ليست أداة التعبير فحسب، ولكنها أيضا – وبالدرجة الأولى- أداة العقل والفكر. ومن ذلك ما تسمعه من محدثك في الإذاعة والتلفزة الذي يردف لك اللفظ العربي بما يظنه المقابل الأعجمي ، وكأنما يريد أن يثبت في ذهنه وذهنك..



    والغريب أن دعاة"التحضر" في هذا العصر، لا يعيرون هذه "القضية الحضارية" التفاتا. والأعجب أن دعاة القومية"العربية" في هذا العصر- واللغة العربية عنصرها الأول والأهم- هم أداة "التغريب" أيضا، ويا له من تناقض!



    على أن اللغة العربية- والقرآن كافلها وكفيلها – أكرم على الله عز وجل من أن تهان، وأسمى من أن تبتذل، وأقوى من أن تهزم، وأخلد من أن تبيد. تلك كبوة حضارية عابرة، ليست القاصمة.







    (5)





    مر بك أن اللغات يلقح بعضها بعضا، ويستعير بعضها من بعض . وهو تلاقح محمود، فوق أنه محتوم. وهو محتوم لا مناص منه لأنه ناشئ عن احتكاك القبائل والشعوب بعضها ببعض سلما أو حربا، يموج بعضهم في بعض، ويجوس بعضهم في ديار بعض، فيعرفون وينكرون: يعرفون ما ألفوا له مثيلا في قومهم، وينكرون ما لم يسبق لهم به عهد، حسن أو قبح. ويعود كل إلى أهله بما رأى وسمع.



    هب أنك عربي عاش في قرون خلت، زرت الصين فقدم لك أهلها شرابا قوى النكهة حسوته فاستطبته فسألت عنه، فقالوا لك : هذا "شا" ، فقلت في نفسك: ما أطيب هذا الـ"شا" ؛ وما أن رجعت إلى أهلك وفى جرابك بعض من هذا النبت العجيب، تغلي لهم ورقه، وتديره على جلسائك، يحتسونه ويستطيبونه كما استطبته أنت من قبل ويسألونك عنه فتقول : هذا "شاي"؛ أضفت الياء من عندك ليستقيم لك الوزن العربي الذي مرن عليه لسانك . على هذا النحو أو قريب منه عرف العرب"الشاي"، الاسم والمسمى.



    وقس في المقابل على الشاي ما شئت من مثل "جمل" العربية التي صارت
    Kamelos
    في اليونانية و
    Camelus
    في اللاتينية و
    Chameau
    في الفرنسية و
    Camel
    في الانجليزية، إلى آخره.
    من هذا أيضا أن اليونان ما كان لهم أن يسموا "الواحة" قبل أن يروا الصحراء، وما كان لهم أن يروا الصحراء قبل أن يزوروا مصر، ومن هنا
    "Oasis"
    اليونانية التي انتقلت بنصها إلى اللاتينية وبناتها والآخذات عنها، وهى في الأصل مصرية قبطية.



    هذا التلاقح اللغوي المحتوم، محمود أيضا لأنه يثرى اللغة المستعيرة بما يحتاج أهلها إلى اصطناعه ، مما ليس لديهم، اسما ومسمى، وهو مقبول مشكور بالذات في أسامي النبات والحيوان والجماد، مما سبقك غيرك إلى تسميته ، ومثلها أسامي الأطعمة والألبسة والعدد والأجهزة ، الخ. متى اصطنعت المسمى فلا بأس عليك من استعارة التسمية. التوقف في هذا عقيم مرذول، فوق أنه تنطع ونفاق: كيف تأنف من تسمية "الفالوذج" فارسيا معربا وأنت تسرطه سرطا؟ ( سرط الطعام يعنى التهمه)
    وكيف تأنف من قول"رابوت" تعريبا على وزن "تابوت"… تلك اللفظة التشيكوسلوفاكية Robot (التي لم يأنف من استعارتها أصحاب الحضارة الغالبة) ولا تخجل من تشوقك إلى استخدام "الروابيت"في مصنعك، تريد"الروبتة" ولا تريد "الرابوت"؟ لو أردت الترجمة بالمعنى- و Robot التشيكوسلوفاكية معناها"الخادم" – لابتعدت عن ذلك اللفظ السقيم المركب- الإنسان الآلى- "الخيشبان" في قصصك الشعبى- لأن "الرابوت" ليس بإنسان وليس بالضرورة على شكل إنسان- ولقلت مثلا"العفريت" (خادم الخاتم في قصصك الشعبى).
    . ولكن هذا وذاك لا يصلحان لأنهما كليهما يشتبهان بمعان أخرى في لغتك، فلا يؤمن الخطأ واللبس على السامع والقائل، كما قلت في "التليفون" "الهاتف" ، ولو شهده العرب القدماء لقالوا فيه "طلفان" ولاشتقوا منه فعلا ومصدرا (طلفن – طلفنة)، يبدلون من التاء في الجذر طاء كيلا يشتبه بمادة الجذر "تلف" .


    هذه هي شروط "التعريب" الجيد المقبول في العربية:

    (1) اختزال أحرف اللفظ الأعجمي إلى جذر رباعى- على الأكثر – كي يتاح الاشتقاق منه.



    (2) تجنب اشتباهه بجذر لفظ أصيل في لغتك. إن لم يتسن لك ذلك كله مجتمعا، فالترجمة أولى.



    أما السقيم المقبوح، فهو استعارة أهل اللغة من أصحاب الحضارة الغالبة لفظا أعجميا لا يحتاجون إليه، وعندهم مثله ، كمن أراد العدول عن تحية الإسلام إلى تحية الجاهلية ، فقال"بنجور" Bonjour الفرنسية، ولديه في لغته "عم صباحا" (وأصلها نعمت صباحا)، وهى طبق الأصل من تلك. وتستطيع أن تجزم- كما أجزم – بأن هذا القائل بغير لغته، في "بنجور" وأمثالها هو نفسه الذي يقول لك: لا مشكلة؛ (No Problem) يريد لا بأس؛ وهو في الحالتين- الرطانة والترجمة – ببغاء يهرف بما لا يعرف.



    على أن الحديث عن أسباب هذا "التعريب" الببغاوى ونتائجه ، ليس من مقاصد هذا الكتاب، وإنما الذي نعنى به هو ذلك التلاقح المحمود المحتوم بين اللغات، قديمها وحديثها.



    ****



    في التلقيح والاستلقاح دلالة تاريخية- حضارية لا تخفى، ليست هي في كل حال أخذ التابع عن المتبوع، والمغلوب عن الغالب، فقد يأخذ الغالب عن المغلوب، والمتبوع عن التابع (كما في "بطاطة" التي استعارها الغزاة الأوربيون عن أهل الأمريكتين، وكما "تفلسف" الرومان اللاتينيون على أيدي أرقائهم اليونان، ومثلما أخذ اليونان عن القبط، والعرب عن الصين على ما مر بك). بل قد تتجاور الحضارات على استواء تجاور الأنداد ، فيفضي بعضهم إلى بعض، دون استعلاء أو غضاضة، مثلما تجاور الفرس واليونان، والهند والصين، وآشور ومصر. الدلالة التاريخية- الحضارية للتلقيح والاستلقاح في اللغات، أي دلالة السبق إلى المعنى بدليل السبق إلى اللفظ، لاسيما في المعاني المجردة مثل "تفلسف" وأسامي العدد والأدوات مثل"المنجل"، هي دلالة الأقدم وجوداً، الأسبق ارتقاء، الأفعل تطورا: إنها دلالة الأستاذية أو التلمذة.



    وإذا جاز لعلماء التاريخ ومؤرخى الحضارات الاستعانة في تأصيل مقولاتهم بهذا الشاهد اللغوي في جملة ما يتاح لهم من شواهد الأحافير والنقوش والمخطوطات فليس من شأن اللغوي المحقق أن يفعل العكس، فيستدل بسبق حضاري مزعوم على سبق لغوى مفترض، بل عليه أن يترك لمؤرخي الحضارات مهمتهم، ويستقل هو بمهمته، فيبنى مقولاته استنادا إلى مباحثه اللغوية وحدها، غير متأثر بمقولات المتخصصين في غيرها، صحيحها ومنحولها، مغرضها وبريئها : أصالة اللفظ في اللغة تبنى أول ما تبنى على وجود جذر أسبق منه، يستخدم فيها بمعان متعددة متقاربة يتوالد بعضها من بعض ، نحت منها اللفظ المختلف عليه مادته. من ذلك ، مادة الجذر- "قلم" بمعنى قطع وبرى. إنها الأصل العربي لأداة الكتابة الموصوفة في القرآن بالقلم (العلق:4)، فالقلم هو المقطوع المبري، أي قوله عز وجل :



    { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } (44) سورة آل عمران، وزلمه يعنى قطعه. والقالم يعنى العزب المنقطع عن الزواج. والقلامة هي ما يقطع من طرف الظفر والحافر والعود. وقلم الشجرة يعنى أخذ من أطرافها لتقوى، فالقلم أيضا بمعنى الغصن أو العود المقطوع من أمه، ولا شك أنه قبل اصطناع المداد، كان القلم من هذه العيدان، لا من القصب واليراع (اليراع هو مطلق القصب -نبات القصب- أو هو رقاق القصب.)، هو أول ما كتب به على عسيب النخيل ولحاء الشجر، كما تجد في قوله عز وجل : {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ } (27) سورة لقمان.



    لفظ القلم إذن ، الذي وصفت به أداة الكتابة في السورة التي سميت باسمه: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ.مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} (1-2) سورة القلم ، وأداة العلم والتعليم في أول ما نزل من القرآن : {{اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ.عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (3-4-5) سورة العلق، لفظ عربي أصيل، منحوت من جذر عربي أصيل (ق- ل-م)، تدور معانيه على القطع والقط. وليس من حذاق اللغويين من توهم أن لفظة قلم الموضوعة في العربية لمطلق أداة الكتابة أيا كان شكله ومادته- أي اسم جنس لكل ما يكتب به- لفظة مستعارة من اليونانية "كلمس" Kalamos لمجرد التشابه بين اللفظتين،



    أولا: لأن "كلمس" هذه في اليونانية لاتعنى القصبة واليراعة. ولا شك أن الناس قبل اصطناعهم القلم من القصب- والعرب بعض الناس- كتبوا بكل ما ينحت وينقش ويخط، بل كتب المصريون القدماء بالأزميل، وكتب الإنسان أول ما كتب بإصبعه مجردا. وليس اليونان أول من كتب، بل إنهم تعلموا فن الكتابة من عرب الشمال (الفينيقيين) ، بدلالة لغوية قاطعة ، وهى اصطناعهم الأبجدية الفينيقية برسومها وأسامى حروفها. الذي ينتحل الخط لا يبعد أن يستعير من أستاذه القلم.



    وثانيا: لأن العرب حين اتخذوا القلم من القصب بعد عصر القرآن سموا هذا النوع من الأقلام باسمه النوعى:"اليراعة"، وما كان لهم أن يستعيروا اسمه النوعي من اليونانية" "كلمس" بمعنى القصبة أو اليراعة. ولديهم المقابل العربي الأصيل، إلا إذا زعمت أن العرب بالمعنى العام، أي سكان شبه الجزيرة ، لم يعرفوا القصب- ذلك النبت الأنبوبى الذي يفشو في المناقع ومجارى الأنهار- قبل أن يعرفه اليونان، والعرب بالسبق إليه أشبه، وبالتعرف عليه عند أصحابه- جيرانهم المصريين- أولى.



    ثالثا: لأن اليونان حين اتخذوا العصى من كبار القصب، لم يسموا تلك العصا "كلمس"- أي القصبة- ولكنهم سموها "كنا" Kanna، أخذا عن الفينيقية "قنو"، وهى نفسها "قنا" العربية اسم جنس مفرده "قناة". ومن هذه العصا ذات "العُقل" اتخذ اليونان المقاس الذي تقاس به الأطوال، وتوسعوا فقالوا Kanon، أي القانون الذي يقاس به ويقاس عليه.ها أنت ترى أن "القانون" لفظة عربية الجذر يونانية الاشتقاق فحسب ولو كانت "كلمس" بمعنى القصبة أسبق وجودا في اليونانية لقالوا في معنى القانون"كلمون" Kalamon ولما قالوا "كنون" Kanon بل لما استعاروا "قنو" الفينيقية أصلا.



    (عرف العرب "القصبة " مقاسا للأطوال. وعرفها العبرانيون أيضا، ولكنهم اشتقوها من "قنى" العبرية- وهى "قنا" العربية – فقالوا" قنى همدا" أي قصبة القياس (همدا= المدى). أنظر أسفار العهد القديم فى نصها العبرانى: حزقيال 40/3 على سبيل المثال)

    (فينيقيا هو الاسم الذي أطلقه اليونان قديما على من فى قبالتهم من أهل الشام، وهى من "فوينوس" Phoinos" اليونانية بمعنى الأحمر الداكن. ومن هذه Phoinikas اليونانية بمعنى "النخلة". فكأن الفينيقيين عند اليونان هم "أصحاب النخيل"، أو هم "السمر في حمرة"، وكأنها من "ادومي" العبرية "جيران لبنى إسرائيل"... قارن "آدم" العربية، بمعنى الشديد السمرة . وهذا نفيس ، فتأمله.)
    فينيقيا هو الاسم الذي أطلقه اليونان قديما على من فى قبالتهم من أهل الشام، وهى من "فوينوس" Phoinos" اليونانية بمعنى الأحمر الداكن. ومن هذه Phoinikas اليونانية بمعنى "النخلة". فكأن الفينيقيين عند اليونان هم "أصحاب النخيل"، أو هم "السمر في حمرة"، وكأنها من "ادومي" العبرية "جيران لبنى إسرائيل"... قارن "آدم" العربية، بمعنى الشديد السمرة . وهذا نفيس ، فتأمل


    كان هذا بحثا لغويا مجردا، أردناه مثالا لكيفية التدليل على عجمة لفظ ما أو أصالته في لغة بعينها ، لا نستطرد منه الآن إلى أمثال "الصراط" و"القسطاس" و"إبليس" ، الخ. ، عند من قال بعجمتها في عربية القرآن من أدعياء الاستشراق المتطفلين على مباحث اللغة، الذين خبطوا في القرآن خبط عشواء- بعد أن أنكروا على القرآن أن يكون من عند الله، واستعظموا في الوقت ذاته على محمد صلى الله عليه وسلم أن يستقل"بصنعه" دون أن يُعينه عليه قوم آخرون- فخاضوا على غير علم في إثبات إلا جهلهم وجهالتهم ، وماتوا بغيظهم. وقد تابعهم للأسف أشياع لهم مسلمون عرب فيهم من تجله وتوقره، بل من لا تشك في علمه وإسلامه وعروبته، فلا تملك إلا أن تستغفر الله لهم.



    السراط (صراط فى القرآن) مأخوذ من الجذر العربى"سرط" ، و ...انسرط الطعام فى الحلق: لان وسهل منه اشتقاق"السبيل" فهو الرخى المرسل. وليس "الصراط" من "ستراتا" strata الرومية اللاتينينة (ومعناها "المرصوفة" أى الطريق المرصوفة Via Strata) فلم يعرف العرب الطرق المرصوفة حتى يصطنعوا لها اسما، وليست السهولة في "صراط" العربية من الرصف بل من الاستواء والاستقامة.
    وليس "الصراط" من "ستراتا
    " strata
    الرومية اللاتينينة (ومعناها "المرصوفة" أى الطريق المرصوفة
    Via Strata)
    فلم يعرف العرب الطرق المرصوفة حتى يصطنعوا لها اسما، وليست السهولة في "صراط" العربية من الرصف بل من الاستواء والاستقامة


    أما القسطاس فهو من القسط، كررت فيه السين تفخيما وتغليظا. والقسطاس أيضا اسم جنس للميزان العدل لا جمع له وإنما يجمع- على المعنى- بعبارة الموازين القسط، كما فى قوله عز وجل: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ } (47) سورة الأنبياء. والجذر "قسط" أصيل فى العربية، تجد له فى الفصيلة السامية قرينا من العبرية ، وهو "قشط" الذى اشتقت منه " قاشاط" العبرية بمعنى الميزان.



    وإذا كنا نعيب هذا التخبط وهذا الإسراف، فنحن لا نقصد إلى تنزيه العربية عن الاقتباس من غيرها. وقد مر بك أن التلاقح بين اللغات أمر محتوم، فوق أنه محمود مقبول حين تدعو إليه الحاجة. بل لا تخلو معاجم أي لغة من ألفاظ أعجمية الأصل. وليست العربية بدعا بين اللغات. فلا غضاضة في هذا على العربية أو على غيرها.



    ونحن ابتداءً- لنفس السبب- لا نُحيل على القرآن أن يصطنع اللفظ "الأعجمي المعرب" ، فليس هذا مما يقدح في عربية القرآن، وإنما هو يجليها،لأن الأعجمي المعرب بمجرد سيرورته على اللسان وإيناسه في الإذن ، تنفك بالتعريب عجمته، وتستبين دلالته، فيصير"عربيا"، أي يفهمه العربي القُحُ مباشرة، لحظة يقرع مسمعه.
    أما "الأعجمي الأعجم" الذي يقع في سمع العربي غريبا بجرسه، مستغلقا بمعناه، لا يفهمه إلا أن يترجم له، فمحال وقوعه في القرآن ، دع عنك سماعه في أي قول فصيح.



    ونحن كذلك – ولنفس السبب- نُحيل على القرآن "اختراع" ألفاظ أعجمية لا سابقة بها للعرب ولا عهد، يلتقطها من الأعاجم ويعربها ويعربها للعرب، فالأعجمي المعرب يظل أعجميا أعجم حتى تنفك عُجمته بطول الاستعمال. ثم ... ما حاجة القرآن إلى التعاجم على العرب بألفاظ من مثل الصراط والقسطاس، ولديه في الفصحى جم وفير من الألفاظ في معنى"الطريق" ومعنى "العدل والميزان" ؟ وإذا كانت "الصراط" و " القسطاس" من محدثات القرآن – وهما كذلك بالفعل- فهل اعتجمتا على العرب. أم فهموا على الفور أن الأولى من السراط والثانية من القسط؟
    (ظنها بعض المستشرقين من
    Justus
    اللاتينية نعتا لما هو حق وعدل، وتندهش كيف خفى عليه أنها تبدأ بالحرف
    J
    الذي ينطقه اللاتين ياء، فهي عندهم "يُستس" لا "جستس" التي تحورت ياؤها جيما الآن في الانجليزية والفرنسية والإيطالية.) هل ظل العرب قرونا لا يفهمون معنى القساطس على سبيل المثال حتى فسرها لهم ذلك الدعىُ المستشرق، بل قد فهم العرب هذا وأمثاله منذ أن تلي عليهم، لأنه- على جدته في الأذن عربي الاشتقاق، يرده العربي سليقة، فور سماعه، إلى جذره المشتق منه. ولو كان لفظا أعجميا اخترعه القرآن في كلام العرب- لم تتحقق له سيرورة الأعجمي المعرب- لدى أسماعهم، لما فهموه قط إلا أن يترجم لهم.



    ما أكثر ما خاض كفار قريش في مقام النبوة، وكم سفهوا وتسافهوا. ولكنهم ما جرؤوا في لدادتهم أن يمسوا القرآن بسوء، لا تقصيرا ولا تعففا. بل لو وجدوا في القرآن مغمزا لما عفوا وما أقصروا. ولكن القرآن أعجزهم أن ينالوه بسوء، ولو ادعوا عليه العجمة لافتضحوا بين العرب.



    بل ما أكثر ما قالوا- وقال الذين لا يعلمون مثل قولهم- إنما يعلمه بشر. ما قالوه إلا إعظاماً لشأن القرآن- الذي أنكروا عليه الوحي- أن يعلم علمه عربي من العرب، ولكنهم سقطوا وأفحموا. قال عز وجل :



    {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} (103) سورة النحل. أي لم تكتفوا بإنكار الوحي على القرآن ، وإنما استكثرتم على النبي العربي أن تنحلوه إياه، فكيف بعيى أعجمى يلقنه كتابا هو لب العربية ولبابها؟



    هذه القدرة الفذة المذهلة على تعريب أعجمة القرآن وتفسيره بأدق معانيه وهذا العلم المحيط في لغات درست بألفاظ يحار فيها إلى اليوم علماء اللغات وأحبارها، وهذا التصويب المعجز- كما سترى – لما وقر في كتاب الأسفار وشراحها، أنى لبعض هذا أن يعلمه بشر؟

    يتبع...

    =================







    مرسلة بواسطة أستاذ/ ولاء الشاذلي في 10:19 م 1 التعليقات
















    ////////
    الأحد، 22 أبريل، 2007
    الاسم العلم في الكتب المقدسة
    السلام عليكم

    أرجو أن يكون موضوع كتاب "من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن" قد أعجبكم. ولعل الشرح يطول بعض الشيء لكن العذر في تشعب الموضوعات وأهميتها في نفس الوقت....
    عرضنا في المقال السابق سر تميز اللغة العربية عن غيرها من لغات الأرض في عصر نزول القرآن بل وحتى اليوم رغما عن أنف المستغربين!... أما اليوم فنركز على بعض النقاط الأخرى مثل:

    1- الاسم العلم ودلالته.
    2- هل لأسماء الأنبياء والرسل معنى... أم هي مجرد أسماء سميتموها لا تعبر عن شيء؟!
    3- يتطرق بنا الحديث هذه المرة إلى الكتب المقدسة "التوراة" و"الإنجيل" ولماذا كتبت أغلب أصولهما باليونانية القديمة رغم أنها لم تكن سائدة عصر موسى وعيسى عليهما السلام!
    4- هل كانت ترجمة الكتاب المقدس دقيقة دائما؟!
    5- ما هو العلم الأعجمي وكيف تعامل معه القرآن الكريم؟!
    6- ما سر الخلاف بين القرآن والكتب المقدسة الأخرى في تسمية بعض الأعلام؟!

    مع تحياتي




    من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن
    العلم الأعجمي في القرآن مفسراً القرآن
    المؤلف/رؤوف أبو سعدة
    ******

    الاسم العلم في الكتب المقدسة

    (1)

    الأعجم أصل معناها "الأعوج" ، من عجمه يعنى لواه، ومنه عجم عوده، أى ثناه، يختبر صلابته.واعتجم عليك الكلام، واعتجم عليك اللفظ، أي التوي، فلا يستقيم له معني عندك، كما لا تفهم أنت إلا كلام بني أمتك، إلا أن تتعلم لغة غير لغة أهلك. وصدق الحق سبحانه إذ يقول:
    {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم } (38) سورة الأنعام.
    { يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } (41) سورة النــور.
    { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } (44) سورة الإسراء.

    وسمي "الأجنبي" أعجميا، لأنه يتكلم لغة لا تفهمها. وأنت أيضا "أعجمي" عنده لأنك لا تفهم ما يقول، أو لأنك تقول ما لا يفهمه هو. واللفظ "الأعجمي" هو اللفظ بلغة أعجمية، لا تفهم معناه، إلا أن تتعلم تلك اللغة. وهو أعجمي أيضا لأنه يلتوي به لسانك. إنه في الغالب الأعم لفظ لا تستطيع النطق به علي أصل وضعه عند أصحابه: ربما ثقل عليك وزنه، وربما حوي أحرفا لا مقابل لها في أصوات لغتك، فتحتال علي نطقه قدر ما تستطيع، ولكنك لا تستطيع الاستمرار في المحاكاة والتقليد فتعود إلي سليقتك، وتنطقه محرفا، بعد أن تهذبه وتنقح فيه، حتي يستقيم لك نطقه علي وزن "عربي" بأصوات "عربية" : ربما أسقطت حرفا أو حركة، وربما زدت فيه أو أبدلت منه.

    والأعجمي المنقح علي هذا النحو- أي المصبوب في قوالب العربية وأوزانها – يسميه اللغويون"الأعجمي المعرب". وفي هذه التسمية إشارة إلي أن الأعجمي المعرب يظل أعجميا أيضا بعد تعريبه، لا بحكم ما كان عليه. فقد استعرب لك، ولا بحكم دلالته علي مسماه، فقد استبان المسمي، ولا بصورته. فقد استقامت علي موازين العربية ومخارج أصواتها، وإنما هو يظل أعجميا بمادته، أي بجذره الأعجمي المشتق منه في لغة أصحابه، وهو جذر لا مفهوم له عندك. بل أنت تدرك من الأعجمي المعرب معناه في مجمله، ولا تدري مما نحت لفظه، أو تركب، كي يؤدي هذا المعنى.
    خذ مثلا لفظة" سجيل"، ذلك الرجز الذي وقع علي أبرهة وجيشه :
    {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ. تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ.فَجَعَلَهُم ْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} (3-5) سورة الفيل،
    وعلى قوم لوط :
    {فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ. مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} (84:83) سورة هود . أنت في سجيل تقف عند المعنى العام. ولكنك لو أخذت برأي من قال إن سجيل معربة عن الفارسية "سكيل"، بمعني الطين المتحجر (سك= جاف، كيل = طين) لأدركت ماهية السجيل ومادته في أصل معناه.
    ومن طرائف الأعجمي المعرب أنه يتعجم علي أصحابه الأصلاء حين ترد إليهم بضاعتهم" منكرة" متحورة : هب مثلا أنك ممن يرون أن "المقوقس" ، عظيم القبط، معربة عن اليونانية "مجستس" Megistos (ومعناها "الأعظم") . وهبك أيضا كلفت بترجمة رسالة النبى صلي الله عليه وسلم إلي ذلك اليونانى المتمصر، أفتترك في ترجمتك اليونانية لفظ المقوقس علي حاله أم ترده إلي أصله اليوناني "مجستس"؟ إن لم تفعل فلن يفهم عنك المقوقس ما تقول. وهبك كلفت بترجمة رد المقوقس علي النبي، أفتقول في ترجمتك العربية: من "مجستس" إلي محمد (صلي الله عليه وسلم) ؟ إن فعلت فلن يفقه قارئك العربي ما تريد. وقل مثل هذا في رسالته صلي الله عليه وسلم إلي عظيم الروم"هرقل"،وأصلها بالرومية هركليوس Heraclius ، امبراطور بيزنطة آنذاك، وإن كان المخاطب بها في واقع الأمر وإلي هرقل علي الشام.

    استعرب الأعجمي إذن للعرب، فاستعجم علي أهله حين اهتجن. علي أن المستعرب يغدو عربيا بالتقادم، والأعجمي في اللغة يعدو بعد ذهاب لكنته أصيلا أو كالأصيل في مفرداتها، يخفي علي غير المتخصص أصل منبته، كما تري في لفظة"المهندس"، المأخوذة من الفارسية "هنداز"، بمعني القدر والحد، وكما رأيت من قبل في "سجيل" و"المقوقس" و "هرقل" وأمثالها: الأعجمي المعنوي، والأعجمي العلم. وهذا هو شأن أعجمي القرآن كله، معنويه وأعلامه.

    والذي يستوقف النظر أن القرآن لم يسم أحدا من معاصريه: لم يسم كسري ولا قيصر أو غيرهما من العجم. وإنما الذي ورد في القرآن من أعلام عصره ثلاثة أسماء لا غير، كلها عربي: محمد صلي الله عليه وسلم، ومولاه زيد رضي الله عنه، والذي تب وتبت يداه أبو لهب.

    كانت الأولى فيما نري - وقد وردت في القرآن خمس مرات إحداها بلفظ "أحمد"- تشريفا- للنبي، وكانت الثانية تنصيصا علي دخول زيد بن حارثة بزينب بنت جحش رضي الله عنهما وحلها من بعده للنبي تأكيدا لبطلان البنوة (راجع الآيات 37 إلي 40 من سورة الأحزاب)، وكانت سورة المسد حكما قاطعا بالتباب والخسران علي شخص بعينه، وعلي امرأته حمالة الحطب، وامتناع قبول التوبة منهما ، وأريد إعلان هذا الحكم لأبي لهب وقومه في هذه الدنيا، فكا لابد من تسميته بالإسم ، كيلا يختلف فيه أحد.


    (2)

    أما الذي نعينه بالاسم المعنوي - بعيدا عن مواضعات أهل النحو والصرف - فهو الاسم المشترك الدال بذاته علي معني ما يجتمع فيه كل أفراده لا يشذ منهم أحد، نكرة ما لم يعرف بالإضافة أو بالألف واللام، عام لا يتخصص إلا بالإضافة أو النعت، يقبل بطبيعته الإفراد والتثنية والجمع: إنه بالتحديد أسماء الأفعال، والصفات، وأسماء الجنس، أحيائه وجماده.

    من ذلك أن لفظة "إنسان" تصدق علي كل فرد من بني آدم . أما إن عرفتها بالألف واللام فهي مطلق"الإنسان". وتستطيع أيضا تعريفها بالإضافة فتقول مثلا "إنسان العين"، تعني "بؤبؤها"، أعني صورة ذلك الإنسان التي يطل بها عليك محدثك كلما حدقت في عينيه، وهي صورتك أنت انعكست علي بلورية عيني أخيك. وتستطيع أيضا أن تثني وتجمع ، فتقول "إنسانان" وتقول "ناس" و "أناسي" . وقس علي ذلك أمثال الزهرة والسنبلة ، والنملة والهدهد، والصخر والحديد، والسندس والإبريسم والديباج، والأسد والقسورة ، والبحر والجبل، والشيخ والصبي، والغني والفقير، والصغير والكبير. وقس علي ذلك أيضا أسماء الأفعال من مثل "فلسفة"، التي تجمع علي فلسفات ، أو "تعب" التي تجمع علي أتعاب و متاعب. لكل من الألفاظ التي ذكرت ، وأشباها، كما تري ، معني محدد في ذهنك وذهن محدثك ، وإن تحدثت به إليه فإنما تريد هذا المعني بالذات ، ولا تريد "شخص" من اتصف به أو وقع عليه، فكل الجبال جبل، وكل الآساد أسد، وكل الأثرياء ثري، وكل ما كان من الجمال بوجه فهو جميل.
    بل حتي إن خصصت فقلت : هذا الأسد ، فقد خصصت "أسدا" ما بالإشارة ، ولم تزد علي أن سميته باسمه "المشترك" بين سائر بني جنسه. وليس هكذا أمثال "زيد" أو "عمرو".
    الاسم " المعنوي " ، يريد المعني ولا يريد الشخص.
    الاسم " العلم "، علي النقيض من هذا كما ستري، يريد الشخص ولا يريد المعني.

    ****

    يطلق الاسم "العلم" لا يراد منه معناه، وإنما يراد منه شخص المسمي ذاته، ناسبه الاسم أو تناقض معه.
    خذ مثلا ذلك الصديق الذي لم ير قط عبوسا ، بل تلقاه دائما أبدا منفرج الأسارير متهلل الوجه، ولكنك لا تنفك تناديه بما سماه به أبوه، فتقول : يا عباس ؛ أو ذلك الشيخ الذي تمادي به العمر، وهو وليد. بل كم من عبلة عجفاء، وهيفاء ليست بهيفاء، أو خديجة لم يخدج بها .
    ورب عمرو لم يعمر، أو زيد ولا زيد ثم ولا فضل. وليست "القاهرة" لمجرد اسمها وحده بالتي تقهر دائما الغزاة، وإنما سميت عاصمة مصر بهذا الاسم تيمنا فحسب.
    الاسم هنا "علم" علي ذات صاحبه، والعلم من العلامة : إنه مجرد رمز ترمز به إلي شخص أو شعب أو بلدة أو موضع، يلخص في ذهنك كل ما "تعرفه" عن ذلك الشخص أو الشعب أو البلدة أو الموضع، تعلم هذا أو ذاك بتلك العلامة التي اصطلحت مع محدثك عليها كيلا تختلط عليكما الأشخاص والأماكن، مثلما يعلم الأب أبناءه بتلك الأسامي التي يطلقها عليهم، لا يريد من التسمية إلا هذا ، ولو سميت ابنك عمراً بزيد وسميت زيدا بعمرو، أو خالفوا في التسمية بين بغداد والقاهرة، لجاز . ولكنك متى سميت ، فقد خرج الأمر من يدك، لا تملك له تبديلا: لصقت التسمية بالمسمي وانتهى الأمر.
    الاسم العلم إذن هو اسم "الذات" مجردة من الصفات، لا معني له- مهما كان أصل وضعه واشتقاقه- إلا تلك
    الذات التي يدل عليها في ذهنك وذهن محدثك، لا تختلط بغيرها.
    ربما ثنيت فقلت "العمران". ولكنك عندئذ تريد أبا بكر بن أبي قحافة وعمر ابن الخطاب رضي الله عنهما، ولا تريد أي أبي بكر وأي عمر".
    بل ربما جمعت فقلت"المناذرة"، ولكنك تريد"آل المنذر" ملوك الحيرة ، لا كل "منذر". مع أن الاسم العلم يطلق علي كثيرين، أي يطلق نفس الاسم علي"ذوات" متعددة، متجاورة أو متباعدة في الزمان والمكان، وربما تكرر اسم جد لحفيد، بل في مصر "اسكندرية" وفي الولايات المتحدة صنوها، وفي قري مصر"باريس"غير "باريس" عاصمة فرنسا، إلا أنك حين تتحدث بالاسم العلم فإنما تتحدث عن واحد بعينه ، لا كل ما تسموا باسمه، تريد الشخص أو الموضع، ولا تريد "سميه". لهذا كان الاسم العلم"معرفة" بذاته، لا يتعرف بالإضافة إلي معرفة، ولا يتعرف بالألف واللام، وإنما يتعرف بالعلمية. ربما وقعت فيه الألف واللام،ولكن هذا مجرد حشو، كما في أمثال "القاهرة" أو "الحسن" ..، فأنت تعني في الأولى عصمة مصر، لا اسم الفاعل المؤنث من "القهر"، ولا تقصد من الثانية صفة "الحسن"، وإنما تريد الحسن بن علي رضي الله عنهما. وربما جازت الإضافة في الاسم العلم، كما في "نيل مصر"، ولكنك تريد ذلك " النهر" الذي في "مصر"، كما تقول "قاهرة المعز" ولا "قاهرة" في ذهنك وذهن محدثك إلا هي. ومن خصائص الاسم العلم أنه لا يوصف إلا علي الخير أو علي البدل، ولا يوصف علي النعت، لأن النعت يخصص، والاسم العلم متخصص بذات علميته"، لا يحتاج إلى مخصص. من ذلك قولك: "الله أكبر"، علي الخبر، تنزه ذات الله عز وجل عن المثيل والند، ولا تقول: "الله الأكبر"، علي النعت، لأن معني هذا أن ثمة آلهة الله أكبرهم، وهذا لغو لا يصح. أما الوصف علي البدل فمنه قوله عز وجل: الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيم . مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} سورة الفاتحة (1-3) أي الحمد لله الذي هو رب العالمين، الذي هو الرحمن، الذي هو الرحيم، الخ. فالله علم علي ذاته تباركت أسماؤه، وسائرها بدل منه. ينطبق هذا بتمامه علي قولك : زيد وفي، علي الخبر، تنبئ محدثك بصفة لمستها في "زيد"، ومثله قولك : زيد الوفي، علي البدل لا علي النعت، وكأنك قلت: زيد، هذا الوفي، ... الخ.
    متي نعت فقد لقبت، علي البدل من المنعوت، تؤكد لمحدثك ذاتية زيد الذي تعنيه، كيلا يختلط" الأزياد" عليه ، كما في "محمد الفاتح" أو "الحسن البصري"، وكما في "الحسن بن علي" رضي الله عنهما. كل هذا علي البدل ، لا علي النعت.

    علي أن للاسم العلم -فوق اختصاصه بالدلالة علي ذات صاحبه- معني ما، كان بالتأكيد وراء اختياره علما علي أو لمن تسمي به ثم جري من بعد في أسماء الناس، ربما لمعناه ، وربما لجرسه، وربما إعزازا لعزيز تسمي به، أو عظيم في أمتك ذي شأن. ربما جال بخاطرك هذا كله أو بعضه وأنت تختار اسما لمولود ولد لك، ولكنه يمحي تماما من ذهنك بعد ما اخترت وسميت، فلا يبقي لديك من معني الاسم إلا جرسه، وإلا دلالته في سمعك وسمع محدثك علي "ذات" المسمي، أي لا يبقى من الاسم إلا ذلك "الصوت" الذي تطلقه فيستجيب المنادي به ، وكأنك حين تقول: يا زيد ؛ لا تعني إلا " يا هذا" ، ولا أكثر ولا أقل.

    وهذا يفسر لك لماذا تنبهم علي كثير من الناس – بل وعلي أصحابها أحيانا- معاني الأسماء الأعلام، إما لأنهم يطلقون الاسم و لا يتعمقون معناه، وإما لأن الاسم قديم موروث ، لا يستعلن بمعناه إلا للباحث العكوف المتخصص: كم من زينب لا تعرف ما الزينب (شجر حسن المنظر طيب الرائحة، راجع في معجمك العربي مادة "زنب") وكم من خديجة ولا تدري أنها من الخداج الخداج هو النقص، وأخدجت الحامل، ألقت بولدها قبل تمام أيامه، وإن كان تام الخلق، فهو خديج).

    بل قد يكون الاسم من أصل أعجمي يفوت معناه علي صاحبه، بل وعلي أبيه الذي سماه به، لا يدري من أي لغة هو، وعلام يدل، لأنه لم يرد المعنى أصلا، وإنما أراد الجرس، أو أراد شخصا عزيزا أو بطلا، وربما أراد شخص نبي أو أراد ملكا، كما في جبرائيل وميخائيل (جبريل وميكال في القرآن) ، وكما في يونس ويوسف ونوح وإبراهيم، صلوات الله وسلامه علي ملائكته وأنبيائه، ثم تمضي القرون، وتتكرر التسمية في أجيال وأجيال، ويذوب المعني في الجرس فينسي ، ثم يندثر. وليس هذا وقفا علي العربية وحدها، ولكنه شائع ذائع في كل اللغات: كم فرنسية تعلم أن هنرييت معناها "ست الدار" ؟ وكم من جورج (جرجس في مصر) يعمل أن معناها "الحارث"؟ وكم من كلود (قلدس وأقلاديوس في مصر) يعتزي فخورا إلي قيصر تسمي به (كلاوديوس) ولا يدري أن معناها "الأعرج" أو "العرجي"؟ بل كم من مارك (مرقص في مصر) يدري أنها "المريخي" المزاج، أي الغضوب أو " الحربى" وأن مؤنثه مارسيل كذلك ؟ وكم من راشيل (راحيل العبرية) تعلم أن معني الاسم في العبرية هو "النعجة" أنثي الغنم ؟ ربما لو توقف الناس عند معني الاسم العلم لترددوا في التسمية، ولكنهم لا يتوقفون، إما لأن المعني لا يعنيهم ، وإما لأنهم جهلوه أو أنسوه.

    وهذا يفسر لك أيضا لماذا لا تجوز ترجمة الاسم العلم إلى معناه في اللغة المنقول إليها، وإنما الجائز فقط هو "تعريبه"، أي تهذيبه علي مقتضي مخارج أصوات اللغة وأوزانها : يجوز لك تعريب "جيورجيوس" اليونانية" إلي "جرجس"، ولا يجوز لك ترجمتها إلي "الحارث" أو الفلاح. لا تجوز لك ترجمة الاسم العلم إلا إذا كنيت وأبهمت ، أو تظارفت، فقلت في معلقة "الحارث بن حلزة" : قالها جورج بن حلزة ؛ أو ناديت صديقك "رمسيس"(رع+ مسيس المصرية القديمة) بقولك: ابن الشمس ؛ أو أردت كمصري – مطلع هذا القرن- أن تخوض في "جورج الخامس" ملك انجلترا التي كانت تستعمر مصر آنذاك ، فقلت : الفلاح بن الفلاح؛ تكني وتبهم ، تخشي علي نفسك سلطانه وحوارييه، وعيونه وأعوانه.

    وكما لا تجوز ترجمة الأعجمي العلم إلي معناه في اللغة المنقول إليها، لا يجوز أيضا الإبدال منه بمرادف من نفس اللغة في ذات معناه، كأن تنادي صاحبك زيدا بقولك : يا فضل ؛ ثق أن "زيدا" لن يسمع منك، وإن سمع فلن يستجيب، ذاتيته هي "زيد" لا "فضل"، وإن تطابق المعني. وهذا يفسر لك - وهو بيت القصيد في كل ما سبق- ضرورة احتواء القرآن هذا الشطر من اللفظ الأعجمي، أي الأعجمي العلم، وهو يحدث بأخبار من لا تشك قط في عجمته ويقص عليك نبأ القرون الأولي، منذ بدء الخلق بآدم. ناهيك بالملأ الأعلي، وناهيك بيأجوج ومأجوج، وهاروت وماروت، وإبليس وفرعون، وعاد وثمود ، وقوم لوط وأصحاب مدين. وإذا كان قد وجد من علماء القرآن من ينكر البتة احتواء القرآن لفظا أعجميا واحدا، ولو كان من الأعجمى المعرب أمثال سندس وسرادق واستبرق وقسورة، وبذلوا من الجهد، وأيضا من الافتعال الشديد الوعر فيما يحسبونه ذودا عن القرآن بإثبات أصالة هذا اللفظ أو ذاك في العربية ونفي عجمته، إذا كان هذا هو موقف بعض علماء القرآن من أعجمي القرآن، فهذا كله في باب الأعجمي،"المعنوي"، لا في بابا الأعجمي العلم، لأن العلم الأعجمي لا يصح فيه جدل. ونحن لا نبتغي جدال هذا الفريق من العلماء في موقفهم من الأعجمي المعنوي في القرآن، وإن ألممنا به في سياق ما نكتب، لأننا في المقام الأول لا نريد أن نخوض بك في جدل يذهب بحلاوة ما هدانا الله إليه بفضل منه ونعمة، وهو تفسير أعجمي القرآن بالقرآن، وثانيا لأنه يخالف المقصد الأساسي لهذا الكتاب، لأن تفسير القرآن لأعجميه المعنوي- إن وجد- ليس فيه علم ولا إعجاز، وقد عرفها العرب"معربة" قبل القرآن لا تحتاج إلي تفسير. وإنما الإعجاز كل الإعجاز أن تفسر في لغات شتي – بعضها دارس- علما أعجميا يفوت معناه علي صاحبه، ويجهله أبوه، ناهيك بأساليب القرآن في هذا التفسير ، كما ستري. ربما خالف القرآن مبدأ عدم جواز ترجمة العلم الأعجمي كما ذكرنا آنفا، أعني إسقاط الأصل الأعجمي جملة والإتيان به مترجما، علي نحو ما فعل القرآن في أمثال "إدريس" و "ذي الكفل"، مما نتناوله فيما يلي من فصول هذا الكتاب. ولكن هذه أيضا من إعجاز القرآن . وسيأتي.

    (3)

    يكثر في العبرية – كما في الآرامية- التسمية بالفعل المضارع مسندا إلي المفرد الغائب، لا يعنون منها الفعل. وإنما يقصدون منها اسم الفاعل، وكأن"يقول" بمعني "قائل" و"يسمع" بمعني "سامع". ومن هنا كثرة العلم العبراني
    المبدوء بياء المضارعة، ومثال ذلك "يصحاق" . (اسحاق في القرآن) مضارع الفعل العبراني"صحق"(وهي ضحك العربية)، التي لا يقصد منها الفعل "يضحك"، وإنما يقصد منها اسم الفاعل من "ضحك" ، أي "الضاحك"، وهذا هو اسم نبي الله اسحاق بن إبراهيم عليهما السلام، وقد سمي العرب بمعناه علي المبالغة، فقالوا"الضاحك".

    (الصاد السامية، كالصاد العربية،ينطقها يهود العراق صادا علي أصلها، وهو الصحيح.ودع عنك ما تسمعه في العبرية المعاصرة من مثل نطق هذه الصاد بالحرفين ت س، كما في "يتسحاق شامير". تلك "صاد" تحورت عند يهود الشتات بالنطق الجرماني للحرف Z (tset) قارن أيضا "إيزاك"Isaac الفرنسية بمعنى إسحاق.)

    وللتسمية بالفعل المضارع نظير باق في العربية، تجده في أمثال "يزيد" و "يثرب" و "ينبع". والأصل في هذا أن الفعل المضارع يتضمن معني الاستمرار، فيصلح للحال كما يصلح للاستقبال، والتسمية به تسمية علي التيمن والتفاؤل، أي "يضحك" وسيظل، فهو ضاحك وضحوك.
    وقس علي ذلك أمثال"يعقوب" ومعناها العاقب، و"يوسف" بمعني يزيد.

    ****

    والذي يستوقف النظر هو سكوت"علماء بني إسرائيل" الذين عاصروا القرآن وعايشوا مفسريه إبان الدولتين الأموية والعباسية عن "تصويب" ما وقع فيه بعض هؤلاء المفسرين الذين تصدوا بغير علم ولا سند لتفسير معانى الأعلام الأعجمية في القرآن - خاصة أعلام أنبياء بني إسرائيل وكلها عبراني - بالعربية وحدها، فقالوا علي سبيل المثال إن إسحاق من "السحق" ، ويوسف من "الأسف". ويونس من "الإيناس"، في حين أن أبسط علم بالعبرية - ناهيك بيهودي من أهلها- يكفي كي تعرف أن يونس يعني "حمامة"، وأن يوسف يعني يزيد، وأن إسحاق يعني ضحوك، لا سحق ثم ولا انسحاق.

    وربما بلغ بك العجب وقد علمت أن من علماء بني إسرائيل هؤلاء من أسلم علي عصر الرسول حقا وصدقا فحسن إسلامه، بل ومنهم من زكاه الحق تبارك وتعالي فقال فيه : { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ } (10) سورة الأحقاف
    كما قال عز وجل : {أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ} (197) سورة الشعراء
    فكيف سكت أمثال هؤلاء عن هذا العبث، وهم من هم في العلم بالعبرية التي يتدارسون بها التوراة؟
    يدفع هذا الاعتراض أن تفسير أسماء الأنبياء لم يثر علي عهده صلي الله عليه وسلم، ولم يؤثر عنه في المسألة حديث صحيح، وإذن فلم يكن بأمثال ابن سلام ومن في طبقته ورتبته حاجة إلي الرد أو إلي التصويب.
    أما من جاءوا من بعدهم، من يهود أسلموا فحسن إسلامهم، أو يهود أسلموا تقية ولما يدخل الإسلام في قلوبهم، أو يهود ظلوا علي يهوديتهم، فهولاء وأولئك فرق : الفرقة الأولي مسلم حسن إسلامه فانقطعت صلته بتوراته وعبريته، والثانية يهودي أسلم علي دخل يريد أن يترك وشأنه لا يزن بريبة فيبرأ من توراته ومن عبريته، لا يسمع له في المسألة قول وإن علم، والثالثة يهودي في دار إسلام انقطعت صلته بالعبرية ولم تنقطع بالتوراة، ولكنه لا يعلم التوراة إلا "أماني" أي تلاوة فحسب، لا يفقه كثيرا مما يردده في صلواته وأذكاره، شان مسلم فلبيني لا يعرف من العربية إلا "الفاتحة" التي لقنها في طفولته ليقرأ بها في صلاته، أو شأن قبطي في مطلع القرن الرابع الهجري لا يفهم إلا العربية وحدها يقرأ في صلواته من إنجيله اليوناني، مثل هذا ينأي بنفسه عن مواطن الزلل فيحاذر الخوض فيما لم يعد له به علم.
    أما الفرقة الرابعة، المعنية باللوم، أو المعنية بالتساؤل، فهم أحبار اليهود، ورؤساء الملة، المتضلعون من العبرية ومن التوراة، المتقنون العربية كأبنائها ومثقفيها. لما سكتوا؟
    أفلم يكن من بينهم من يعلم أن يوسف ليست من الأسف وإنما هي بمعني "يزيد"؟ أو ليس تفسير اسم يوسف واردا بنصه العبراني علي لسان والدته "راحيل" حين وضعته: "وتقرأ إت- شمو يوسف ليمر يوسف يهوا لي بن أحير" (يعنى) ودعت اسمه يوسف قائلة يزيدني يهوا ابنا آخر، أي "سميته" يزيد ويزيدني الله ابنا آخر" ؟(تكوين 30/24) هل سكتوا يأسا أن يصدقهم أولئك المفسرون، وقد وصم القرآن آباءهم من قبل بالكذب علي التوراة؟
    أم سكتوا ضنا بعلمهم أن يعينوا أولئك المفسرين علي تصويب أخطائهم ، أي سكتوا ضغناً علي الإسلام وأهله أن يمنعوا من اللغو في قرآنهم؟
    أم لم تكن لمفسري القرآن وأصحاب السير صلة بأحبار يهود؟
    كيف ، وقد نقلوا عنهم ما نقلوه من "اسرائيليات" واضحة الزيف، ليس أقلها ما يروي عن "كعب الأحبار" من قوله في سورة" آل عمران" : اسمها في التوراة طيبة؛ فلا تدري- وليس في التوراة من هذا شئ- أساءت طوية كعب فقالها تملقا وتدليسا، أم قالها تعالما بما لا يعلم؟
    قل في هذا أو ذاك ما شئت ، فقد كان من هؤلاء الأحبار مخلص ليهوديته، باق علي وهمه، القرآن عنده مدسوس كله علي الله عز وجل، حبذا لو لغا فيه بعض أهله، ولكنه يئس من مناطحة القرآن بالتوراة أو لعله جبن، فانصرف إلي توراته لا يسمع منه قول في غيرها. وكان منهم أيضا الذي كاد للقرآن وأهله، بكتمان ما علمه الله، أو بالتزييف علي التوراة، آمنا ألا يفضحه مسلم يجهل العبرية ويصدف عن مطالعة التوراة. وكان من هؤلاء الأحبار أيضا- لانشك في هذا – أولئك الذين وصفهم الحق تبارك وتعالي بقوله: "لا يعلمون الكتاب إلا أماني".
    أما الذي يجب أن تعلمه أنت وتطمئن إليه، فهو أن التوراة في عصر تصنيف تفاسير القرآن، بل وإلي عصر جد متأخر، لم تحظ ببحث لغوي نقدي تحليلي جدير بهذا الوصف، وأن الذين ضربوا بسهم موفور في هذا البحث كانوا – علي عكس ما قد تظن – مسيحيين مؤمنين أو ملحدين يرون جميعا أن التوراة جزء لا يتجزأ من كتابهم المقدس،علي خلاف ما بينهم في التفسير بالهوي أو بالعقيدة. ولكن القرآن سبق ففصل. ليس "يوسف" من الأسف ، وليس بالضرورة "يزيد".

    القرآن يدلك علي معنى آخر لاسم هذا النبي الكريم ، الذي ائتمر به أخوته فكان "ضيف" الله في "الجب"، وكادت له النسوة والتي هو في بيتها فكان "ضيف" الله في "السجن".وشاء عز وجل –بيوسف- أن يوطئ لبني إسرائيل في مصر كي يخرج من بينهم- وليس شئ علي الله بعزيز- من ينشأ في بلاط طاغوت علا في الأرض، يتخذه ولدا ليكون له من بعد عدواً وحزنا: يلتقط موسي من اليم ليدسه موسي في ظلمات اليم الأعظم، بعد أن أقام الله عليه الحجة: ما كان لرسالة موسي عليه السلام أن تولد في قصر فرعون لو لم يأت الله بيوسف من قبل "ضيفا"علي مصر عند ملك يستخلصه لنفسه فيقيمه علي خزائن الأرض ، ويستأذن يوسف الملك فيأذن له في الإتيان بأهله إلي مصر جميعا، ليتم الدور المقدور لهذا النبى الكريم:" ايواء" بني إسرائيل أو "حضانتهم" في مصر إلي حين، فتنة لفرعون سيأتي حينه، وارصادا له بنبي مصري ، من ذرية إبراهيم الآرامي – العبراني، عبر إسحاق، كما سيحدث بعد نحو ألفي سنة أو أقل، بنبي عربي من ذرية إبراهيم أيضا، عبر إسماعيل، صلوات الله وسلامه علي رسله وأنبيائه، يهدم به الله الطواغيت أجمع، علي فارق في مدي ما بين الرسالتين عظيم. نعم ، كان يوسف عليه السلام"ضيف" الله في مصر، وكان عليه السلام أيضا لبني إسرائيل في مصر "الآوي" المضيف .
    وتندهش إذ تعلم كما ستري أن اسم النبى يوسف عليه السلام الذي ينطق في العبرية بكسر السين، يعني أيضا ، بنفس النطق في العبرية ، "الآوي" المضيف.
    فأي ‘إعجاز ، وأي علم...

    ****

    علي أنك قد تلتمس العذر لأولئك المفسرين الذين اعتمدوا في تفسير أسماء أنبياء بني إسرائيل علي المعجم العربى وحده، فالتشابه القوي بين جذور اللغتين من نفس الفصيلة – أي بين العربية والعبرية علي ما مر بك- مليء بالاشتباه، إن تصب مرة فقد أخطأت مرات. لا يكفي أن تكون لفظة "عين" العربية هي نفسها "عين" العبرية – الآرامية، كي تقرر دون تثبت، ودون الرجوع إلي المعاجم العبرية - الآرامية، أن اسم زوج إبراهيم عليهما السلام "سارة" من السرور، أو أن اسم نبي الله "نوح" عليه السلام من النواح، أو أن اسم "يوسف" عليه السلام مشتق من الأسف علي نحو ما قال بعضهم، كما مر بك. نعم، قد أصابوا في أن "يعقوب" من العاقبة ، وهو صحيح، ولكن ما كل مرة تسلم الجرة كما يقول المثل.

    وانا أيها القارئ العزيز- إن كنت لا تعرف عبرية التوراة أو يونانية الأناجيل بما فى هذه وتلك من أعلام آرامية بل ومصرية أحيانا- لا اريد لك ان يفوتك شئ من حلاوة هذا البحث: أريد منك أن تشترط علي توثيق ما أحدثك به ، فلا أكيل لك القول جزافا آمنا ألا تكشف زيفي، لأنك لا تعلم شيئا من أمر تلك اللغات التي ذكرت لك. ليس هذا من العلم في شئ، وإنما هو من التدليس، كمن قال لك إن "إبراهيم" تعني "الأب الرحيم" لمجرد أنه يري أن "رحيم" العربية تقابل "رهيم" في الآرامية، ولا تملك ان ترد عليه ، فهي كما قال، لأنك لا تدري ما الخطأ وما الصواب في لغة لا تفهمها، ولا علم لك بأن "رهيم" هذه لا وجود لها في الآرامية ، ولا في العبرية كذلك، وأن "الرحمة" في هذه وتلك جميعا، بالحاء لا بالهاء، كالعربية تماما. كان علي مثل هذا القائل أن يدلك علام استند في اشتقاق تلك اللفظة التي ابتدعها في الآرامية ، أو علي معجم آرامي وجد جذرها فيه، أو علي موضع في التوراة (أو ترجمتها العربية) يفسر معني "إبراهيم" بالأب الرحيم. مثل هذا القائل الذي لا يحترم عقلك لا يصح أن توليه ثقتك، بل عليك أن تكون منه دائما علي حذر في كل ما يقوله لك.

    ***

    علي أن القرآن لا يكتفي بتفسير أعلامه الأعجمية – موضوعنا في هذا الكتاب- ولكنه يفسر أيضا اللفظ العربي الأصيل المجعول في حكم العلم من مثل "الملك" واحد الملائكة صلوات الله عليهم، أو من مثل "الشيطان" ، إبليس اللعين، مما تفاوت اللغويون العرب في تحديد أصل اشتقاقه في العربية، ومن ثم تفاوتوا في تأصيل معناه، لا يقطعون فيه بيقين، ولكن القرآن سبق فحسم الخلاف، وأصل المعني.

    ومن ذلك ما تلاحظه من تردد المعجم العربي في اشتقاق لفظة "الملك" واحد الملائكة ، أو مطلق جنس الملائكة ، هل هو من "الملك" و "الملكوت" ، أم هو من "الإلاكة" و "الملأكة"؟ إن كانت الأولي فهو الملك المملوك، وإن كانت الثانية فهو الرسول المرسل.

    أما "الملك" في القرآن فهي تسميه بالمصدر "مفعل" من الجذر لأك ومقلوبه ألك ، فهو "الملاك" علي المصدر، بمعنى الرسالة والرسول، سهلت فيها الهمزة فصارت"الملك" .وهي نفسها علي التطابق في الآرامية والعبرية، بل وفي الحبشية أيضا، ملاك، بإثبات الهمزة وتسهيلها ، وتنطق في الآرامية والعبرية بالخاء: "ملآخ" و" ملاخ" لتحرك ما قبل الكاف كما مر بك . وعبرية التوراة لا تفرق بين "ملآخ" بمعني "الملك" وبين"ملآخ" بمعني "الرسول" . وإنما هما فيها واحد، كما تجد في سفر حجاي : "ويمر حجاي ملآخ يهوا بملأخوت يهوا" ، أي: وقال حجاي رسول الله برسالة الله" (حجاي 13:1) فتفهم أن "ملآخ" و "ملأخوت" العبريتين بمعني الرسول والرسالة، لا "الملك" أو "الملكوت". الملك والرسول إذن واحد في أصل معناهما، ولكن عربية القرآن تخصص لفظ الملك لرسل الله من أهل السماء، تفرقة بينهم وبين رسل الله من أهل الأرض، صلوات الله وسلامه علي ملائكته وأنبيائه. ولعلك تلمس هنا الدقة البالغة لهذا القرآن من نصه في سورة الأحزاب علي "خاتم النبيين" ولا يقول "خاتم الرسل"، ليس فقط اكتفاء بدلالة العام علي الخاص كما مر بك ، وإنما وبالأخص لأن محمدا صلي الله عليه وسلم إنما ختمت به الرسل من أهل الأرض فحسب، ولا ختام لرسل الله من أهل السماء أي الملائكة صلوات الله عليهم، لأن الرسالة بهم في ملكوت السموات والأرض لا تنقطع.

    أما أسلوب القرآن في النص علي أن "الملك" معناها " الرسول"، فهو التفسير بالترادف علي التجاور ، كما تجد في قوله عز وجل :
    {قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً} (95) سورة الإسراء ، في مقابل قوله عز وجل : { قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً} (93) سورة الإسراء
    وقس علي ذلك قوله عز وجل : {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ } (75) سورة الحـج.
    وإبدال "الرسل" من الملائكة مطلقا، أي إثبات "الرسل" في موضع الملائكة، في مثل قوله عز وجل:
    { حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} (61) سورة الأنعام، { قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ } (21) سورة يونس ، {وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى } (69) سورة هود،
    {وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } (77) سورة هود الخ ، والرسل في هذا كله تعني الملائكة بلا خلاف.

    أما لفظة "الشيطان" علماً علي إبليس اللعين، فقد اختلف اللغويون والمفسرون في نونه هل هي زائدة فتكون "شيطان" علي وزن "فعلان" من شاط يشيط شيطاً أي احترق، حُكما علي الرجيم بمآله، أم هي أصيلة فتكون "شيطان" علي وزن "فيعال" من شطن يشطن شطونا، أي بعد فهو الخاسئ المبعد، أو شطنه شطنا أي ناوأه وخالفه في القصد والوجهة، فهو المناوئ المعاند.
    أما "سطن" العبرية- الآرامية ، ومنها "ساطان"، أي "شيطان" العربية، فهي في العبرية- الآرامية بمعنى المناؤئ المخاصم، أي العدو. والعداوة في الوادي وجانبه، تقف فيه قبالة الواقف في "العدوة" الآخري.
    ولأن "الشيطان" عند الجاهليين لم يكن علما علي إبليس اللعين، وإنما كان مرتبطا في ذهنهم الوثني بنقيض معناه اللغوي، فكان عندهم بمعني الموالي المعين علي الإتيان بالأمر العبقري أو الطريف المعجب، كما تجد في مثل"شيطان" الشعر وغيره ، فقد ورده القرآن إلي أصل معناه في اللغة، أي العدو المناوئ المخالف. (قارن في اللغات الأوربية الحديثة Demon و Diable الفرنسيتين، الأولي بالمعني الحميد، كشيطان الشعر وغيره، والثانية الشيطان نفسه.)

    أما أسلوب القرآن في تفسير الشيطان بالعدو، فهو إيراد اللفظتين علي التجاور في أكثر من آية :
    {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (168-208) سورة البقرة، {إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (5) سورة يوسف، {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} (50) سورة الكهف ، {قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ} (15) سورة القصص، {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} (6) سورة فاطر، {أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (60) سورة يــس، {وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (62) سورة الزخرف. وغيره كثير.

    لو التفت اللغويون والمفسرون إلي هذا التنصيص القرآني علي معنى"الملك" ومعني " الشيطان" لما ترددت فيهما المعاجم، ولما تخبط المتحذلقون المتفيهقون. ولكن ... لم يفطن إلي هذا من اللغويين والمفسرين أحد.
    هذا الجناس المعنوي المفسر. إعجاز مقصود. كما فات هذا الإعجاز مفسري القرآن من أهله، فقد أعتجم أيضا علي أدعياء الاستشراق المتطفين علي مباحث اللغة, الذين وهموا أن القرآن- علي أصالة لفظي" الملك" و"الشيطان" في العربية- استعارهما رأسا من "التوراة" علي العلمية المجردة من المعني في "ملآخ" و"ساطان". ولكنك لا تستكثر شيئا علي مرضي الهوى والغرض.

    (4)

    أما لب هذا الوجه من إعجاز القرآن. فمداره أيضا علي "العلم" : القرآن يعلم علماء التوراة والإنجيل، أحبار الآرامية والعبرية علي عصر النبي صلي الله عليه وسلم وفي كل عصر، السابق واللاحق، والخائضين في أسرار اللغة المصرية القديمة منذ القرن الماضي فحسب، علم ما لم يعلموه، أو ترددوا فيه، جهلوه أو أنسوه. ولعلك تذكر أن كفار قريش وأهل الكتاب في يثرب ونجران، شأنهم شأن أدعياء الإستشراق في هذا العصر، اتهموا القرآن بالأخذ من الكتب السابقة، وبالنقل عن الأحبار والرهبان، من يهود ونصارى . قالوا حين يتفق القرآن مع التوراة والإنجيل: سمع فأدى، ما أحفظه وما أوعاه؛ وقالوا عكس هذا تماما حين يعارض القرآن كتبهم التي بين أيديهم : تشوشت في ذهنه الأمور، واختلطت الرؤي والأحلام، وتحرفت عليه الوقائع والمواقع والأعلام؛ فما "آزر" هذا الذي يسميه أبا لإبراهيم وهو "تارح" ؟ أليس قد تحرف عليه إسم " لعازر" خادم إبراهيم فظنه أباه؟ وما "طالوت" تلك التي يسمي بها "شاؤل" ملك بني إسرائيل ؟ وما "مريم" أخت موسي وهارون التي يخلط بينها وبين "مريم" أم عيسي؟ أين ذهبت حافظته؟ أين إتقانه؟ وما شأن ذلك السامري الذي صنع العجل من ذهب لبني إسرائيل في التيه؟ ألم يلقنه الأحبار أن الذي صنع العجل هارون؟ وما باله ينكر الصلب علي "عيسي" ويثبت تشريف الله إياه برفعه إليه؟ أغاية همه تبرئة الطبقة التي ينتسب إليها - الأنبياء بزعمه – من الدنية والنقيصة، كما فعل في "سليمان" الذي أسجدته زوجته الوثنية للصنم فسجد، وأبى عليه هو ذلك، فقال في "قرآنه": "وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا" ؟ إلي آخر ما قالوه ، فخبوا وأوضعوا.

    ولعلك تذكر أيضا رد القرآن علي هؤلاء الخائنين أنفسهم : جادلهم في دعوي النقل بمحض عربية القرآن، الذي تحدى العرب أنفسهم أن يأتوا بمثله أو بسورةٍ من مثله، فكيف بعيي أعجمي يلقنه أياه؟

    ولعلك تعلم أيضا أن التوراة والإنجيل لم يترجما إلي العربية إلا بعد قرون من نزول القرآن، فمن أين أوتي العلم بهما؟
    ومن أين له العلم بالعبرية واليونانية وهو يلحن في أسماء الأعلام ويخلط بين خادم إبراهيم وأبيه؟ كيف يسمعها "لعازر" وتتحرف عليه إلي "آزر" ؟ أثمة عربي لا يحسن نطق العين، أم إنجليزي هو أو فرنسي، تتحرف عليه "لعازر" إلي "لازار" ؟

    والقرآن لا يلتفت إلي هذا الهراء ، ولكنه صفع المكابر المتعنت المتعالم بالقاطعة الباترة من قوله عز وجل :
    { فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (66) سورة آل عمران.
    وقد كان من بين الذي علمه الله ولم يعلموه ، "آزر" هذه نفسها التي يحاجون بها القرآن ، كما سترى.

    *******

    أما الذي لا يعلمه كثيرون ، فهو أن علماء الآرامية والعبرية الذين عابوا "آزر" علي القرآن ، لا يعرفون إلي اليوم معني" تارح" إسم أبي إبراهيم في التوراة، لا يهتدون إلي الجذر المشتق منه في الآرامية والعبرية ، ولا يتفقون علي معني "إسرائيل" شهرة يعقوب عليه السلام، ويسيئون فهم معني اسم "موسي" عليه السلام بإصرارهم علي تفسيره بالعبرية " موشيه" علي زنة الفاعل في العبرية من " مشا" (ومقابلها في العربية مسا / يمسو بمعني سل أي أخرج، ومنه مسا الناقة يعني أخرج الولد من بطنها ميتا) فيخطئون النحو العبري، لأن مرادهم من التسمية أنه " الممسو" ( من الماء، إشارة إلي إلتقاط آل فرعون إياه من اليم) لا "الماسى" ( والماسي هو فرعون وآله لا موسى) ، والتسمية بالفاعل علي قصد المفعول غير واردة في العبرية، فالتفسير مفتعل. وهم أيضا لا يقطعون برأي في معني "هارون" ( أهارون في العبرية) اسم أخي موسي عليهما السلام، هل هو من الخفة والنشاط (من الجذر "أرن" ) أم هو من العلو والاستكبار والنفج (من الجذر"يهر") إلي آخر ما نعرض له فيما يلي من فصول هذا الكتاب، استكشافا لمعني العلم العبراني في القرآن. والذي يجب أن تعرفه أيضا، وبالأخص، أن أقدم نسخة للتوراة التي بين يديك لم تكتب علي عصر موسي وخلفائه، ولم تكتب علي عصر داود وسليمان، وإنما كتبت "من الذاكرة" بعد هدم الهيكل وعودة اليهود من سبي بابل. وأيا ما قلت في أمانة الكاتب وحفظه وتقواه، فأنت لا تحيل عليه الخطأ في الحرف والكلمة : آية ذلك ما تجده في حواشى التوراة العبرانية تعليقا علي صحة النطق في بعض الكلمات بعبارة: "كثيف .......... : قري .. ، من مثل "(أي كُتبت كذا وتُقرآ كذا) . ومن ذلك أيضا التردد في هجاء بعض الأعلام، من مثل " يوسف" ، التي كتبت "يهوسف" مرة واحدة لم يعلق عليها أحد. والذي يجب أن تعرفه أيضا أن النص العبراني للتوراة التي بين يديك، والذي مر بك أنه مستنسخ من الذاكرة إثر عودة بني إسرائيل من سبي بابل بعد حوالي ثمانية قرون من وفاة موسي عليه السلام. ظل أيضا نصا غير معجم، أي غير مقيد بالشكل والنقط ، يلحن فيه قارئه، مثقفا وغير مثقف، لا سيما بعد تراجع العبرية علي الألسنة وحلول الآرامية محلها في ربوع فلسطين منذ القرن الثالث قبل الميلاد. وقد تصدى لتحقيق النص بالنقط والشكل والتعليق علي صحة النطق، في مدي ثمانية قرون، من القرن الثاني الميلادي إلي القرن العاشر، طائفة يدعون" يعلي ماسورا" أي "أهل الإثر" ، حفاظ المأثور المتلقن.

    ولك أن تتصور ماذا يمكن أن يحدث لنص أعيدت كتابته من الذاكرة بعد وفاة موسي عليه السلام بحوالي ثمانية قرون، غير مضبوط بالشكل والنقط. وظل كذلك ، إلي القرن الثاني لميلاد المسيح، واستغرق" تحقيقه" بالشكل والنقط والتعقيب ثمانية قرون أخري فما اكتمل إلا في القرن العاشر الميلادي.
    هذا وذاك يقوي لديك شبهة وقوع الإضافة والحذف في النص الذي بين يديك. أما الحذف، فهذا ما لا سبيل لك اليوم إلي إثباته. وأما الإضافة ، فإثباتها هين بين، تحفظ المسيحيون من قبل علي بعضها بالنسبة إلي أسفار برمتها سموها "أبو كريفا" أي المنحولة، وتستطيع أنت التحفظ علي كثير مما تضمنه صلب أسفار موسي الخمسة نفسها من سفاسف وشناعات لا يقبل ورودها في نص إلهي مقدس، ليس أشنعها زني بنتي لوط بأبيهما ليكون له منهما "نسل" كما مر بك. وهو يقوي لديك أيضا شبهة صرف النص في بعض مواضعه - بمجرد النقط والشكل – عن أصل معناه. وهو يقوي لديك أخيرا- وهنا بيت القصيد في مقاصد هذا الكتاب الذي نكتب – احتمال وقوع التحريف في نطق الأسماء الأعلام.

    وتستطيع أن تقول الشئ نفسه – أو قريبا منه- في الأناجيل الأربعة المتدوالة، التي لم يخطها عيسي عليه السلام بيده، كما خط موسي عليه السلام بأزميله في الألواح، لولا أن أصحاب هذه الأناجيل لا ينسبونها ابتداء إليه، أي إلي عيسى عليه السلام: لم يملها عليهم، ولم يراجعوها عليه، وإنما هم ينسبونها إلي ذات أنفسهم، كتبوها من الذاكرة أيضا بعدما تمادت بهم السن، أو كتبها آخذون عنهم لم يروا المسيح ولم يسمعوا منه. وهؤلاء وأولئك لم يكتبوا ما نطق به المسيح بلغته (الآرامية – العبرية) وإنما ترجموا ما وعوه إلي لغة ليسوا من أهلها (اليونانية)، لا تستثني "لوقا" الطبيب اليوناني، لأنه بنى إنجليه علي ما سمعه منهم مترجما إلي اليونانية من قبل. وهذا يفسر لك بعض أخطائهم في الترجمة، سواء في ترجمة ما استشهدوا به من التوراة العبرية في الأناجيل اليونانية، أو في اختيار اللفظ اليوناني المناسب للمقابل العبري أو الآرامي هذا هين إثباته : ما عليك إلا أن تطابق اقتباسات الأناجيل من " العهد القديم" علي التوراة التي بين يديك. من ذلك ما تجد في سفر ملاخي من قوله : " ها أناذا أرسل ملاكي يهيئ الطريق أمامي" (ملاخي 3/1) المقتبسة في الأناجيل بعبارة: " ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك" (لوقا 7/27) مع تحفظنا علي ترجمة ملاخي في هذا النص إلي ملاكي العربية ، التي يعني بها المقتبس، يوحنا (أي يحيي عليه السلام ) نفسه، ويوحنا رسول أو نبي باتفاق لا ملك أو ملاك . علي أن الاقتباس ضعيف في أصله، لن ملاخي النبي كان يعني بها نفسه في النص التوراتي، لأن اسمه العبري هو نفسه نطقا وكتابة "ملاخي" التي تعني في العربية " ملاكي" أو "رسولى" ومثلها " انجلوس" Angelo's" اليونانية في الاقتباس الإنجيلي .

    لقد ظنوا "باتر" ، Pater اليونانية (أي " الأب" الوالد لا غير) تصلح ترجمة للفظة "آب" العبرية – الآرامية حيثما وردت، علي ما بينهما في مجاز اللغات السامية ومنه معنى الفاطر المنشئ البارئ. وظنوا باسيليا Basileia اليونانية (وهي الملك والملكة) تصلح دائما أبداً لترجمة اللفظين العبريين الآراميين " ملخوت" و"ملاخوت" علي السواء، الأولي بمعني الملك والملكوت، والثانية بمعني الرسالة والرسول (علي ما مر بك في مقابلهما العربي) ، فيتجافي بك المنطق أن تفهم عبارة من مثل: "من يسمع كلمة الملكوت ولا يفهم، (متي 13/19)، إلا أن يكون أصلها: " من يسمع كلام الرسول"، أو مثل عبارة: "فصلوا أنتم هكذا: أبانا الذي في السموات؛ ؛ ليتقدس اسمك ؛ ليأت ملكوتك"؛ (متي 6/9 و 10) التي تقرؤها فيأخذك العجب: وهل ملكوت الله عز وجل إلا حاضر في كل آن؟ أليس قد قال عليه السلام في تلك الأناجيل نفسها: "ملكوت الله فيكم" (لوقا 17/21) يعني نفسه، أي الرسول والرسالة؟ إذن فما معني طلبهم في صلواتهم : " ليأت ملكوتك ؛" ؟ أليس الأرجح أن يكون معناها : " ليأت رسولك؛"؟ يعني محمداً صلي الله عليه وسلم ، الذي بشر به عيسي عليه السلام مصداقاً لما جاء في القرآن علي لسانه : { وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ } (6) سورة الصف. نعم ، قد استفاد من هذا – وغيره كثير- بطاركة يونانيو اللسان ذهبوا إلى "مجمع نيقية" عام 325م لإقرار ألوهية المسيح، علي نحو ما تعرف من عقيدة التثليث، أو " الثلاثة في واحد"، التي يدين بها المسيحيون إلى اليوم، ولكنه وضع مترجمي الأناجيل إلي مختلف اللغات، ومنها العربية بالطبع ناهيك بالمفسرين، في عسر شديد، من ذلك عبارة " وبعدما أسلم يوحنا جاء يسوع إلي الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله" (مرقس 1/14) وأصل عبارة " يكرز ببشارة ملكوت" في إنجيل مرقس اليوناني Kerusson to euaggelion tou theou ومعناها بنفس ترتيبها اليوناني " مبشرا بإنجيل الله"، ليس فيها " ملكوت" ، وليس فيها أيضا "بشارة" : أضاف المترجم "ملكوت" من عنده ليمنع إضافة البشارة إلي الله ، وترجم euaggelion ( وتنطق إيفانجليون) إلي " بشارة" . أما " يكرز" في النص العربي فليست عربية ( و بمعني أدق ليست هي يكرز العربية بمعني يلجا ويعتصم) . وليست هي أيضا عبرية، بل ليست سامية ،وإنما هي آرامية منحولة عن الفارسية ، التي جاءت منها Kerusson اليونانية بمعني يعلن ويبشر (قارن herald الإنجليزية ) ، ولكن المترجم العربي اضطر إلي استعمال تلك اللفظة الآرامية المنحولة كراهية التكرار في النص العربي ، كأن يقول "يبشر ببشارة" وهو ممجوج.. العبارة إذن في النص اليوناني ليست "يكرز ببشارة ملكوت الله" وإنما هي ببساطة "يبشر بإنجيل الله" . ولكن إضافة الإنجيل إلي الله تسبب مشاكل لا تخفي، إذ ما هي تلك البشارة التي هي لله؟ إنها الإنجيل نفسه، أي "إيفانجليون" اليونانية ، التي يفسرونها بالخبر السار؟ أو البشارة ومن قال إن (angelion + eu) اليونانية تعني الخبار السار؟ أليس "أنجليون" angelion اليونانية معناها الرسالة والرسول مثلها مثل "ملآخوت" الآرامية – العبرية، ومنها " أنجلوس" angelos يعني الملك ، أي الرسول؟ إلا إذا ظننت أن اليونان يسمون الملك "المخبر"، وهذا غير صحيح بالطبع. ومن قال إن المقطع اليوناني (eu) يعني "السار" ؟ ليس له بالسرور أدنى صلة . وإنما معناها حين تكون بادئة في الكلمة، " المرضي المحمود"، كما في (eulegein) اليونانية ، بمعني حمده وأثني عليه. ولو ترجمت " إيفانجليون" اليونانية إلي العبرية (وأنت تعلم أن أنجليون تعني الرسالة) لقلت "ملآخوت حمد" . أفيكون المعني "رسالة أحمد" ؟ ربما.

    ليس لديك الدليل في هذه أو في غيرها: ليس لديك النص الأصلي لأقوال المسيح عليه السلام بلغته ولغة قومه (العبرية – الآرامية). وإنما لديك ترجمة يونانية لعبارات ربما قالها عليه السلام، ولكنك لا تقطع بصحة الترجمة إلا أن تطابقها علي الأصل العبري- الآرامي، وهو غير موجود للأسف.

    ومهما سلمت بأن رسل الله جميعا قادرون علي الحديث بكل لغة يلهمون الحديث بها، فأنت تحيل علي المسيح عليه السلام أن يتحدث مع المرسل إليهم وإلي أهله وعشيرته وحوارييه بلغة يونانية لا يفهمونها ، لا سيما حين يتحدث في صلب الرسالة والعقيدة. من ذلك حديثه علي السلام عن الذي يأتي بعده، الذي إن لم يذهب. لا يجئ . أعني "الفرقليط" Parakletos في الأناجيل اليونانية) غير الموجودة أصلا في لغة اليونان قبل عصر المسيح ، والتي حار في فهمها تراجمة الأناجيل إلي مختلف اللغات ، هل هي المعزي أم الناصر أم الشفيع أم المحامي. والأصوب أن يقال إنها عبرية آرامية ، تركت في إنجيل يوحنا اليوناني علي أصلها ، بعد تهذيبها إلي صورتها اليونانية Parakletos نحوا ونطقا : إنها إذن إسم مزجي مركب " فرق + ليط " (التي تنطق فاؤها البادئة في العبرية – الآرامية باء ثقيلة "P" كما مر بك) فهي " برقليط" آراميا وعبريا. الشق الأول "فرق" جذر آرامي- عبري بمعني حط عنه ووضع، أي حط عنه الذنب أو الخطئية (قارب "فرك" العربي بمعني حكة ليزيل عنه وسخاً علق به). والشق الثاني من الجذر العبري الآرامي "لاط / يلوط " بمعني ستره وحجبه وغطاه (قارن "لاط /يلوط"، لط/ يلط" العربيتين بمعني ستره وأخفاه) , أو هي بمعني لزق به وعلق (وهي " لط" العربية أيضا) كما يعلق الذنب وتعلق الخطيئة . الشق الأول "برق" ينطق "بارق" (بإطالة مد كسرة الراء) زنة الفاعل آراميا من "برق"، فهو الحاط الواضع الكاشف، والشق الثاني" لاط" ينطق " لايط" ( بإطالة مد كسرة الياء)، زنة الفاعل آراميا أيضا من "لاط". فهو في الأصل "بارق+لايط، يعني " كاشف الحجاب" أي " كاشف الغشاوة " (ولالكاشف من أسمائه صلي الله عليه وسلم)، أو هو " واضع الذنب والإصر"، ولكن المزجية أحالت النطق إلي " برقليط" (مداً بالكسر لا بالياء). يقوي هذا الفهم بشاهد من أهلها وجود "برقليط" هذه ( مداً بالياء لا بالكسر) في العبرية المعاصرة بمعني المحامي الذي يقف إلي جانبك يحاول " إساقط" التهمة عنك، والتهمة هي مظنة الخطأ و الذنب . " الفرقليط" إذن هو " واضع الإصر" أي محمد صلي الله عليه وسلم...
    { الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } (157) سورة الأعراف والإصر من معانيه "الذنب" كما تقرآ في تفسير القرطبي.

    *******

    انقطعت سلسلة السند إذن في التوراة وفي الإنجيل . ولكن الانقطاع في الإنجيل أفدح . لأن القائل في الإنجيل رواة يتحدثون غير اللغة. يزيد من فداحة هذا أن الإناجيل كثيرة، قاربت فيما يروي ثلاثمائة إنجيل تتفق وتختلف، اعتمدت منها الكنيسة بعد استقرار عقيدة التثليث تلك الأناجيل الأربعة التي بين يديك لا سبيل لك اليوم إلي ما كان في غيرها ، فقد حرمت وطوردت وأعدمت بل حتي ما ظهر منها بعد ذلك ، كالإنجيل المسمي " برنابا" المكتشف حوالي القرن الثامن عشر بلغةٍ إيطاليةٍ تسكانية، مهما اتفقت كمسلم مع الكاتب في مضمونه، لا تستطيع الارتفاع بنسبة ما جاء فيه يقينا إلي المسيح عليه السلام، لا لشئ إلا لكونه مكتوبا - علي الترجمة – بلغة غير لغته عليه السلام، شأنه شأن الأناجيل الأربعة المتداولة نفسها . لا أكثر ولا أقل!

    وليس كذلك " القرآن" ، المقطوع من الخصم ومن الصديق علي السواء بنسبة تلاوته إلي محمد صلي الله عليه وسلم بنصه " العربي" الذي بين يديك الآن ، لا خلاف علي حرفه ولفظه ، المكتمل نزوله حوالي سنة 632م ، وتلاه صلي الله عليه وسلم الآية بعد الآية، والسورة بعد السورة ، علي الكاتبين من صحابته، يكتبون ويراجعون عليه ما كتبوا، والمجموع في المصحف الذي بين يديك مراجعا علي حفاظه وكتبته ولما ينفض عقدان علي وفاته صلي الله عليه وسلم . نعم لم يكن " المصحف الأم" مصحف عثمان ، مضبوطاً بالشكل والنقط ، ولكنه "مقروء" عليه هو نفسه صلي الله عليه وسلم بقراءة أقرها، كل ما عداها مردود. ولم يظل "مصحف عثمان" غير مقيد بالشكل والنقط حوالي 2200 سنة كما وقع لتوراة موسي عليه السلام ، وإنما ضبط بالشكل والنقط علي عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ولما تنقض سبعون سنة علي وفاة النبي صلي الله عليه وسلم. وهو لم يضبط بالشكل والنقط علي عصر اضمحلال الفصحي وتراجعها علي الألسنة ، كما وقع لعبرية التوراة منذ القرن الثالث قبل الميلاد بعد حوالي ألف سنة من نزول التوراة، ولكنه ضبط بالشكل والنقط وعربية القرآن هي لغة الخاصة والعامة ، بل وهي مقياس عربية العرب.

    نعم، يستطيع المكابر المعاند أن ينكر الوحي علي القرآن، شان كل كافر بوحي السماء، ولكنه لا يستطيع التسليم بالوحي لما بين يديه من الكتب السابقة وهو ينكر الوحي علي القرآن، لأن إنكار الوحي علي القرآن إبطال لدعوي الوحي كله: قد ضاعت أدلة الوحي الأول بضياع معجزات الأنبياء السابقين، وبقي القرآن – المعجزة بذاته – شاهدا أوحد علي معجزات كل من سبقوه.

    وتستطيع أيضا – منصفاً غير متعنت – أن تدفع بانقطاع السند في التوراة والإنجيل اللذين بين يديك. وتستطيع أيضا- مصيبا غير مخطئ - أن تدفع بضياع الأصل الآرامي- العبري الذي ترجمت عنه أقوال المسيح عليه السلام في تلك الأناجيل اليونانية الأربعة. بل وفي إنجيل برنابا أيضا. ولكنك لا تستطيع أن تفعل هذا أو بعضه مع القرآن إلا وأنت موتور، غير مصيب: لا شك في حرف واحد من حروف القرآن... الأصل، واللغة، والسند... من هنا تفهم قوله عز وجل في وصف القرآن: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } (48) سورة المائدة ، يعني القرآن يصدق "ما صدق" في التوراة والإنجيل، أي هو الشاهد لهما بالصواب حين الإصابة ، أما عند الاختلاف فالقرآن هو المصوب الفيصل البات، قوله الحق.

    وتستطيع أن ترتب علي هذا أيضا أن القرآن لا يحاج بما في التوراة والإنجيل، ولكنهما هما اللذان يحاجان به عند الاختلاف. قال عز وجل : {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } (46) سورة العنكبوت.

    (5)

    يجئ العلم الأعجمي في القرآن علي ثلاثة أنواع : علم الذات ، و علم الجنس ، وعلم الموضع...
    أما " علم الذات" فهو أسماء الأشخاص، ملائكة وأنبياء وصديقين، وملوكاً وجبابرة وطواغيت ، وربما أضفت " إبليس" اللعين- هامة العصاة – إن سلمت بعجمة " إبليس" وسيأتي.
    وأما " علم الجنس" فهو أسامي القبائل ، منها بائد كعاد وثمود، ومنها الذي غيبه الغيب كيأجوج ومأجوج، وأسامي الشعوب، ورد منها في القرآن " الروم". وربما أضفت أهل الملل علي النسب. اليهود، والنصاري، والصابئين، والمجوس. ولكنك تضيف حتما تحت " علم الجنس" أسامي كتب ثلاثة : التوراة والزبور والإنجيل، علي خلاف في عجمة الزبور.
    أما " علم الموضع" فأسامي الأماكن والبلدان، أمثال مصر ومدين وإرم (ذات العماد). وربما جازت إضافة "فردوس" و "عدن" استقصاء لشبهة عجمتهما، وربما أيضا "جهنم" (المقول بأنها "جي – هنوم" العبرية).
    وفي باب العلم علي الذات ، تندرج أسامي الملائكة رضوان الله عليهم، وقد سمي القرآن منهم خمسة : جبريل، ميكال، مالك ، هاروت ، ماروت ، ولا يعلم جنود ربك إلا هو.
    وتندرج في باب العلم علي الذات أيضا أسامي الأنبياء والصديقين رضي الله عنهم ورضوا عنه، بدءا بآدم أبي البشر وانتهاء بعيسي المبشر بخاتم النبيين، صلوات الله وسلامه علي رسله وأنبيائه ، وهم : آدم ، ادريس ، نوح ، هود ، صالح ، شعيب، إبراهيم، لوط، إسماعيل، إسحاق، يعقوب، (وشهرته إسرائيل)، يوسف ، موسي، هارون، داود، سليمان، إلياس، اليسع، ذو الكفل، يونس ، أيوب، عزير، لقمان، زكريا، يحيي ، مريم، عيسي، فهؤلاء سبعة وعشرون شخصا علما، علي خلاف في نبوة بعض وصديقية بعض، وفي عجمة الاسم وعربيته، تزذاد إلي ثمانية وعشرين بإضافة "اسرائيل" شهرة يعقوب عليه السلام.
    أما الملوك والجبابرة ، فمن أعجميها في القرآن اثنان: طالوت، ملك بني إسرائيل، (شاءول في التوراة). جالوت، جبار الفلسطينين، (وهو في التوراة جليات).
    وأما المقبوحون في الدنيا والآخرة، الكفرة البغاة الطغاة، فقد سمي القرآن منهم أعلاماً أربعة : آزر، فرعون، هامان، قارون، وربما أضفت رأس الضلالة إبليس اللعين، استقصاء لعجمته، فيكون مجموعهم خمسة أعلام.

    وأما العلم علي الجنس في أعجمي القرآن، فمن القبائل أربعة : عاد، ثمود، مدين، يأجوج، مأجوج، ومن الشعوب واحد : الروم. ومن الكتب ثلاثة : التوراة، الزبور، الإنجيل (وإن كانت الزبور عربية كما ستري) .وربما أضفت علي النسب أهل الملل الأربع : اليهود، النصاري، الصابئين، المجوس، فيكون مجموع هذا الصنف اثني عشر علما.
    ولما نذكر في علم الجنس" سبأ" ، كما لم نذكر في علم الذات " تبع" ملوك اليمن ، لعربية هذين العلمين بلا خلاف.

    أما علم الموضع، أي اسامي الأماكن والمواقع، والمنازل والقري والبلدان، فمن الأماكن والقري والبلدان أربعة: بابل، إرم ، مصر، سيناء. ومن المواقع واحد: الجودي (مرسي نوح). ومن المنازل ثلاثة : الفردوس ، عدن، جعلنا الله من أهلهما بمنه وفضله، و .... جهنم، أعاذنا الله منها . فيكون مجموع هذا الصنف ثمانية أعلام.

    ويلاحظ أنه لم يرد في القرآن من أعلام النساء سوي اسم واحد، هو مريم أم عيسي عليهما السلام(لا أخت موسي وإن تشابه الإسمان)... ولكن القرآن أشار إلي نساء أخريات علي النسب إلي الابن أو الزوج، وهن خمس : ثلاث فضليات، أم موسي، امرأة فرعون، امرأة عمران (جد عيسي، وليس أبا موسي وإن تشابه الإسمان)، وثنتان من الحائنات ، امرأة نوح، امرأة لوط، وليس في المنسوب إليه علم جديد يضاف إلي ما ذكرناه سوي عمران جد المسيح صلوات الله عليه وعلي رسل الله أجمعين.

    وهذا يرتفع بالعلم الأعجمي، أو المقول بعجمة أصله، الذي نعرض له في هذا الكتاب، إلي واحد وستين اسماً علما.

    (6)

    الأعلام الأعجمية المذكورة في القرآن ورد أغلبها علي أصل لفظه الأعجمي في أسفار اليهود والنصارى، أو –اختصارا- في التوراة والإنجيل.
    وقد ضم المسيحيون أسفارهم إلي أسفار اليهود (علي خلاف بينهم في إنكار بعض وإضافة بعض) في مجلد واحد من جزأين هما " العهد القديم" (التوراة) و"العهد الجديد" (الإنجيل)، تحت اسم "الكتاب المقدس" (لذا خص القرآن أهل الملتين باسم "أهل الكتاب" لا يدخل فيه غيرهم)، سلموا لهما جميعا بالوحي من الله، ليس فقط لأن اللاحق يبني علي السابقة فحسب كما مر بك، وإنما أيضا وبالأخص إتباعا لقول المسيح عليه السلام في الأناجيل : ما جئت لأهدم الناموس (أي التوراة)، وإنما جئت لأكمل (أي بالإنجيل).
    أما اليهود فهم بالطبع لا يسلمون بالوحي لكتابات"العهد الجديد"، وإلا لما بقوا علي يهوديتهم. وهم لا يسلمون بالوحي أيضا لأسفار أضافتها الكنائس المسيحية إلي أسفارهم المعتبرة عندهم (علي خلاف في هذا بين الكنائس المسيحية ومثاله سفر " يشوع بن سيراخ" الذي ينكره اليهود وتعتبره الكنيسة الكاثوليكية ، ولا تعتبره الكنيسة القبطية الأرثوذكسية).
    وقد توقفت "النبوات" في بني إسرائيل قبل قرون من مولد عيسي عليه السلام. ومن هنا يفهم خلو أسفار التوراة من النص علي أعلام المسيحية الأربعة: زكريا، يحيي (يوحنا) ، مريم ، عيسي ، عليهم السلام. ولم تذكر أيضا عمران جد عيسى.

    ******

    ويلاحظ أن أسفار "العهد القديم" (أي التوراة) مكتوبة كلها بالعبرية، ما عدا أجزاء قليلة كتبت بالآرامية رأسا أو متأثرة بها، منها عبارات في سفر التكوين نفسه، أول أسفار العهد القديم، ومنها بعض إصحاحات متفرقة في أسفار ثلاثة هي أسفار ارميا، ودانيال، وعزرا (عزير في القرآن). وإذا علمت أن عزرا، كاتب "شريعة الله" بعد سبي بابل - كان من أعلام القرن الخامس قبل الميلاد، فقد علمت مدي طغيان هذه الآرامية علي ألسنة الناس، حتي حلت تماما أو تكاد محل العبرية في ربوع فلسطين منذ ثلاثمائة سنة علي الأقل سبقت مولد المسيح، فكان بها جل كلامه عليه السلام.
    ولكن أسفار "العهد الجديد" لم تكتب بالآرامية أو العبرية أو بمزيج من هذه وتلك، وإنما الموجود منها بين يديك الآن مكتوب كله- عدا بضع كلمات آرامية أو عبرية- بلغة "يونانية " متأخرة، تعرف باليونانية " الكنسية" ، لاصطناعها ألفاظاً وتراكيب لم تسمع في اليونانية قبل عصر المسيح. ومهما قيل من أن انجيل "متي" وبعض رسائل الحواريين والآخذين عنهم قد كان لها أصل عبراني ترجمت منه إلي تلك " الأصول" اليونانية التي بين يديك ، فهذا الأصل "العبراني" مفقود، لا سبيل لك إليه لتطابقها عليه : ليس لديك من " العهد الجديد" سوي هذه الأصول اليونانية التي بين يديك ، وترجمات منها مباشرة إلي مختلف اللغات.

    ***

    ولئن كان موضوع " العهد الجديد" هو رسالة عيسى عليه السلام، آخر رسل الله إلي بني إسرائيل، فهو لا يسمي فقط أعلام المسيحية المذكورين في القرآن، ولكنه يتحدث أيضا بالتوراة فيذكر بعضا من أعلامها الذين سماهم القرآن. ولأن " العهد الجديد " يوناني اللسان، فهو حين يذكر أعلاما من التوراة يسميهم بالطبع علي اللفظ اليوناني ، لا اللفظ الآرامي- العبري. ومن هنا اختلاف نطق العلم " الانجيلي" عن سميه في التوراة.
    من ذلك أن اليونان لا ينطقون الشين، فابدلوا كل شينات التوراة سينا. واليونان أيضا لا يستطيعون الحاء والعين. ويهمسون الهاء، فأهملوها جملة، إلا أن تكون الحاء والعين بادئتين، فتبدل منهما الهمزة، وفي اليونانية كذلك علامات " إعراب" ، منها إضافة السين للرفع وإضافة النون للنصب، فتظهران هذه أو تلك في نهاية الاسم العلم بحسب موقعه من "الإعراب" في الجملة، ويظنها من لا يعرف أصل الاسم جزءا منه: فعلوا هذا في أعلام التوراة وفي أعلام الإنجيل. من ذلك "يونا" (يونس في القرآن)... يونانيتها "يوناس" Ionas ( السين للرفع) وهي نفسها "يونان" التي قرؤها في الترجمات العربية للعهد الجديد، أخذوها بصورة الاسم منصوبا. من ذلك أيضا "يوحنا" (يحيي في القرآن): ذهبت حاؤه، وأضيفت سين الرفع فصار Ioannes أي "يؤنس". ناهيك بالاسم العلم الأكبر في المسيحية ، عيسى عليه السلام، وأصله العبري "يشوع" فصار "يسوس" في الرفع، و" يسون" في النصب، و "يسو" في غير ذلك.
    رغم أن " مسيحي الشرق" ساميون يستطيعون نطق أعلام الإنجيل علي أصل لفظها العبري- الآرامي، فقد التزموا في حالات كثيرة الاقتراب من رسمها اليوناني في العهد الجديد، ضاربين صفحاً عن أصلها العبري- الآرامي، وإن خالف الرسم اليوناني أصل الاسم في التوراة. وما كان لك أن تتوقع غير هذا وهم يقرأون في صلواتهم من إنجيل يوناني، يحتاج فهمه وتدارسه إلي علم كاف بتلك اللغة.

    وقد كانت اليونانية هي اللغة " الرسمية " للكنيسة طوال قرون المسيحية الأولي: بها كتبت مباحث اللاهوت، وبها دارت المناظرات واحتدم الجدل . أضف إلى هذا – بل قل قبل هذا – الرغبة في " التبرك" الناشئ عن التقديس، علي كتبة الإناجيل، وهو يرتب علي هذا أن الله هكذا تكلم، أو هكذا أوحي، بتلك الاعلام في لفظها اليوناني وبرسمها المكتوب في تلك الأناجيل اليونانية ، أو في أقل القليل أن الانجيلي، " كاتب الوحي" ، كتب ما كتب و " روح القدس" عليه، إنه إذن كلام مقدس لا بمصدره فحسب، وإنما بأصل لفظه أيضا في رسمه اليوناني الذي جري به قلم الكاتب. ولعلك تعلم أيضا أن أسفار" العهد القديم" ، أي أسفار التوراة ، قد كانت لها قبل عصر المسيح ترجمات إلي اليونانية أشهرها قاطبة الترجمة السبعينية، التي سبقت مولد المسيح بنحو ثلاثة قرون، موجهة إلي يهود الاسكندرية ومتهوديها، وإلي من "تأغرق" منهم في غيرها، الذين أنسوا عبرية التوراة. وقد تضمنت الترجمة بالطبع تحويل صورة العلم التوراتي عن أصله العبري- الآرامي إلي " صورة" يونانية ، جرت بالتأكيد علي ألسنة " متأغرقي" اليهود لا في أوربا فقط بل وفي مصر والشام أيضا.
    وتستطيع أن تقول – مصيبا غير مخطئ – أن كتبة الأناجيل اليونانية استفادوا من هذا الرسم اليوناني" الجاهز" في الترجمة السبعينية فنسجوا علي منواله في " العهد الجديد". وتستطيع أن تقول أيضا إن كتبة الإنجيل حين اقتبسوا من التوراة نصوصاً يستشهدون بها في العهد الجديد. لم يرجعوا إلي أصل التوراة العبراني، وإنما رجعوا رأساً إلي تلك "السبعينية"، يستقون منها ترجمتهم اليونانية لما أرادوا اقتباسه من التوراة . وهذا يفسر لك سببا من أسباب عدم تطابق بعض تلك الاقتباسات مع أصلها في التوراة كما مر بك ، لأن في " السبعينية " أخطاء استدركت بعد عصر المسيح بقرون.

    ولأنك – مسيحيا كنت أو مسلما – تحيل علي المسيح صلوات الله عليه أن يخطئ في الاقتباس من التوراة في عبارات نسبت الأناجيل اقتباسها إليه، فليس أمامك إلا التسليم بأن كتبة الأناجيل اليونانية كتبوا ما كتبوه بوحي من ذاكرة تسعف وتخون، أو رجعوا إلي الأصل العبراني ولكنهم لم يحسنوا الفهم أو الترجمة، أو تعجلوا فاستخدموا ترجمات يونانية جاهزة شاعت من قبل، أو أنهم كتبوا لجمهور يوناني اللسان، جادلوه بما يقرأ من ترجمات يونانية للتوراة في السبعينية أو في غيرها. وربما اشتطت بك الغلواء فقلت إن كتبة الأناجيل اليونانية الأربعة أو معظمهم، وبالذات لوقا ويوحنا، ما كانوا يتقنون العبرية شأنهم شأن يهود مصر والشام علي عصر المسيح، وما كانوا بالتالي يقرأون من توراة عبرية، بل من ترجمات لها. هذا وذاك أبرأ لدينك من أن تقول أصاب كتبة الأناجيل وأخطأ المسيح معاذ الله – ناهيك بروح القدس جبريل- صلوات الله وسلامه علي جميع ملائكته وأنبيائه.

    (7)

    يحدثك سفر التكوين – أول أسفار التوراة- عما كان من شأن آدم عليه السلام وزوجته في الملأ الأعلي، وعن الجنة التي " أزلهما الشيطان عنها" فأهبطوا إلي الأرض جميعاً . كما يحدثك عما كان من شأن "قاين" و "هبل" (قابيل وهابيل في المراجع الإسلامية) ابني آدم الأولين، ويسمي " شيث" ابنه الثالث وذريته إلي نوح وإبراهيم، ثم يمضي علي عمود النسب حريصا علي كل الحرص، لا يترك علما من أعلامه إلا ويصعد به إلي آدم أبي البشر. وقد ورث " العهد الجديد" هذا الحرص (راجع الإصحاح الأول من متي والإصحاح الثالث من لوقا)، تنصيصا علي موضع المسيح من عمود النسب الذي يصعد به إلي "آدم بن الله"...

    (هكذا كتب لوقا في إنجليه : آدم بن الله؛ (لوقا 28:3) وقوفاً بعمود نسب المسيح عند آدم لا يتجاوزه إلي الله عزوجل، الذي لم يلد آدم بالطبع وإنما صنعه "بيديه" كما تنص التوراة. ومن قبل قال كتبة التوراة "أبناء الله" (تكوين: 1:6و4). وهذا كله لا يؤخذ علي أصله وإنما يؤخذ بمجازه المقصود منه في اللغات السامية ومنها الآرامية والعبرية، ولم يفطن إليه في " مجمع نيقية" بطاركة يونانيو الفكر واللسان : الأب مجاز علي الأصل والمنشأ، أي الله المبدع الفاطر البارئ ، والابن مجاز علي النسب إلي الصانع"الباني" مصداق هذا (راجع المعجم التحليلي العبري – الآرامي المذكور في حواشي هذا الكتاب) أن لفظة " بن" العبرية- الآرامية منحوتة علي المفعولية من جذر الفعل العبري- الآرامي " بنا" (وهي بني/ يبني العربية)، ولكنك لا تهدي من أحببت).

    والذي يستوقف النظر- في مقاصد هذا الكتاب علي الأقل- أن الأعلام علي عمود النسب من آدم إلي نوح (وهم ليسوا عبرانيين بالقطع)، ناهيك بالملأ الأعلي، هي في التوراة أعلام عبرية – آرامية . والتوراة لا تقف عند إيراد الاسم عبرانيا آراميا، وإنما هي أحيانا كثيرة تفسره بالعبرية، لا علي الترجمة ، فالاسم الذي تفسره عبراني- آرامي في أصله، وإنما علي البيان، أي أنها تدلك علي مناسبة التسمية وسببها . بعض هذه التفاسير مقبول ، وبعضها مفتعل، من مثل: "ودعا آدم اسم امرأته حواء لأنها أم كل حي" (تكوين 20:3) وحواء كما تعلم ليست "أم كل حي" بإطلاق، وإنما هي أم كل حي من البشر فحسب، باستثناء "آدم" بالطبع.

    والأكثر استيقافا للنظر- لاسيما في آدم والملائكة من مثل جبريل وميكال رضوان الله عليهم- أن القرآن يتابع التوراة علي تسمياتها هذه لهؤلاء الأعلام الثلاثة ، بل قد أثبت القرآن لآدم اسمه هذا العبري – الآرامي علي النداء من الله عز وجل : {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ } (19) سورة الأعراف.
    أفكان آدم رجلا عبرانيا أو آراميا ؟ كيف، وهو أبو كل البشر؟
    أفكانت العبرية أو الآرامية هي اللغة التي علم بها آدم " الأسماء" كلها ؟ أكانت هذه أو تلك هي لغة الملأ الأعلي؟ أكانت هذه أو تلك هي اللغة الأولي التي هبط بها آدم من الجنة؟
    ليس لك أن تخوض في لغة الملأ الأعلي. هذا من غيب الله... ليس لك أن تفترض ضرورة وجود " لغة" لفظية – صوتية ما، أيا كانت، أداة للتلقي والفهم والخطاب فيما بين الملأ الأعلي. ليس لك أن تخوض فيما لم يعلمك الله.
    أما لغة آدم التي تكلم بها علي الأرض مهبطه من الجنة، فالراجح عندي - ولا أُلزمك إياه - أنها هي نفسها اللغة التي علم بها آدم الأسماء في الملأ الأعلي، لاسيما اسمه هو نفسه الذي خاطبه به الله في الجنة، وثبت له علما في الأرض بين زوجته وبنيه. والذي أقطع به - ويلزمك المنطق الصرف إيا ه- أن ثبوت العلمية لأبي البشر في الجنة وعلي الأرض - وكذلك لجبريل وميكال - بأسماء لا تفسر إلا بجذور ألفاظ تستخدمها اللغات السامية إلي الآن، يعني أن لغة أبي البشر آدم كانت لغة سامية ما ، بل قد كانت هي أم اللغات السامية جميعا، أو ان اللغات السامية –دون سائر اللغات - هي الأحفظ لما بقي من لغة آدم بعد ما تفرقت في لغات البشر. لا أقول لك – وإن كنت أرجح – أن العربية الأولي، قبل أن تتطور إلي اللغة التي نزل بها القرآن، قد كانت هي لغة آدم. يكفي العربية فخرا أن قد كان بها ختام كلام الله إلي أهل الأرض: يكفي العربية فخرا قرآنها.

    أما لماذا يتابع القرآن التوراة في تسمياتها العبرية- الآرامية، وإن تعلقت بذوات غير آرامية وغير عبرية البتة، من مثل الملائكة رضوان الله عليهم، ومن مثل الأنبياء من آدم إلي نوح، فيعرب صورتها الآرامية – العبرية علي نحو ما وردت في الصحف الأولي، ولا يعربها عن الصورة المجهولة لنا الآن التي كانت عليها في لغة أصحابها قبل مولد هاتين اللغتين الآرامية والعبرية، فهذا هو منطق " العلمية" كما مر بك: قد سبق الوحي الأول بتلك الأعلام علي صورتها في التوراة فثبتت، أي صارت علما علي الذات التاريخية لأصحابها ، إن عدلتها ولو بقصد التصحيح فقد حرفت ، بل لما جاز: قد ضللت سامعك إذن، ونكرت عليه شخص الذي تعني.

    ولكن القرآن في تفسيره الفذ لأعلامه الأعجمية يعمد أحيانا إلي التفسير بالتعريب وحده، كما ستري في " ميكال" صلوات الله عليه، فيجمع بين المعني وبين الصورة التي استقر عليها الاسم العلم، في مزيج جل من أوحي.

    ***

    من خصائص العربية التنوين في الأسماء، أي الوقوف بالاسم- في اللفظ لا في الرسم- علي نون ساكنة تلي حركة الأعراب. ولعلماء العربية وعلماء الصوتيات أيضا وجوه في " تعليل" التنوين، ليس موضعها في هذا الكتاب.
    وقد شذت كما تعلم صور وأوزان وأعلام، منع تنوينها. والاسم الذي يقبل حركة الإعراب ويمتنع تنوينه، يسميه النحاة "الممنوع من الصرف".
    والاسم الممنوع من الصرف – الاسم المعنوي والاسم العلم- لا يمتنع تنوينه فحسب حيث يجب التنوين، وإنما أيضا يجر بالفتح في موضع الكسر.
    ولأن الأصل في " العلم الأعجمي" منعه من الصرف "للعجمة"، فما كان أيسر عليك أن تحصي العلم الأعجمي في القرآن استنادا إلي هذه القاعدة وحدها ، فتسلم بعجمة تلك الأعلام التي امتنع تنوينها حيث يجب التنوين ، أو جرت بالفتح في موضع الكسر، ثم ترفض دعوي العجمة في غيرها.
    ولكنك لا تستطيع الاستناد إلي هذه القاعدة وحدها في التسليم بدعوي العجمة أو رفضها ، فقد " صرف" العرب - أي نونوا وجروا بالكسر- أعلاما أعجمية لخفة أوزانها، تجد منها في القرآن " نوحا", "لوطا" المقطوع بعجمتهما، ومنعوا من الصرف في المقابل أعلاما مقطوعاً بعربيتها مثل " أحمد" لمجيئه علي وزن " أفعل" الممنوع من الصرف. تجد علي هذا الوزن في القرآن " آدم" ، " آزر" الممنوعين من الصرف في كل القرآن، فلا تدري أمنعا من الصرف للعجمة أم للوزن.

    كذلك يمنع من الصرف في العربية للعملية والتأنيث، أي العلم المؤنث، مثل " فاطمة"، "زينب" عربيا كان الاسم العلم أم أعجميا، ومثاله من الأعجمي المؤنث في القرآن الاسم "مريم" ، الممنوع من الصرف في كل القرآن للعملية والتأنيث قبل العجمة، فلا تقطع بعجمته مستندا إلي منعه من الصرف فحسب، وإنما تنتظر حتي تؤصل الاسم في لغة صاحبه.
    يمنع من الصرف أيضا للعملية والتأنيث قبل العجمة أسامي القبائل، إلا إذا أردت" القبيلة" أي القوم، ولم ترد" الحي" أي الموضع. من هذا في القرآن أمثال "ثمود"، "مدين"، الممنوعتين من الصرف في القرآن. ولكن " ثمود" ، "مدين" لايمنعان من الصرف في القرآن علي الموضع فحسب، وإنما هما ممنوعان من الصرف في كل القرآن حتي حين يراد منهما " القبيلة" صراحة، أي القوم ، بدلالة ورودهما علي جمع المذكر صريحا، في مثل قوله عز وجل :
    (وإلي ثمود أخاهم صالحا)، (وإلي مدين أخاهم شعيبا)، فتستدل من هذا علي أن "ثمود" ، "مدين" لفظان أعجميان منعا من الصرف للعجمة . " أما "عاد" فصرفت لخفة الوزن فحسب. إلي غير ذلك من موانع الصرف وشواذه مما لا نستطرد بك إليه، لأن مرادنا التمثيل فقط. علي أن كثرة الشواذ في القاعدة لا تبطل حكمها، متي راعيت إعمالها بضوابطها. مثال ذلك أن تنعدم في الاسم كافة موانع الصرف إلا العجمة، كأن يكون اسما علما مذكرا، من مقطعين فأكثر، علي زنة لا يجوز فيها إلا الصرف. عندئذ تكون العجمة هي الوجه الوحيد لامتناع صرفه. من هذا الاسم غير منازع.
    ولكن عربية الاسم لا تعني عربية " صاحبه" بدليل عجمة من أرسل إليهم: ثمود. لأن " ثمود" أو بالأحرى "قري صالح" ، لم تكن جغرافيا علي عصر صالح عليه السلام من منازل العرب الناطقين بالعربية التي نزل بها القرآن. كان صالح النبي آراميا من قوم آراميين، ولكن اسمه الآرامي "صاليح" (والمد فيها بعد اللام مد بالكسر لا مد بالياء)، تواطأ لفظه ومعناه مع " صالح" العربية في القرآن. فصرف لخفة وزنه. وربما كانت " صالح" أبين الأمثلة علي أسلوب القرآن في التفسير بالتعريب، وسيأتي هذا في موضعه.

    وردت في التوراة أعلام أنبياء لم يذكرهم القرآن، مصداقا لقوله عز وجل:
    {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ َ} (78) سورة غافر. وبالمثل، سمي القرآن أنبياء ثلاثة لم تذكرهم التوراة ، ولم تذكرهم أيضا الأناجيل ، وهم "هود" ، "صالح"، "شعيب".
    وسمي القرآن أيضا "إبليس" المختلف في عجمته، ولم ترد في التوراة إلا "ساطان" (شيطان)، المترجمة في الأناجيل اليونانية إلي "ذيبلس"Diabolos وإن كانت الترجمة اليونانية غير دقيقة، لأن "ذيبلس" تعني " الرجيم" ، لا العدو أو المناوئ الذي تعنية "ساطان" العبرية – الآرامية . ويزعم أدعياء الاستشراق، وتابعهم للأسف علماء عرب، أن القرآن نحت "إبليسه" من ذيبلس اليونانية هذه ، كما عرب من قبل " ساطان" العبرية إلي " شيطان"، دون أن يدري أن الأولي ترجمة للثانية ، لا أكثر ولا أقل.

    والملاحظ أن " إبليس" ممنوعة من الصرف في كل القرآن، لا يلحقها قط التنوين، ولا تجر إلا بالفتح. والمنع من الصرف كما تعلم من دلائل العجمة ، ولكنه ليس بدليل كاف في " إبليس" بالذات، لمجيئه علي زنة" إفعليل" ،وهو وزن نادر في العربية ، واقترنت الندرة بالعلمية فأشبه الأعجمي، فمنع صرفه.

    والرأي في "إبليس" وأمثالها ، مما أخبر به الله عز وجل في القرآن علي غير سابقة في التوراة والانجيل، ومنه من الأنبياء هود وصالح وشعيب، أو من الملائكة مالك وهاروت وماروت، صلوات الله وسلامه علي ملائكته وأنبيائن، أنها من أنباء الغيب غير المتحدث به في التوراة والإنجيل اللذين بين يديك اليوم،وأن القرآن الذي لا يحاج بما في التوراة والإنجيل ، لا يحاج من باب أولي بما ليس فيهما.علي أن لنا في "إبليس" رأيا آخر، يأتي في موضعه.

    أما ما جاء من أعلام القرآن علي المخالفة الصريحة لنظراتها في التوراة والإنجيل ، فمنها مرسي سفينة نوح عليه السلام، "الجودي" ، وهي في التوراة" آراراط"، وفي " تارح" وحرفته الأناجيل اليونانية إلي "ثارا" Thara (انظر النص اليوناني الأصلي لإنجيل لوقا 34:3)، ومنها أيضا " طالوت" المسمي في التوراة "شاءول". ومنها "يحيي" عليه السلام، المرسوم في النص اليوناني للأناجيل بالرسم" يونس" Ioannes علي أصل عبري مظنون هو "يوحنان" أو آراميه " يوحنا" أبدلت حاؤه همزة (سهلت لكونها غير بادئة)، وختم – علي خلاف صورته الآرامية – بالكسر لا بالفتح، وأضيفت سين الرفع. وأخيرا علم المسيحية الأكبر، عيسي عليه السلام، المرسوم في الأناجيل اليونانية "يسوس" Iesous علي الرفع، " يسون" علي النصب، " يسو" في غير ذلك ، وكأنها من يشوع العبرانية ذهبت عينها وأبدلت شينها سينا.

    هذا الاختلاف البين في تلك الأعلام الخمسة بين رسمها في القرآن ورسمها في التوراة والإنجيل ، ليس كما تري ناشئا عن مجرد " التعريب" وإنما هو خلاف في جذر الاسم نفسه ، رغم أن القرآن ينص تنصيصا علي أنه يعني علي القطع بأعلامه هذه نفس مسماها في التوراة والإنجيل، فالجودي هو نفسه مرسي سفينة نوح، وآزر هو أبو إبراهيم ، وطالوت هو الملك شاءول الذي خرج داود من عسكره لمبارزة جالوت، ويحيي هو نفسه يوحنا بن زكريا المصدق بالذي هو "كلمة من الله" ، وعيسي هو نفسه المولود من عذراء، الذي أبرأ الأكمه والأبرص، وأحيي الميت.

    أتظن أن القرآن الذي يقص عليك بدقة مذهلة وعلم محيط، أنباء أولئك وهؤلاء، يخفي عليه أسماء أبطال"قصصه" في رسمها الآخر، وهو شائع ذائع بين معاصريه من أهل الملتين، يهود يثرب، ونصارى نجران؟ كيف يدقق في النبأ ويخطئ في البطل؟ كيف يذكر لك من أنباء الطوفان ما سكتت التوراة عنه، ثم "يخترع" لمرسي السفينة اسما مخالفا لما سمته التوراة؟

    (لم تتحدث التوراة عن امرأة نوح التي خانته، ولا عن ابنه الذي اعتصم من الماء بجبل ولا عاصم، ولم تتحدث عن جدال نوح ربه فيه. والملاحظ علي التوراة التي بين يديك أنها تجتزئ اجتزاء مخلا بالنسبة لأنباء ما قبل إبراهيم ورسالته إلي قومه وتحطيمه الأصنام وتحريقه في النار ولا عن جدال إبراهيم أباه، الذي لم يهجره إبراهيم وإنما " هاجر معه" كما تقرأ في سفر التكوين، وكأنما كل أهمية إبراهيم ليست في أنه نبي رسول، وإنما في أنه " البطربرك" (أبراهام أبينو) وصاحب " الموعد" الذي رسم لليهود حدودهم الجغرافية – السياسية، أما باقي التوراة فكله حديث عن الذي ورث" الموعد" : يعقوب وبنوه . إنها " توراة بني إسرائيل").

    ألم يقع في سمع محمد (صلي الله عليه وسلم) من أحبار يهود أسلموا أن اسم أبي إبراهيم في التوراة هو تيرح، فلماذا يصر علي تسميته آزر؟ كيف يسمي داود وجالوت فيصيب، ثم"يفقد الذاكرة" فجأة في شاءول فيسميه طالوت؟ ألم يحاوره أساقفة نجران ثلاث ليال في مسجده بيثراب وهو يعرض عليهم الإسلام، أجادلوه بيوحنا ويسوع، أم جادلوه بيحيي وعيسي؟ لا يظن هذا من خصوم القرآن إلا هازل. ولكن من علمائهم وأحبارهم من فعلوه. كان أحرى بهؤلاء وأولئك ألا يطيلوا الوقوف عند أوجه التطابق بين " كتابهم المقدس" وبين القرآن، مطنطني بدعوي النقل والاستنساخ : إن صح لهم الوحي فالموحي واحد بنص القرآن، وقد تابع الإنجيل التوراة، ولم يعيبوا عليه. بل كان عليهم أن يتوقفوا فيطيلوا الوقوف حقا عند نقاط مخالفة القرآن الصريحة عامداً متعمدا لمحفوظ، مأثور ، مسجل في كتبهم، ليتبينوا أي الوجهين أصوب وأدق. ولكنهم لم يفعلوا.

    بل من خصوم القرآن هؤلاء ملحدون يدعون اصطناع المنهج العلمي في مقارنة "الأديان" يستوي عندهم - في بطلان دعوي الوحي- التوراة والإنجيل والقرآن جميعاً، فتندهش كيف استباحوا مجادلة القرآن – ثابت الأصل والسند باعترافهم هم أنفسهم- بتوراة مقطوعة السند عندهم ، قالوا إنها كتبت من الذاكرة بعد صاحبها بعدة قرون.
    أو بأناجيل أو ترجمات أناجيل يقولون إن أصلها العبراني المفترض مفقود، لا تدري أي أخطأ المترجم أو اصاب، إلا أن تسلم بالوحي لكتبة الأناجيل اليونانية – كما ارتأت الكنيسة من قبل – والملحد المتعالم ينكر الوحي علي كائن من كان. ولكنك تعلم أن هؤلاء ليسوا بعلماء، وإنما هم "خدام سياسة" ، والهوي والغرض كما تعلم داء عضال لا يرجي منه برء. أما علماء الملتين، فما أنصفوا وما سددوا : القرآن هو السند الأوحد لرأب ما انقطع سنده في التوراة والإنجيل، وهو سند أي سند؛

    أما الوجه الذي خالف به القرآن كلا من التوراة والإنجيل في تلك الأعلام الخمسة، فالحديث عنه يأتي بإذن الله في موضعه، عندما نتناول بالتحليل أعلام القرآن المعنية في هذا الكتاب، علما علما...

    يتبع....
    مرسلة بواسطة أستاذ/ ولاء الشاذلي في 10:23 م 0 التعليقات





































    ////////
    الأحد، 29 أبريل، 2007
    طرق تفسير الأعلام الأعجمية في القرآن
    السلام عليكم

    في هذا المقال نكمل الجزء الأخير من مقدمة كتاب “من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن” وفيه نوضح من أسلوب القرآن الكريم في تفسير الأعلام الأعجمية ومنهج الكاتب في تحري هذه المعاني وتفسيرها بلغة أقوامها وفي المقالات القادمة نعرض تفسير الأسماء بالتفصيل إن شاء الله....

    مع تحياتي




    من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن
    العلم الأعجمي في القرآن مفسراً القرآن
    المؤلف/رؤوف أبو سعدة
    ******

    طرق تفسير الأعلام الأعجمية في القرآن
    ****

    للقرآن في تفسير علمه الأعجمي طرائق شتى، وقع لي بفضل من الله ونعمة استظهار ست منها وهي :
    1- التفسير بالتعريب (ومثاله” ميكال”)
    2– التفسير بالترجمة (ومثاله “ذو الكفل”)
    3– التفسير بالمرادف( ومثاله “موسى”)
    4- التفسير بالمشاكلة (ومثاله “زكريا”)
    5- التفسير بالمقابلة (ومثاله” عاد”)
    6- التفسير بالسياق العام( ومثاله “لوط”).

    وقد تجمتع في تفسير علم واحد أكثر من أداة ، فيفسر مرة بالترادف، ويفسر أخري بالسياق العام، الخ .، بنفس المعني أو بقريب منه.

    *****

    أما التفسير بالتعريب فهو تعريب العلم الأعجمي علي وزن عربي يفيد بذاته أصل معناه في لغته.
    من ذلك أن القرآن في “ميكائيل” (وتنطق كافها في العبرية خاء لتقدم الياء عليها كما مر بك) لا يعربها علي “مكئال”، ولا علي “مكئيل” ولا علي “مئكال” ،
    وإنما يعربها علي “ميكال”، فيصيب التعريب ويصيب المعني في آن واحد ، كما ستري.

    وشرط إمكان التفسير بالتعريب، اتحاد الجذر في اللفظين ، الأعجمي والمعرب. ولا يتسنى هذا إلا في لغتين من نفس الأسرة اللغوية، كما هو الحال في اللغتين العربية والعبرية.

    ويتعين التنبيه إلي أن “التفسير بالتعريب” ليس هو التفسير بالترجمة:
    التعريب كما مر بك هو استبقاء اللفظ الأعجمي في صورته الأعجمية بعد تهذيبه علي مقتضي مخارج أصوات العربية وأوزانها ، من مثل “جيورجيوس” التي عربت إلي “جرجس” ، باستبقاء أحرف الاسم الصحيحة (ج- ر- ح- س) والاستغناء عما عداها، فاستقام نطقه علي وزن عربي، أي أصبح الاسم الأعجمي عربيا بصورته، وإن بقي أعجميا بمعناه ، إذ لا معني للفظ “جرجس” في العربية، لأن اللغتين اليونانية والعربية ليستا من نفس الأسرة اللغوية، فلا تفهم معني “جرجس” إلا أن يقال لك إن أصلها في اليونانية “جيورجيوس” وأن معني “جيورجيوس” هذه في اليونانية “الحارث” ، أعني أنك في التعريب تبقي محتاجا إلي من “يترجم” لك،
    أما إن ترجمت الاسم العلم إلي معناه في لغتك ، غير عابئ بأصل صورته في لغته، كأن تسمي “جيورجيوس” باسم “الحارث” مباشرة فقد أصبت “المعنى” وفاتك” المبنى”، وينتج عن هذا أن من يسمعك تقول “الحارث” لا يدري إن كنت تقصد رجلا عربيا اسمه الحارث، أم تقصد رجلا يونانيا اسمه “جيورجيوس” ترجمت أنت معناه إلي “الحارث”.
    من ذلك في القرآن “ذو الكفل” ، الذي لا خلاف علي عربيته مبني ومعني ولا مجال لاشتقاقه من العبرية أو الآرامية ، فتتوقف فيه : هل هو نبي عبربي لم تتحدث عنه التوراة ، أم هو علم من أعلام التوراة، نص القرآن علي معناه، ولم ينص علي مبناه، وسيأتي.

    أما لماذا يعمد القرآن أحيانا إلي التفسير بالترجمة ويهمل التعريب ، فهذا إعجاز من ثلاثة أوجه :
    الوجه الأول “العلم”، أصل كل إعجاز في القرآن،
    والوجه الثاني تحاشي التعريب حين تفيد الصورة التي يعرب عليها الاسم عكس معناه في لغته، مثل “يشوع” بمعني “الناجي” في العبرية (عيسى في القرآن) المعدول عن تعريبها “يسوع” (كما فعل المترجم العربي في الأناجيل اليونانية) لأن “يسوع” معناها في العربية “الهالك”.
    وأما الوجه الثالث فهو خصيصة من خصائص لغة القرآن : تحاشي الوحشي وتحري الجمال.
    ولو علمت أصل “ذي الكفل” في التوراة لأدركت ما أعني، ولما جوزت فيه إلا الترجمة . وسيأتي.

    التفسير بالتعريب والتفسير بالترجمة ، هو كما تري متضمن في بنية الاسم ذاته، معرباًَ أو مترجما، لا يحتاج من ثم إلي مزيد بيان، فلا يفسر بغيرهما من أدوات التفسير الست في القرآن: الترادف، والمشاكلة ، والمقابلة ، والسياق العام.

    أما التفسير بالمرادف، فهو الإتيان بالعلم الأعجمي علي التجاور مع مرادف له في العربية يفيد معناه في لغة المتسمي به، كما رأيت من قبل في “ملك/رسول” وكما رأيت في “شيطان/عدو”.
    ولا يشترط في المرادف العربي أن يأتي علي صيغة إسمية تفسر معني العلم الأعجمي ،
    كما في “موسى” ، ومعناها في المصرية القديمة “وليد” ، تجدها في : {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} (18) سورة الشعراء، وإنما قد يأتي المرادف أيضا علي صيغة جملة إسمية أو فعلية، كما في: { لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا َ} (9) سورة القصص، والمقصود في الحالتين “موسى” ، المحذوف لدلالة السياق عليه . وسيأتي . من ذلك أيضا “إسحاق” في قوله عز وجل : {وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ } (71) سورة هود،

    وفي ميلاد مريم عليها السلام: { قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } (36) سورة آل عمران.

    وكما في قوله عز وجل : {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ } (43) سورة آل عمران وسيأتي بيان هذا كله في موضعه إن شاء الله .

    وليس التفسير بالمرادف كالتفسير بالترجمة كما لعلك حدست:

    في التفسير بالمرادف يظهر العلم الأعجمي إلي جوار مرادفه العربي الدال علي معناه.

    أما في التفسير بالترجمة فالعلم الأعجمي يختفي تماما في كل القرآن، ولا يظهر في القرآن إلا باسمه العربي ترجمة، كما ستري في “ذي الكفل”.


    أما التفسير بالمشاكلة، فهو ذلك الجناس المعجب الذي مر بك من قبل في قوله عز وجل : {كهيعص
    ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} (1) سورة مريم ، بين “زكر” العبرية ، “ذكر “العربية ، لا فرق بينهما إلا إبدال الزاي العبرية ذالا، مع اتحاد المعني.
    إنه فرع من التفسير بالمرادف ، ولكنه ليس هو ، لاتفاق المرادف العربي مع مرادفه العبري في اللفظ والمعني، لا في المعني فقط.
    والتفسير بالمشاكلة ليس هو أيضا التفسير بالتعريب، لأن المفسر بالتعريب لا يظهر في القرآن إلا بصورته المعربة، كما في “ميكال”، أما المفسر بالمشاكلة، مثل “زكريا” فيظهر بصورته المعربة هذه، مفسرا بغيرها.



    وأما التفسير بالمقابلة - والمقابلة هي “الطباق” عند أهل البديع- فهي الاتيان بالعلم الأعجمي مقابلا بعكس معناه، أي أنها عكس الترادف تماما. من ذلك في القرآن “عاد” قوم هود، وهي في العبرية- الآرامية من “الأبد” ، “الخلود” ، و” عدني” عبرياُ بمعني ما زلت وما أزال. ولكن القرآن يقول: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى} (51:50) سورة النجم، أي أنه سبحانه أزال الباقية الخالدة التي لا تزول ، فيفسرها بما آلت اليه . وسيأتي.



    أما التفسير بالسياق العام فهو أنك تستخلص من سياق الآيات وصفا لبطل الحدث المروي في القرآن، يلابسه ويلازمه حتي تكاد تسميه به، وإذا هو نفسه معني اسمه العلم في التوراة.
    من ذلك اسم “لوط” ومعناه بالعبرية “محجوب”، الذي تجده مفسراُ بالمقابلة في قوله عز وجل: {وَجَاء أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ قَالَ إِنَّ هَؤُلاء ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ} (67-68) سورة الحجر.
    ولكنك تجده أيضا مفسراً بالسياق العام أو الجو العام الذي توحي به إليك الآيات التي تصور لك لوطاً وهو “يراود” عن ضيفه ولا يملك ما يدافع به إلا أن يفتدي ببناته فلا يقبل منه، ويهمون به ليبطشوا به إلا أن يخلي بينهم وبين ضيفه هؤلاء ليفعلوا بهم ما أرادوا، ويجزع لوط أشد الجزع وقد غلب علي ضيفه فيتوجع: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} (80) سورة هود ، ولكن ضيفه يهونون عليه : {قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ } (81) سورة هود، ولكن الملائكة المكرمين لا يحاجزون عن لوط، ولا يبطشون بالكفرة الفجرة ، فلم تحن بعد ساعتهم، بل يضربون بينه وبينهم بحجاب، فتغشي الذين ظلموا الظلمة : { فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ } (37) سورة القمر فيحتجب منهم لوط كما تحتجب الملائكة ، ويضرب الليل بأستاره علي القرية المجرمة، ويمضي لوط في ساتر الليل متبعاً ما أمر به: { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ} (81) سورة هود. لينجو بسحر : { إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ} (35-34) سورة القمر، ولا ينجلي الليل عن القرية إلا وقد صبحهم عذاب مستقر: {وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ} (38) سورة القمر. وهلك الظلمة ردما وعميانا: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ}(72-74) سورة الحجر، هذا الحجاب المضروب علي لوط في إفلاته من بطش الذين كفروا، وفي فراره من القرية الظالم أهلها، حجاب باطنه من قبله الرحمة، وظاهره من ورائه العذاب ، ولذلك قيل له : {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } (65) سورة الحجر أي النجاء أمامك، وكل ما وراءك هالك ، فاجعل الوقم وراءك ، ولا تلتفت. هذا الجو العام، الذي توحيه الآيات ، سمة يتفرد بها القصص القرآني من دون كل قصص: الحدث المروي في القرآن لا يسرد عليك كما يسرد الخير ولكنه- علي خلاف ما تجد في التوراة والإنجيل- يبعث لك من غياهب التاريخ حيا نابضا مشخصا، وإذا أنت في قلب الحدث، تسمع وتري، وقد طويت المسافات واستدار الزمن.

    ********

    والذي يجب التنبيه إليه أن التفسير القرآني لأعلامه الأعجمية ، أيا كانت أداة التفسير المستخدمة ، تفسير به خفاء، ليس هو خفاء التطابق بين المفسر والمفسر به ، فالتطابق تام، ولكنه خفاء القصد ، لأن النسيج القرآني نسيج محكم، بالغ الإيجاز ، برئ من الحشو والافتعال، كل لفظ فيه موزون بميزان ، معناه مطلوب لذات معني الآية، واللفظة أو العبارة المفسر لمعني الاسم العلم جزء في هذا البنيان المتضام المتكامل، أو أداة لتصوير الحدث نفسه، لا لتفسير الاسم، فلا تفطن إن كنت لا تعرف لغة الاسم العلم لوجه “التناسب” بين المفسر والمفسر به، أو لوجه المشاكلة بين هذا وذاك، كما تجد في تفسير اسم “إسحاق” بقوله عز وجل: {وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ } (71) سورة هود، فالعبارة هنا تعطيك وقائع الحدث المروي عليك بالكلمة والصورة باختصار بليغ اقتضي من كتبة التوراة عدة أسطر، دون أن يلم “سفر التكوين”(تكوين 18/9-15) بكل ما ألمت به تلك الألفاظ الخمسة من سورة هود، فقد سقط منها علي سبيل المثال اسم المبشر به “إسحاق” فتنتظر إلي الإصحاح 21(2-5) كي تعلم أن إبراهيم هو الذي سمي ابنه “إسحاق”، وان امرأته سارة قالت في تفسير الاسم :” قد صنع إلي الله ضحكا. كل من يسمع يضحك لي” . ولكنك أمام تلك الألفاظ الخمسة في القرآن بمحضر من مشهد متكامل: تري سارة قائمة تخدم ضيف إبراهيم، وتفهم بغير كلام أن الضيف ( وهم وفد من الملائكة صلوات الله عليهم) قالوا شيئا ما يتعلق بسارة رضي الله عنها، ضحكت له عجبا وحياء، فأعيد عليها القول، فتفهم أن الذي قالوه قد كان بشارة بالمحال وقوعه لعجوز عقيم أيأستها السنون، وكأن الملائكة قالوا: “ضحكت يا أم ضحاك؛”، تسمية من الملائكة للمولود المبشر به، ولكنك لا تفطن لوجه التناسب بين “ضحكت” و “إسحاق” ، لأنك لا تعلم أن “إسحاق” هي “ضحاك” ، كما لا تفظن لوجه المشاكلة في عبارة من مثل: أحسنت يا حسن؛ إن قيلت لك بالانجليزية هكذا : "'Well-done, Hassan".

    ولكنك علمك بلغة الاسم العلم لا يكفي وإن كان شرطا أول ، لأن القرآن لا يفسر لك أعلامه الأعجمية بمثل تلك الصورة المباشرة الفجة: أحسنت يا حسن؛ فلا يقول لك مثلا: “وامرأته قائمة فضحكت ولذا سمينا “إسحاق” ، حتي يستثار فضولك إلي معرفة معني “إسحاق” في لغة إبراهيم وسارة ، ولا يقصد إلي التفسير قصدا كما فعل كتبة التوراة، فيخطئ الكاتب ويصيب، كما رأيت في تفسير اسم حواء الذي تصدي الكاتب لتفسيره فقال: “ودعا آدم اسم امرأته حواء لأنها أم كل حي” (تكوين 3/20) ، يريد أن اسمها أخذ من “الحياة” : ( وإن كان آدم أول الأحياء من البشر كما تعلم). القرآن لا يعلل لك تسمية إسحاق بضحك سارة، فضحكها واقع وقع، وجزء لا يتجزأ من صور الحدث المروي عليك، ملتحم بالمعني العام للآية، لا حشو ولا افتعال، ولا خروج عن قصد، بل تاتي العبارة سلسلة، ويجئ “إسحاق” في موضعه، غير مقحم ، فتظن أنت أن التفسير عارض عرض، بعد علمك بأن “إسحاق” هي “ضحاك”، لا مدخل له البتة في مقصود الآية، فلا تلتفت إليه. ولكن هذا الذي لا تلتفت إليه يتواتر في كل علم أعجمي مذكور باسمه أو بكنيته في القرآن. فتتساءل أمقصود هو أم غير مقصود؟ أم أنه الإعجاز البياني الذي يؤلف بين الألفاظ والصور علي هذا النسق المتناغم المتجانس لا يراد منه إلا هذا؟

    وأنا لا أقول إن المقصود هو هذا أو ذاك، فلا يملك مخلوق تقييد مقاصد الخالق عز وجل، وإنما الذي أقوله لك هو أن لإعجاز القرآن وجوها هذا أحدها: إنه دليل العلم، ودليل القدرة.

    *****

    ثمة محاذير في تفسير معني العلم الأعجمي من القرآن وبالقرآن، وأهم هذه المحاذير ألا تقع فيما وقع فيه بعض قدامي المفسرين ، كأن تقول إن “يوسف” من الأسف ، معتلا بالمشاكلة والتجاور بين اللفظين في قوله عز وجل علي لسان يعقوب: { يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ } (84) سورة يوسف، دون أن تمحص معني “يوسف” من العبرية نفسها ، وكأن “يوسف أصلها “يؤسف” لأن يوسف كان سببا في أسف أبيه. هذه تخريجات لا تفيدك شيئا، لأن “أسف” العربية ليست بالضرورة جذرا مشتركا بين اللغتين، بل هي بالأحري من جذر عربي آخر لحقه القلب والإبدال: إنها في العبرية من “ضفا” العربية بمعني نما وكثر، وهي أيضا من ضاف/يضيف العربية بمعني أماله إليه وضمه وأضافه، وأيضا آواه واستضافه. وهذا كله لا صلة له بالأسف الذي تعنيه مادة” آسف” العربية.

    والذي أقصده من هذا ألا تتلمس معني العلم الأعجمي مستدلا عليه بقرينة التجاور وحدها ، فالتجاور ليس هو بالضرورة “الترادف” ، وإلا خبطت خبط عشواء فظننت أن “إسحاق” بمعني” العلم” في اللسان العبراني، مستدلا علي ذلك بتواتر وصف “إسحاق” بالعلم في القرآن مرتين: {قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} (53) سورة الحجر، ، {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ } (28) سورة الذاريات- يريدون إسحاق. هذا عبث لايليق ببحث جاد، ولغو لا يصح في كتاب الله عز وجل.

    وإنما الصحيح أن تؤصل أولا معني العلم الأعجمي في لغته، ثم تتلمس هذا المعني نفسه في الآيات من القرآن التي تتحدث عن هذا الإسم، مصرحا به، أو مكني عنه، أو محذوفا لدلالة السياق عليه ، وأنا زعيم لك بأنك ستجد هذا المعني في كل علم، مرة واحدة علي الأقل، وهذا كاف. وحبذا لو تواتر هذا الترادف في أكثر من موضع، إذن لاستبان لك أن هذا الترادف لم يأت عرضا.

    وحبذا أيضا لو أتيح لك ترجمة تلك الآية من القرآن إلي لغة ذلك الاسم العلم، كي يتجلي لك كالشمس سطوعا تطابق اللفظين في تلك اللغة: الاسم العلم ومعناه. من ذلك قوله عز وجل : {وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ } (69) سورة يوسف، وترجمتها الحرفية بالعبرية هي : “ويبؤو إل يوسف ويوسف إلاو أحيو”، ومرة أخري في قوله عز وجل : {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ } (99) سورة يوسف، وترجمتها العبرية هي :” ويبؤو إل يوسف ويوسف إلاو أبوتاو” . في الترجمة العبرية (والترجمة من عندي فلا ذكر لهذا في التوراة العبرانية ) تجد لفظة” يوسف” مكررة علي التلاصق - يوسف ويوسف - الأولي هي الاسم العلم يوسف عليه السلام، أما يوسف الثانية فهي فعله (ترجمة”آوي” : فلما دخلوا علي يوسف آوي إليه) فتستخلص أن القرآن يدلك علي معني اسم” يوسف” عليه السلام بفعل صدر منه- الإيواء والاستضافة- كان بحق محور دوره عليه السلام في تاريخ بني إسرائيل، وكأن الاسم يلخص لك هذا الدور أصدق تلخيص: كان يوسف لبني اسرائيل في مصر نعم” الآوي- المضيف”.

    ولكن علماء التوراة – وعلماء العبرية أيضا- يرون أن “يوسف” مشتق من جذر عبري آخر هو “سيف” الذي يفيد الإضافة بمعني الزيادة ، ولا يفيد الإضافة بمعني” الضيافة” ، فهو عندهم بمعني “يزيد” ، ربما لأن أم يوسف قالت في سفر التكوين وهي تضعه إنها يوسف و “يزيدها” الله ابنا آخر. نعم، قد استجيبت دعوة راحيل فولدت ليعقوب وهي تجود بنفسها ابنا آخر هو” بنيامين” ( أي ابن اليمن والسعد)، وكأنها وهي تسمي يوسف تريد معني يزيد. وليس لنا بالطبع- ولا لعلماء التوراة أيضا- ادعاء العلم بمقصد راحيل رضي الله عنها من تسمية مولودها “يوسف” – إن صح أنها هي التي سمته ولم يسمه أبوه - وإنما الذي يعنينا من الاسم منطوقه ودلالته: النطق علي المعنيين (يزيد، يستضيف) في العبرية واحد، ولم يتسم باسم يوسف من العبرانيين قبل يوسف بن يعقوب أحد، ودلالة الاسم علي مسماه تصح بالمعني الذي تستخلصه من القرآن (يستضيف) ولا تصح بالمعني الذي يريده علماء التوراة (يزيد) ، لأن “يوسف” لم يكن أكثر الأسباط ألاثني عشر نسلا، ولكنه كان وحده لبني اسرائيل جميعا الآوي المضيف، والتسمية علي قصد النبوءة منتشرة كما تعلم في أعلام التوراة (أو في سفر التكوين علي الأقل)، لا يكاد يخلو علم من النص علي أن التسمية تنظر إلي ما سوف يؤول إليه، والذي أفسر لك به اسم “يوسف” الآن مفيد لعلماء التوراة في هذا الباب، ولكنهم لم يفطنوا إليه.

    ويعنينا أيضا في هذا المقام التنبيه علي محذور ثان، وهو فرط الوثوق بما ورد في نصوص التوراة من تفاسير تبرر التسمية، فليست هذه التبريرات جزءا من وحي الله علي رسله، وإنما هي اجتهادات الكاتب الذي يخطئ ويصيب، بعض هذه الاجتهادات متناقض مع نحو اللغة، فتحيل علي الله عز وجل أن يكون هو الموحي، وبعضه حشو مقحم يتعالم به الكاتب فيزل القلم، ويفتضح الجهل.

    من ذلك ما تقرؤه في سفر التكوين (تكوين 11/1-9) من تفسير الكاتب لاسم مدينة “بابل” فيقول علي لسان الله عز وجل:” وقال الرب هو ذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم وهذا ابتداؤهم بالعمل. والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه. هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتي لا يسمع بعضهم لسان بعض. فبددهم الرب من هناك علي وجه كل الأرض. فكفوا عن بنيان المدينة. لذلك دي اسمها بابل. لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض. ومن هناك بددهم الرب علي وجه كل الأرض”.

    تصدي الكاتب هنا لما لا يعرف فتردي في أخطاء جسيمة لا تصح من كاتب وحي: أخطأ في حق التاريخ، فظن أن أهل بابل كفوا عن بناء المدينة فلم يكتمل بناؤها، والواقع التاريخي أنها بنيت وحسن بناؤها، بل وكانت من أعظم مدائن التاريخ. وأراد تفسير ظاهرة اختلاف لغات البشر، فوقع في خطأ علمي بين، لأن الناس لا تتباين ألسنتهم فيتفرقون ، وإنما يتفرقون فتتباين الألسنة. ولم يكتف بهذا بل افتري علي الله عز وجل الغيرة من عباده الذين أتقنوا الصنعة ، فبدد شملهم كيلا يتموا ما بدأوه، (تكوين 3/22-24)

    كما افتري علي الله من قبل الخشية من أن يغافله آدم، الذي “صار كواحد منا عارفا الخير والشر. والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضا (بعد أن أكل من شجرة المعرفة) ويأكل ويحيا إلي الأبد. فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل الأرض التي أخذ منها . فطرد آدم وأقام شرقي جنة عدن الكروبيم ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة”.

    وهذا كله أدخل في باب الأساطير والقصص الشعبي، لا يصح في جنب الله عز وجل، فتقطع بأن هذا النص من عند غير الله ، لا يلزمك. أما خطأ الكاتب في جنب اللغة، فقد توهم أن “بابل” من البلبلة، فبني علي هذا الوهم كل ما سبق. والصحيح أن “بابل” لفظة أكادية (أي بابلية- أشورية) أصلها “باب+ ايلو” تحورت في الآرامية إلي “باب + ايل”، أي “باب الله” ، وظنها الكاتب العبراني من الجذر العبري” بلل” بمعني خلط واختلط، ضعف كما في “زل”، “زلزل” العربية ، فصار” بلبل” ، ولكن كيف تأتي “بابل” من “بلبل”؟ لايستقيم هذا بالطبع في نحو اللغة، فيضطر علماء العبرية رغما عنهم من بعد هذا الكاتب إلي افتراض ما لايصح افتراضه، وهوأن بابل كان أصلها بلبل؛ كل هذا ولا يتوقف أحد ليتساءل : ولماذا يستعير البابليون اسما من العبرانية لمدينتهم؟!

    عليك أن تكون من هذه التخريجات وأمثالها علي حذر، فليست لها حجية النصوص الموحي بها. تقطع بهذا آمنا مطمئنا، لأن نسبة الخطأ إلي الله عز وجل لا تصح. بل ينبغي لك أن تؤصل معني العلم الأعجمي في لغة صاحبه غير متأثر بتفاسير ساذجة أو مغرضة، كما رأيت من قبل في اختراع قصة زني لوط بابنتيه ليكون لهما نسل من ماء الأب (مو + آب) فيكون منه الموآبيون، تشنيعا علي قبال الموآبيين بعد أن قهروا بني إسرائيل، رغم أن الموآبيين أسبق وجودا علي الأرض من لوط وابنتيه. أو بتفاسير أملتها العقيدة من بعد.

    كما تقرآ في إنجيل متي (متي 1/21-23): “فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع. لأنه يخلص شعبه من خطاياهم. وهذا كله كان ليتم ما قيل من الرب بالنبي القائل هوذا العذارء تحبل وتلد ابنا يدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا “. فتفهم أن الكاتب يفسر لك هذا الاسم العبراني” يشوع “بأن معناه “المخلص” ، بل هذا هو ما تصر عليه كل المعاجم المسيحية، رغم تصادم الترجمة مع منطق اللغة العبرية، ولكنهم يقولون لك إن أصلها “يهي- يهي شوع “ اختزلت إلي “يشوع” ، فلا تفهم لماذا وكيف، ولا تفهم لماذا يتفرد عيسى عليه السلام بهذا التفسير المفتعل من دون كل “يشوع” قبله في بني إسرائيل وقد تسمي به كثيرون، ولا تفهم أيضا لماذا يستدل متي بنبوءة النبي القائل بأن العذارء تحبل وتلد ابنا بدعون اسمه ”عما نوئيل” (الله معنا) وهو ينص في العبارة السابقة علي أن اسم المولود سيكون ”يسوع”، وقد كذبت النبوؤة بهذا المفهوم، إن ابن مريم عليهما السلام دعي بالفعل يسوع، ولم يدع عمانوئيل... أيريد “متي” أن يعرض بأن هذا المولود هو “الله” ، صار جسدا وحل” بيننا” كما قال يوحنا في انجيله (يوحنا 1/14)؟ وإذا كان هو الله فكيف “يخلص شعبه” كما قال متي آنفا؟ ألله شعب يختص به من دون البشر؟! إن صح هذا في عقيدة اليهود (شعب الله المختار) فهو لا يصح البتة في دين المسيح عليه السلام، الذي شدد النكير علي دعوي اختصاص”أبناء ابراهيم” بالخلاص، فقال إن الله عز وجل قادر علي أن يخلق من الحجارة أبناء لإبراهيم، ولكن “متي” كما تعلم يهودي تنصر. إلي هذا ومثله يفضي التفسير بالهوي والتفسير بالعقيدة، أو التفسير بغير علم، وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله عند تحليل اسم عيسى عليه السلام في موضعه.

    أما المحذور الثالث، فهو أن تظن أن أعلام التوراة والإنجيل جميعا أعلام عبرانية، تفسر بالعبرية وحدها، غير ملتفت إلي الإطار الجغرافي التاريخي لصاحب الاسم العلم. فأنت لا تتصور مثلا أن يلتقط آل فرعون موسى من اليم، ثم يتكلفون تسمتيه تسمية عبرانية “موشيه” يمعني “اللقيط” (أو الممسو من الماء) وإنما المنطقي أن يتحدث آل فرعون فيما بينهم بالمصرية القديمة، فيسمون الذي عثروا عليه في التابوت باسم مشتق من لغتهم هم، ولا ينتظرون حتي تسميه أخته” التي قصته”، أو أمه التي صارت مرضعا له.

    ولا تظن أيضا أن أم موسى رضي الله عنها ألهمت تسميته “موشيه” يوم وضعته أو يوم قذفت به في اليم، تفاؤلا بما سيكون من أمر التقاطه من الماء، لو صح هذا لما أخطأت التسمية، ولما قالت “موشيه” علي الفاعلية (أي الماسي)، بل لقالت “ماشوي” علي المفعولية (أي الممسو)، كي لا يحار من بعدها علماء العبرية في تعليل سبب التسمية علي زنة الفاعل، لا علي زنة المفعول. عليك إذن أن تلتمس للفظ” موسى” معناه في لغة “آل فرعون” ، وستجد أن أصله “مسو” ومعناها “وليد” . وسيأتي.

    من ذلك أيضا اسم مريم أم عيسى عليهما السلام. تجدها في أصول الأناجيل اليونانية مرسومة MARIAM بفتح الميم والياء ( أي بنفس نطقها في القرآن ). كما تجدها أيضا في تلك الأناجيل اليونانية مرسومة أحيانا MARIA “ماريا” محذوفة الميم في آخرها، علي غير علة من “الإعراب” في اللغة اليونانية . ولكن أحدا لم يتوقف ليتساءل لماذا فتح كتبة الأناجيل اليونانية “ميم” مريم ولم يكسروها كما في “مريام” أخت موسى عليه السلام، بل أجمعوا علي أن مريم أم عيسى عليهما السلام سمية “مريام” أخت موسى (مكسورة الميم) التي يفسرونها في العبرية من “التمري”، “الامتراء” . بل ذهب أدعياء الاستشراق إلي أن القرآن، بقوله في سورة مريم: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} (27-28) سورة مريم، يخلط بين مريم أم عيسى ومريام أخت موسى وهارون ، بدلالة تقريعهم إياها في القرآن بعبارة” يا أخت هارون؛”، أي ما كان يليق بك هذا وأنت من أنت ، أخت هارون؛ وسيأتي تفنيد هذا في موضعه إن شاء الله عند تحليل اسم مريم عليها السلام. ولكن أحدا لم يلتفت إلي أن “الجليل” ، موطن مريم عليها السلام شمالي فلسطين، لم يكن عصر المسيح وقبله بثلاثة قرون علي الأقل يتكلم العبرية، بل كانت اللغة الفاشية علي ألسنة الناس هي “الآرامية “، بعد أن تورات عبرية التوراة في فلسطين منذ القرن الخامس قبل الميلاد، فلا تسمع إلا من حبر أو “رباني” (وهي ربوني” كما تقول الأناجيل) يقرآ من التوراة فلا يفهم منه إلا أن يفسر ما يقرؤه. وقد مر بك أن إصحاحات كاملة من سفر”عزرا” (القرن الخامس قبل الميلاد) كتبت بالآرامية مباشرة. كما تقرآ في سفر “نحميا” ( معاصر عزرا) ما يلي: “وقرآوا في السفر في شريعة الله ببيان وفسروا المعني وأفهموهم القراءة” ( نحميا 8/8). وبهذه الارامية نفسها كان كلام المسيح عليه السلام مع عشريته وحوارييه.

    ولابد أن تتوقع لهذه الآرامية تأثيرا في نطق الأسماء الأعلام، بل وفي صياغة الأسماء الأعلام، علي الأقل بالنسبة لأعلام المسيحية الورادة في الأناجيل ، فلا تستبعد أن “تبتكر” في بني إسرائيل عصر غلبة الآرامية علي ألسنة الناس، أعلام آرامية التركيب والصياغة يستشكل تفسيرها بالعبرية ، ولا يفهم معناها إلا أن ترد إلي الآرامية التي اشتقت منها . من ذلك اسم “مريم” بفتح الميم البادئة لا يصح أن تكون الأناجيل اليونانية في رسمها مفتوحة الميم، والإنصاف يقتضي منك – وتوجب نزاهة البحث عليك- ألا تبادر إلي تخطئة كتبة الأناجيل في “تهجئة “الأسماء الأعلام خاصة، قبل أن تلتمس لهم العلة، فقد كانوا- ومنهم خلصاء المسيح وحواريوه- ينطقون تلك الأعلام علي الوجه الذي به كتبت ، لاسيما والخط اليوناني لا يحتاج إلي الشكل والنقط، بل تكتب “مريم” مثلا: ما- ري – ام MARIAM، لا شبهة في فتح ميمها البادئة. فهي إذن غير “مريام” العبرية ، أخت موسى وهارون ، من المراء والمرية، ولا يجوز أيضا افتراض جواز كسر الميم وفتحها في “مريام” العبرية ، لأن هذا غير جائز في نحو تلك اللغة. ولا يصح افتراض أنهم “لحنوا” في نطق “مريام” العبرية بتأثير “آرامي” لأن الآرامية لا تفتح مكسورا في العبرية، وإلا لفتحوا ياء “يشوع” اسم المسيح عليه السلام، وهو اسم عبري خالص، تسمي به قبله في بني إسرائيل أعداد لا تحصي . وإنما الذي يصح منك هو افتراض آرامية اسم مريم أم عيسى عليهما السلام، لا شأن لك بمريام أخت موسى وهارون.

    ونحن في هذا البحث نفترض آرامية اسم مريم أم عيسى عليهما السلام، مفتوح الميم، لأنه لا يصح لدينا وجه في تفسير معناه إلا بافتراض آراميته. وهو عندنا اسم مزجي، مركب من عنصرين آراميين: “ماري + أما “، سهلت همزته، ثم رخم ، فأصبح “ماري+ م “، أي “مريم” (قارن “فاطمة” العربية التي ترخم “فاطم” ) . أما “ماري” فمعناها بالآرامية فهي نفسها “أمة” العربية، مؤنث العبد، فهي عليها السلام “أمة الرب” . والذي يستوقف النظر أنها عليها السلام فسرت اسمها بهذا المعني نفسه فيما يرويه علي لسانها لوقا في إنجليه، ولم يفظن إليه من قارئي هذا الإنجيل أحد : “فقالت مريم هو ذا أنا أمة الرب. ليكن لي كقولك. فمضي من عندها الملاك” (لوقا 1/38)، ولو ترجمت عبارة “أنا أمة الرب” إلي الآرامية ، لغة مريم وعشيرتها ، لجاز لك أن تقول باللسان الآرامي: أنا لـ “ماري” أما، أي أنا للرب أمة . أما القرآن فيقول : “يا مريم اقنتي لربك” ومعني القنوت في العربية كما يقول معجمك العربي هو “الإقرار بالعبودية لله“كما تقرأ في القرآن في مناسبة تسمية مريم قوله عز وجل: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } (36-37) آل عمران.

    كانت أم مريم رضي الله عنهما في الآية 35 من سورة آل عمران قد نذرت ما في بطنها للرب محرراً، أي خالصا لعبادته عز وجل، أي للخدمة في المعبد ، عابداً متحنفا، وكانت ترجوه ذكراً تهبه لله، وسألته عز وجل أن “يتقبل منها”. وتنبئك الايتان 36و37 بأن المولود جاء أنثي علي خلاف رجائها فخشيت ألا تصح نذرها بأنثى فقالت “رب إني وضعتها أنثي” ، وكأنها حين فوجئت قالت، “أمة يا رب أمة؛” ، وهي بالآرامية : “ماري؛ أما ؛” ، ولكن العالم بما وضعت” تقبلها بقبول حسن”، فهو عز وجل هكذا أراد وقدر، ليخرج منها عيسى عليه السلام، المولود لغير أب، مولوداً من عذراء لا تزن بريبة، كما قال عز وجل : { يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ} (42) سورة آل عمران.

    ******

    أما من حيث ترتيب تناولنا لتلك الأسماء الأعلام علما علما، فقد كانت أمامنا خيارات ثلاثة:
    الخيار الأول: أن نتناولها بترتيب “ألقبائي” ، أي بترتيب أوائلها علي حروف المعجم العربي، فنبدأ بإبراهيم وننتهي بيحيي عليهما السلام مراعين ذات الترتيب في أحرف الاسم التالية للحرف الأول، فيجئ بعد إبراهيم “إبليس” وبعد “إبليس” آدم، وبعد آدم “آزر” ، الخ.
    الخيار الثاني : وهو تناول الأعلام بترتيب نوعها، كان نبدأ بأعلام الذات ، ونثني بأعملا الجنس، وننتهي بأعلام الموضع.
    الخيار الثالث: وهو تناول تلك الأعلام بترتيبها التاريخي، فنبدأ بالملائكة وآدم، وننتهي بعيسى بن مريم، صلوات الله وسلامه علي ملائكته ورسله وأنبيائه ، غير مفرقين بين علم الذات وعلم الجنس وعلم الموضع، بل يجئ كل في إطاره، فتجئ مثلا التوراة ومصر مع موسى، ويجئ هود مع عاد، وثمود مع صالح، وشعيب مع مدين والجودي مع نوح، والإنجيل مع المسيح بن مريم.

    وقد آثرنا في هذا الكتاب الأخذ بالخيار الثالث الذي يتناول الأسماء الأعلام بترتيبها التاريخي، لأن الخيار الأول- الألفبائي- وإن كان ييسر رجوع القارئ إلي الاسم العلم بترتيبه “المفهرس” ، يعيبه أن ترتيب الأسماء الأعلام ترتيبا أصم علي حروف المعجم يقتطعها من إطارها الجغرافي- التاريخي- اللغوي، فتجئ توراة موسى العبرانية بعد إنجيل عيسى الآرامي اليوناني، ويجئ عيسى آخر أنبياء بني اسرائيل قبل نوح خليفة آدم، بل وقبل أمه مريم رضي الله عنها. أما الخيار الثاني الذي يفصل بين علم الذات وعلم الجنس وعلم الموضع، فيعيبه أنه يقطع مثلا ما بين الإنجيل وصاحبه، وبين مدين ورسولهم ، وبين فرعون ومصر.

    أما الخيار الثالث، الذي يحترم وحدة الأرض والتاريخ واللغة، ويراعي التسلسل التاريخي للأسماء الأعلام، فهو في رأينا أفضل الخيارات الثلاثة جميعا، لأنه يضع الاسم العلم علي أرضه، وبين معاصريه ، حياً مشخصا، يفسر بعضه بعضا كما سيأتي تفسير أعلام الجنس وأعلام الموضع في سياقها المناسب، أي في سياق تفسير أعلام الذوات المتصلة بها.



    ... يتبع

    مرسلة بواسطة أستاذ/ ولاء الشاذلي في 7:26 م 0 التعليقات
    رسائل أقدم
    الاشتراك في: الرسائل (Atom)










































    /////////
    السبت، 5 مايو، 2007
    جبريل ومالك وميكال
    السلام عليكم

    نبدأ اليوم عرض الأسماء الأعجمية الواردة في القرآن ونستهل البداية بملائكة الله عز وجل رضوان الله عليهم... ونتابع الرحلة مع مؤلف كتاب "من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن" لنرى كيف يقوم بتأصيل الأسماء واستنباط معانيها الخفية....

    مع تحياتي



    من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن
    العلم الأعجمي في القرآن مفسراً القرآن
    المؤلف/رؤوف أبو سعدة
    ******

    جبريل ومالك وميكال
    ****

    (1)
    جبريل

    "جبريل" علم أعجمي بلا خلاف: إنه تعريب "جبريئيل" العبرية. وهو اسم "مزجي"، مركب من شقين عبريين: جبري+ إيل.
    أما الشق الأول ، جبري ، فأصلها "جبر" زيد بياء علامة على الإضافة إلي ما بعده، وتحولت حركة حرفيه الأولين - بسبب الإضافة أيضا- من كسرتين متتابعتين (جبر) ، إلي فتح فسكون (جبر).
    أما معناها في العبرية فهي اسم صفة على الفاعلية من الجذر العبري "جبر" بمعنى "قوي" و"اشتد"، فهو الشديد القوي. وهذا هو أصل معنى مادة جبر في لغتنا العربية: جمد في العبرية على أصله، وفرعت منه العربية معاني تدور، إن تمعنت، على هذا الأصل نفسه، من مثل "جبر عظماً"، "جبر خاطراً" ، "جبر ناقصا" (وهذا أصل معنى علم الجبر)، ومنها أيضا "أجبره" أي قهره وغلبه وألزمه، أي كان عليه مكينا متمكنا، "تجبر عليه" أي كان عليه "جبارا". " جبر" العبرية إذن من الشدة والقوة . لهذا تستخدم العبرية الاسم "جبر" بمعنى "رجل" ، والمقصود منه تمام الرجولة ، أي الفحولة، فتجئ "جبر" بمعنى الزوج والبعل، كما تجئ بمعنى السيد الشجاع (وهي نفسها "جبار" العربية)، وتجئ أيضا بمعنى الجندي الشديد المراس في الحرب، أو البطل. وهذا كله لا يخرج باللفظ عن اصل معناه: القوة والشدة والجبروت ("جبورا" العبرية) . ويلاحظ أن الآرامية والعبرية في هذا كله - أو معظمه - سواء.

    أما الشق الثاني من "جبريئيل" العبرية- الآرامية فهو "إيل" اسم الله عز وجل.
    معنى "جبريئيل" إذن في العبرية- الآرامية هو "جبار الله" أي ملك الله الشديد القوي.
    ولا عليك ممن يترجمون" جبريئيل" العبرية إلي الانجليزية man of God (رجل الله) ، أو soldier of God (جندي الله) ، فهؤلاء لا يتعمقون أصل المادة في اللغات السامية: الملائكة كلهم "رجال" الله وجنده، والعلمية لقب للمنعوت يميزه بصفة فيه. الصحيح أن تترجم "جبريئيل" إلي الانجليزية مثلا هكذا: of God The one mighty أي "جبار الله".

    وهذا هو نعت " جبريل" عليه السلام في القرآن: الشديد القوي ذو المرة.

    *****

    أما مفسرو القرآن ، الذين تصدوا لتفسير اسم "جبريل"، فمنهم الماوردي (راجع تفسير القرطبي للآية 97 من سورة البقرة)، الذي وهم أن "جبريل" تعني عبد الله ، ينسبه إلي عبد الله بن عباس، وهذا لا يصح أيا كان القائل والناقل، ناهيك بحبر في رتبة ابن عباس، لأن الافتعال واضح والخطأ بين: لا مجال لاشتقاق معنى " العبد" من " جبر" العربية وما كان هذا ليفوت ابن عباس أو غير ابن عباس. أما أن "جبر" العبرية- الآرامية معناها " العبد" فلا يقول هذا إلا جاهل بهاتين اللغتين، أو عابث يخبط خبط عشواء، آمنا ألا يرد عليه أحد.

    إن صحت الرواية عن ابن عباس أو غيره من أهل التفسير، فربما دسها عليه قوم من يهود لغوا في القرآن ونقل عنهم المفسرون دون تثبت. أو من يهود أبغضوا جبريل لمجرد تنزله بالقرآن على محمد صلي الله عليه وسلم، فوصمهم القرآن بالكفر (راجع الآيتين 97و98 من سورة البقرة) : ظنوا أنهم ينالون من جبريل عليه السلام حين يفسرون اسمه للمسلمين بمعنى العبد، ولم يفطنوا إلي أن العبودية لله عز وجل ليست فحسب شرفا لا يعدله شرف، وإنما هي تقرير لواقع الحال: الخلق كلهم عبيد الله، شريفهم ووضيعهم، مؤمنهم وكافرهم، وإن بطر وجحد.

    على أن القرآن لم ينتظر من يفسرون له معنى اسم "جبريل" ، بل سبق فنص على معناه بالمرادف في أكثر من موضع كما ستري.

    ****

    ورد اسم "جبريل" في القرآن ثلاث مرات فقط:
    {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ} (97) سورة البقرة
    {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} (98) سورة البقرة
    {وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} (4) سورة التحريم.

    وليس في أي منها كما تري تفسير لمعنى "جبريل".

    ولكن اسم "جبريل المحذوف لدلالة السياق عليه في سورتي "النجم" و"التكوير" يظهر بمرادفه الدال على معناه في قوله عز وجل : {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى* فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} (10:1) سورة النجم.

    وأيضا قوله تبارك وتعالي: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ*وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ } (23:19) سورة التكوير.

    أما " صاحبكم" في السورتين فهو محمد صلي الله عليه وسلم بلا خلاف، والذي"علمه"، أي تنزل عليه بالوحي، هو "جبريل" بلا خلاف أيضا: إنه الذي دنا فتدلي، فأوحي إلي محمد ما أوحي الله لجبريل أن يوحيه إلي عبده ورسوله محمد صلي الله عليه وسلم.

    وليس أبلغ من تفسير معنى "جبريل" بأنه ذو قوة عند ذي العرش ، فهي نفسها "جبار الله" أي الجبار عند الله بتمكين الله إياه، الممكن فيما يكلف به من أمر الله، تستجيب له قوى الكون بأمر الله، وتطيعه الملائكة في أمر الله، لأنه الأمين على أمر الله، ولكنك لا تفطن إلي هذا التفسير لأن السياق يوجبه، ولا تلمح "مقصوداُ" آخر من ورائه لأن عبارة "ذي قوة عند ذي العرش" ، على متانتها، سلسة، والكلام في موضعه، غير مقحم، بل هو وصف مطابق لمن هو "شديد القوي ذو مرة" - المرة، بكسر الميم وتشديد الراء يعني" القوة" - وهو الذي استوى بالأفق الأعلى، وما أدارك ما الأفق الأعلى، وهو مع ذلك يدنو ويتدلى ، فيكون من محمد صلي الله عليه وسلم في مكة قاب قوسين أو أدني: إنه جبريل الذي رآه الصادق المصدوق في شعاب مكة يملأ الأفق بعدما جاءه بالوحي الأول في صورة إنسان، ورآه الصادق المصدوق ليلة الإسراء نزلة أخرى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} (17:13) سورة النجم.
    هذا التمكين من الله عز وجل لجبريل تمكين يهولك ، ويملأ عليك أقطار نفسك، فتذهل عما سواه ، بل تهاب مجرد التفكير فيه، فتخشع النفس، ويخشع العقل، وتخشع المدارك.

    ولإعجاز القرآن وجه آخر في تعريبه "جبريئيل" العبرية على "جبريل"، حين تنطقها بفتح الجيم- جبريل- وقد صحت بها قراءات: أنت تعلم من معجمك العربي أن "جبر" العربية وصف بالمصدر من "جبر" ، والوصف بالمصدر يفيد بذاته المبالغة التي في "جبار"، وتعلم من معجمك العربي أن العرب تكلموا بـ "إيل" العبرية (وتكتب أيضا " إل") علماً على الله عز وجل، كما تجد في قول الصديق رضي الله عنه حين أسمع قول مسيلمة الكذاب: هذا كلام لم يخرج من إل؛ أي ليس مصدره الله تبارك وتعالي.

    (يفسر المعجم العربي لفظ الجلالة" الله" بأن أصله "الاله" ، حذفت همزته، وأدغمت لاماه. ولي تفسير آخر أرجو أن أكون مصيبا: إنه " أل" (أداة التعريف) دخلت على ضمير المفرد المذكر الغائب "هو" ، أي "الـ + هو" ، أي هو هو ، وقد صحت "الـ" عند علماء العربية بمعنى الذي. وهذا على الراجح عندي هو أصل "إل"، "إيل" العبرية، وهو نفسه معنى" يهوا" العبرية، أي الذي هو هو، أخذت من قوله عز وجل لموسى في التوراة "إهيه أشر إهيه" (الهاء فيها خاملة للوقف)، أي أنا الذي هو أنا؛ (قارن قوله عز وجل في القرآن: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ} (14) سورة طـه، فهو الذي هو ، جل جلاله، يكني بها الخلق عنه مهابة وتعظيما، والله باسمه الأعظم أعلم.)

    ومن هنا تدرك أن جبريل (جبر+ايل) تعني بذاتها ، عربيا، على المضاف والمضاف إليه، "جبرالله"، أي جبار الله (على ما مر بك من معنى " جبر" العربية كاسم صفة)، ولكنها مزجت، أي صارت اسما مزجيا، اتخذ وزنا نادرا في العربية هو "فعليل" (مثل عتريس) ، فكسرت جيمه. ومن ثم تكون " جبريل" ممنوعة من الصرف في كل القرآن للمزجية قبل العجمة، شأن حضرموت وأمثالها (حضرموت اسم مزجي أصله بالظاء، والمعنى "حظيرة الموت" أو "ساحة الموت" . وهو في العبرية بالصاد "حصرموت" بنفس المعنى).

    فسر القرآن "جبريل" بالمرادف، كما فسرها بالتعريب. ولم يفطن إلي هذا أو ذاك من تصدوا لتفسير معنى هذا الاسم من مفسري القرآن... سلام الله على جبريل الروح الأمين، وصلوات الله وسلامه على جميع ملائكته ورسله وأنبيائه.

    *******

    ولا يكتمل الحديث عن جبريل الأمين إلا بالحديث عن "الروح" وقد ورد لفظ "الروح" بفتح الراء في القرآن ثلاث مرات، وورد لفظ "الروح" بضم الراء في القرآن عشرين مرة. وليست هذه كتلك، وإن اشتق اللفظان كلاهما من مادة لغوية واحدة، تدور معانيها على الحركة والخفة والانتشار.

    أما "الروح" مفتوح الراء، فمن الراحة والترويح، أي الفرج وذهاب الهم والغم، وقد وردت في القرآن مرتين مضافة إلي الله عزوجل في قول يعقوب لبنيه: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} (87) سورة يوسف، وفسرت في الموضعين بمعني "فرج الله" وقيل بل "رحمة الله"، وليس للرحمة هنا مكان من أصل معنى اللفظ في اللغة، ولكنه تفسير بمجمل المعني المستفاد من السياق العام للآية، وقد درج على هذا كثير من المفسرين، فأقحموا على معاني المادة اللغوية في المعجم العربي "مجازات" لا داعي لها : لا شك أن فرج الله رحمة منه عز وجل، ولكنك هنا تفسر الشئ لا بماهيته وإنما بالدافع إليه. وهذا لا يصح في اللغة، إلا أن يقال لك إنه تأويل ارتآه بعض المفسرين لا أصل له من ذات مادة اللفظ، أرادوا به تقريب المعني للقارئ، وغيره كثير.

    أما المرة الثالثة التي وردت فيها كلمة "الروح" مفتوحة الراء ، فهي في سورة الواقعة: {فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ} (89:88) سورة الواقعة، وهي على أصلها بمعني الراحة والاسترواح، وإن تأولها بعض المفسرين على معنى النعمة والنعيم.

    وليست كذلك "الروح" مضمومة الراء، وهي التي تعنينا هنا. "الروح" بضم الراء معناها النفس، أو ما تكون به حياة النفس. والنفس من النفس. هكذا هي في كل اللغات (قارن Psyche اليونانية وأيضا Spiritus و Anima اللاتينيتين وما اشتق منهما في اللغات الأوربية الحديثة)، لأن الروح من "الريح" أي الهواء إذا تحرك.

    أما لماذا جاءت "النفس" من النفس، واشتقت "الروح" من الريح، فلأن الناس منذ أن وجدوا أدركوا أن النفس والتنفس هما علامة بدء الحياة في الحي يوم ولد، وأن انقطاعهما علامة موته حين يموت. فاستنبطوا من هذا أن الحياة هي تلك النسمة التي بها قوام الجسد، إن دخلته حيا، وإن فارقته عاد كأن لم يكن. ولكنها خفيت ودقت كما تخفي النسمة وتدق، يحس أثرها ، ولا يري شخصها. وهي تدخل أنف المولود رغم أنفه لحظة يولد، وتخرج منه رغم أنفه حين يموت، لا يملك استبقاءها، ولا يملك استرجاعها. فمن أين جاءت ، وإلي أين تذهب؟ أما الجسد الذي خلفته وراءها فقد عرفوه: رأوه يفسد بذهابها ، ثم ينحل ترابا وكأنه من التراب جبل. أما هي، فإلي أين صعدت؟ أمن العلاء جاءت وإلي العلاء تؤوب؟ فمم هي؟ بل ما هي ؟ قد كانت في الجسم هي صاحبة الأمر والفعل، وفارقته فلا حس ثم ولا كيان ولا شأن. أتكون هي عين وجوده؟ أتكون هي هو؟ بل هي ذاته، اتخذته رداء تلبست به زمنا، ثم انسلت منه!

    وللروح في القرآن معنى آخر. فأنت تعلم مثلا أن الملك المنزل بالقرآن على محمد صلي الله عليه وسلم هو جبريل عليه السلام: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ} (97) سورة البقرة، كما تقرأ في مصحفك قوله تبارك وتعالي : {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ} (102) سورة النحل، فتستدل من هذا على أن "روح القدس" هو جبريل بلا خلاف. وتقرأ في مصحفك أيضا قوله عز وجل : {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} (193) سورة الشعراء ، فتعلم أن جبريل هو " الروح الأمين" ، أي أنه روح أو هو الروح . وهو أيضا رسول الله إلي مريم : {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} (17) سورة مريم، النافخ في التي تبتلت لله عز وجل : {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا } (12) سورة التحريم.
    وهو أيضا روح القدس الذي أيد الله به عيسي: {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} (253) سورة البقرة.

    كرم الله جبريل عليه السلام بالإضافة إليه جل وعلا، كما رأيت في قوله عز وجل : {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا} (17) سورة مريم، وكرمه أيضا بإفراده بالذكر مع الملائكة : {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} (4) سورة المعارج، {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا} (38) سورة النبأ، {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ٍ} (4) سورة القدر.

    ولا يصح أن تقول في جبريل عليه السلام إنه "روح الله" ، لأن في هذا شبهة الإلحاق بالذات، وذات الله عز وجل أعظم وأجل من أن يخوض فيها بالقول ذو علم، وإنما تقولها كما قال القرآن مضافة إلي ضمير منه عز وجل، على التبعية والملك ، وأو تقول كما قال القرآن "روح من أمره" أو "روح منه".

    ليست الروح إذن – في كل القرآن – هي تلك الذات المتلبسة بالجسد، فهو لا يستعمل في معنى تلك الذات إلا لفظ "النفس" ، كما تجد في قوله عز وجل: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} (7) سورة الشمس، {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا} (19) سورة الإنفطار ، {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ} (42) سورة الزمر، {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ} (93) سورة الأنعام، {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} (7) سورة التكوير، {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي} (30:27) سورة الفجر، فتقطع بأن النفس غير الجسد بدليل خطابها على حدة بعد خروجها منه، وتوقن أنها باقية بعد فنائه، لأنها تؤمر بالدخول فيه يوم النشور.

    وليست الروح أيضا هي القرآن، كما فسر بعض المفسرين قوله عز وجل: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا} (52) سورة الشورى، لأن الروح ها هنا هو جبريل، وأوحينا إليك يعني أرسلنا إليك، تنسيقا على قوله عز وجل في الآية السابقة مباشرة: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ على حَكِيمٌ * وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} (52) سورة الشورى، والرسول هنا هو الملك بلا خلاف. ولكن هؤلاء المفسرين يتوسعون كما مر بك، فيأخذ عنهم أصحاب المعاجم، ويقحمون على المعجم العربي أن "الروح" مضموم الراء من معانيه "القرآن"، كما أقحموا عليه من قبل أن "الروح" مفتوح الراء من بعض معانيه "الرحمة".

    أما قوله عز وجل : {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً} (171) سورة النساء، فتفهم منه أن عيسي عليه السلام كلمة من الله عز وجل، أي كان بكلمة منه: قال له كن؛ فكان، شأن الخلق أجمع. وأنه عليه السلام روح منه أي نفخة منه عز وجل، كنفخته في آدم أبي البشر، لآ أب لآدم ولا أم، والنفخة في اللغة والنفثة والنفس أيضا واحد، ومن هنا جاءت تسمية النفس روحا، لأنها كانت به.

    أفكان النافخ جبريل عليه السلام بأمر منه عز وجل؟ قد تستظهر هذا من قوله تبارك وتعالي على لسان جبريل:
    {قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} (19) سورة مريم، وأسند فعل "النفخ" إلي الله عز وجل "فنفخنا فيه من روحنا" ، لأنه تبارك وتعالي هو الآمر به، لا حول ولا فعل إلا بأمره، أي هي نفخة من الملك بأمر من مالك الملك.

    وتستطيع أن تنسق على هذا قوله عز وجل: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ * فإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} (72:71) سورة ص، فتفهم أن جبريل روح من الله عز وجل، وأن النفخة في آدم كانت به. كما كانت في عيسي عليه السلام، شأن الخلق أجمع. وربما قلت إن جبريل عليه السلام هو الملك الموكل بنفث الحياة في الأحياء بأمر الله عز وجل، كما قيل أن ميكال عليه السلام هو الملك الموكل بقبضها. هذا يفسر لك فتنة النصارى بجبريل عليه السلام، الذي أيد الله به عيسى حين صنع من الطين كهيئة الطير ونفخ فيه فصار طيرا بإذن الله، كما أيده في إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الميت. ويروي بعض المفسرين أن جبريل عليه السلام ما وطئ ترابا إلا صارت فيه نسمة من حياة.

    وهذا يفسر لك فتنة " السامري" بجبريل: بصر بما كان من أثره ، فقبض قبضة منه، ونبذها في مصهر الذهب الذي صنع منه العجل، صنماً ليس له من الحياة نصيب إلا هذا الخوار الذي كان فيه من أثر جبريل.

    وإذا كان القرآن قد خص جبريل عليه السلام تنصيصا باسم هو "روح القدس"، "الروح الأمين" ، وبعبارة "روحنا" في قوله عز وجل "فأرسلنا إليها روحنا" ، والمعني بها جبريل بلا خلاف فلك أن تقول إن "الروح" مضمومة الراء في القرآن معناها الملك، أو ملك رفيع الرتبة في ملائكة الله عز وجل، ولا يعلم جنود ربك إلا هو، لا تستطيع أن تخص بها جبريل وحده، فالله بغيبه أعلم. وربما جاز لك أن تقول إن "الروح" مضمومة الراء في القرآن هي تسمية على المصدر من " راح" بمعنى "ذهب"، أي الذاهب في أمر الله ، فهي بمعني الرسول، تماما كما تعني لفظة "الملك".

    ولكنك لا تخوض في غيب الله ، فأنت مكفوف عن استقصاء ماهية " الروح" بمقتضي قوله عز وجل : {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} (85) سورة الإسراء. سواء أكانت الروح المعنية هنا هي جبريل كما قال بعض المفسرين ، أو هي النفس المتلبسة بالجسد كما قال أكثرهم، فأنت منهي عن الخوض في هذا أو ذاك ، محجوب عنك في هذه الدنيا حقيقة هذا أو ذاك. ومن إعجاز الله في خلقه - إن كانت " النفس" هي المعنية في الآية - أن السائل يتساءل عن نفسه، لا يدري ما هي ، وهي ذاته، فما بالك بالخائضين في "عالم الروح" : لن تعلم النفس حقيقة ما هي، حتى تغادر هذا الجسد، في يوم جد قريب، طال الأجل أم قصر. فسح الله لك في عمرك بالخير، فلا تتعجل.


    (2)
    مالك

    مالك صلوات الله عليه وعلى ملائكته أجمعين، ملك كريم، شرفه الله عز وجل بتسميته في القرآن ، على غير سابقة في التوراة والإنجيل: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} (78:74) سورة الزخرف، فتستدل من هذا على أن " مالكا" رضي الله عنه وأرضاه هو خازن النار. أي الملك الموكل بعذاب من حق عليه العذاب، وتستدل من قوله رضي الله عنه "لقد جئناكم بالحق" إن أسندته إليه كما هو السياق، على أنه يتحدث باسم الملائكة جميعا، فهو ملك مقرب رفيع الرتبة في ملائكة الله عز وجل. وقد مر بك أن ملائكة الرحمة وملائكة العذاب في رضوان الله سواء، وفي القرب منه عز وجل سواء، لا فرق بين المنفذين وعده والمنفذين وعيده.

    *****

    ولفظ " مالك" علم عربي مقطوع بعربيته بلا خلاف ، لا مدخل فيه لشبهة عجمة. ومن ثم فهو يقع خارج نطاق مباحث هذا الكتاب.
    ولكنك تستنبط من عربية هذا الاسم أمرا خطير الدلالة: العلم غير الموحي به في التوراة والإنجيل، ولا ذكر له في كتبهم وقصصهم، يجئ في القرآن على أصله عربيا، على خلاف الأعلام التي ثبتت لها العلمية من قبل بغير لغة القرآن، فيعربها القرآن.

    وربما استنبطت من هذا أيضا - مستدلا بقوله عز وجل: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} (77) سورة الزخرف - أن ثبوت العلمية على النداء من أهل النار لمالك باسم عربي - وأهل النار أمم شتي يتفاوتون لغات وأجناسا- يعني أن لسان الخلق أجمع سيرتد في الآخرة عربيا. وهو نفس ما تستنبطه من قيل الملائكة: {سَلَامًا سَلَامًا} (26) سورة الواقعة ، لأهل الجنة عربا وغير عرب، فتفهم أن لسان أهل الجنة عربي!


    (3)
    ميكــال

    ميكال عليه السلام ملك مقرب، رفيع الرتبة في ملائكة الله عز وجل، أفرده الحق تبارك وتعالي بالذكر على التعظيم قريناً عليهما السلام في قوله عز من قائل : {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} (98) سورة البقرة. ولم ترد "ميكال" في كل القرآن إلا مرة واحدة، وفي هذا الآية فحسب.

    و "ميكال" تعريب" ميكائيل" العبرية ، تكتب بالكاف في العبرية ، وتنطق بالخاء (ميخائيل) لاعتلال ما قبلها ، على ما مر بك من قواعد النطق في تلك اللغة. أما علماء العبرية، وعلماء التوراة أيضا ، فهم يفسرون " ميكائيل" بأنها اسم مزجي ، يتكون من ثلاثة أجزاء : مي - كا- إيل ( أي من - كـ - الله)، وليست هي عندهم على التقرير، بل على الاستفهام، أو إن شئت، على التعجب: " من كالله!"، لأن "مي" العبرية (والآرامية أيضا) لا تصلح إلا لهذا، فلا تقع اسما موصولا بمعنى "الذي" كما يحدث في "من" العربية.

    ونحن لا نحيل على العبرية والآرامية اشتقاق الأسماء الأعلام من صيغ الاستفهام أو التعجب، فقد وقع هذا بالفعل لعبرية التوراة في تسمية "رئوبن" (رأوبين في الترجمات العربية لسفر التكوين) ابن يعقوب البكر من زوجته " ليئة" التي صاحت فرحا حين وضعت بكرها ذكرا: رئو بن... (أي انظروا... ابن " ذكر") فسمي به رئو بن. فلا يبعد أن يقع هذا في تسمية ميكال عليه السلام من كالله؟؛ أي "ميكائيل".
    بل قد فعلناه نحن أيضا كما مر بك في اشتقاقنا اسم" مريم" عليها السلام من قول والدتها حين فوجئت بها أنثي: ماري-أما "أمة يارب أمة".

    ربما قلت إن "مي" العبرية كانت قبل عصر التوراة ( وميكائيل بالطبع أقدم ظهوراً لأنبياء الله ورسله من نزول التوراة على موسى) تصلح لكل ما تصلح له "من" العربية، فتجئ على الاستفهام أو التعجب، كما تجئ على الاسم الموصول بمعنى الذي، فيكون معنى "ميكائيل" الذي هو كالله، على التقرير، أي ممثل الله عز وجل، المفوض منه تبارك وتعالي. وهذا نفسه غاية ما يستفاد من قولها على الاستفهام أو التعجب: من كالله؟!.

    وتستطيع أن تقول أيضا -وأنت هنا إلي الصواب أقرب- إن الألف في الخط العبري، على خلاف الحال في الخط العربي، تكتب دائما غير مهموزة ، وإنما هي تهمز نطقاً فحسب إن وقعت في أول الكلمة أو وقعت في وسطها مشكولة بإحدي حركات الفتح والكسر والضم والسكون، وتسهل فيما عدا ذلك فتنطق ألفاً لينة، أي مفتوحة ممدودة غير مهموزة. وتقول أيضا إن الشكل والنقط في النص العبراني لأسفار التوراة التي بين يديك، ليست لهما حجية الشئ الموحي به، وإنما هما كما مر بك من صنع طائفة غلبوا على أمرهم من أهل الأثر ما بين القرن الثاني والقرن العاشر للميلاد في ظل المسيحية ثم في ظل القرآن، عصرا اضمحلال عبرية التوراة وتراجعها على الألسنة والأقلام، لم يخل عملهم مع ذلك من نقد، وأنه لو خلي بينك وبين حروف ميكائيل بالخط العبري في التوراة دون شكل أو نقط (م-ي-ك-ا-ل) لجاز لك أن تنطقها "ميكال" كما نطقها القرآن، وتكون "ميكال" لا اسما مزجيا مؤلفا من ثلاثة أجزاء (من كالله؟!)، بل اسم وحيد الجذر، على زنة "مفعال" من الجذر العبري "يكل"، وصفا بالمصدر على المبالغة، وهو جذر عبري مكافئ لـ "وكل" العربي في أصل معناه: أوكلت إليه الأمر، ووكلته إليه ، فهو موكل ووكيل، بمعنى فوضته فيه ، أصلها أمكنته منه، واقدرته عليه، فأصبح عليه قديرا. هذا هو أصل المعنى الرئيسي للجذر العربي "وكل" - لازما غير متعد - بمعنى القدرة، وبه يكون التفسير الجيد لقوله عز وجل: { وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} (12) سورة هود، أي قدير مقتدر. لم تستبق العربية "وكل" - لازما غير متعد- بمعنى قدر وتمكن، ولكن هذا وحده هو المعنى الباقي في الجذر العبري " يكل" - لازما متعديا باللام- بمعنى قدر عليه وتمكن منه. فيكون معنى" ميكال" - عبرياً- الوكيل الموكل المفوض، بمعنى القدير الممكن.
    وهذا هو نفسه معنى " ميكال" - عربيا- وإن لم تسمع من العرب، إن اشتققته على " مفعال" من " وكل" لازما غير متعد، بمعنى الوكيل، الذي يفيد القادر المقتدر ، أو الموكل المفوض. وهكذا هو ميكال صلوات الله عليه وعلي من عنده عز وجل من الملائكة المقربين.

    ******

    أما مفسروا القرآن الذين تصدوا لتفسير اسم " ميكائيل" ، فأنت تذكر ما رواه الماوردي في تفسير اسم "جبريل" منسوبا إلي عبد الله بن عباس (راجع تفسير القرطبي للآيتين 97و 98 من سورة البقرة) ، وقد زاد فيه أن "ميكائيل" معناها في العبرية - الآرامية "عبيد الله" ، كما قال من قبل إن "جبريل" معناها في هاتين اللغتين "عبد الله" ، يريد أن " ميكال" هي تصغير "جبر" ، أي تصغير"عبد"، فهو "عبيد" ، فلا تدري كيف استجاز أن تجئ تصغيرا لــ"جبر" وهي من غير مادتها، بل لا وجود لــ"ميكا" هذه في العبرية - الآرامية أصلا ، ولا تدري - إن صحت الرواية - كيف استجاز الراوي لنفسه - دون سند من حديث صحيح - الخوض في لغات لا يعرف من أمرها شيئا. إن أحسنت الظن بالراوي فربما تعللت له- كما تعللت له في "جبريل" - بأنها دست عليه من أهل كتاب تحسن بهم الظن أيضا فتقول إنهم لا يعلمون الكتاب إلا أماني.
    ولكنك لا تعذر الراوي: كان عليه أن يتثبت قبل أن يُحمل وزرها ابن عباس.

    *******

    فسر القرآن كما تري "ميكائيل" بالتعريب وحده، فأصاب المعنى وأصاب التعريب، وقطع أيضا بعجمة هذا الاسم فجره بالفتح في موضع الكسر: {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} معطوفاً بالواو على المجرور باللام في لله، ممنوعا من الصرف غير منون، ولا علة لها إلا العجمة.

    ومن إعجاز القرآن أنه يصحح لأهل العبرية نطق "ميكائيل" ، ويصحح لهم أيضا اشتقاقه: لا يجمل اشتقاق "الوكيل" على المماثلة بالله عز وجل في عبارة "مي- كا - ايل" (من هو كالله) لا على الاستفهام ، ولا على التعجب والإكبار، بل ولا على التقرير... إن جاز هذا لغة، وهو بعيد، فلا يصح البتة في أدب الحديث عن الله عز وجل.




















































    ////////
    السبت، 12 مايو، 2007
    الملأ الأعلى
    السلام عليكم

    (إبليس - جهنم – الفردوس - عدن) هل هي أسماء عربية أم أعجمية؟!... كل هذه الأسماء أتت في القرآن الكريم ممنوعة من الصرف مما أثار حيرة المفسرين وتسبب في تضارب آراءهم!
    كيف تعرضت التوراة والإنجيل لهذه الأعلام من قبل نزول القرآن؟!
    هيا بنا نتابع الرحلة مع مؤلف كتاب "من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن" لنبحث عن الحقيقة في كتاب الله عز وجل....

    مع تحياتي


    من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن
    العلم الأعجمي في القرآن مفسراً القرآن
    المؤلف/رؤوف أبو سعدة
    ******

    الملأ الأعلى
    *****

    (1)
    إبليس

    يتقدم الملائكة، والجن أيضا، في الخلق على آدم، أي كانوا قبل أن يوجد. تستدل على هذا بمثل قوله عز وجل :
    {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} (85:71)سورة ص.

    تستدل من هذا ، ومثله في القرآن كثير ، على أن الملائكة رضوان الله عليهم أسبق وجودا من آدم، لأنهم نُبئوا بخلقه من قبل أن يخلق، وأمراوا بالسجود له من قبل أن يشرع الله عز وجل في خلقه، وقبل أن يفرغ عز وجل من تسويته، وينفخ فيه من روحه.
    وتستدل منه أيضا على أن "إبليس" كان موجودا في الملأ الأعلي يوم فرغ الله عز وجل من خلق آدم، بدلالة توجه الأمر إليه بالسجود لأدم. وإبليس من الجن بمقتضي قوله عز وجل: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} (50) سورة الكهف. بل الجن أسبق وجودا من الإنس بنص قاطع في القرآن : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ} (27:26) سورة الحجر، والجان هم الجن بلا خلاف.

    وتستدل من هذا أيضا على أن اسم "جهنم" ، علماً على النار التي يعذب بها العصاة والكفرة كان معلوما لإبليس لحظة أن "فسق عن أمر ربه"، لأن الله عز وجل توعده بها هو ومن اتبعه، والوعيد لا يكون إلا بموجود معلوم، فدل هذا على أن جهنم أسبق وجودا من آدم، لأن إبليس علم أمرها قبل أن يتأبي على السجود، أي قبل النفخ في آدم.

    بل الجنة أيضا أسبق وجوداً من آدم، لأن الحكم باللعن تضمن طرد ابليس منها لحظة تأبي على السجود: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} (13) سورة الأعراف، وقوله عز وجل عقيب هذا مباشرة لآدم : {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} (19) سورة الأعراف.

    وهي نفسها الجنة التي أهبط منها آدم وزوجته بإتيانه ما نهيا عنه، استجابة لوسوسة إبليس. وهي نفسها أيضا الجنة التي وعد بها المتقون يوم توفي كل نفس ما كسبت. وما "عدن" إلا نعت لتلك الجنة على الإضافة... لا "عدن" في كل القرآن إلا ولفظ الجنة مضاف إليها، منعوتاً بها . أما "الفردوس" التي وردت مرتين فقط في كل القرآن، فهي "أوسط الجنة". وسيأتي بيان هذا في موضعه.

    *****
    ومن المفسرين من غلبت عليه اسرائيلياته فظن أن " إبليس" لم يكن من الجن (راجع في هذا ما حكاه القرطبي في تفسير الآية 34 من سورة البقرة)، وإنما كان من الملائكة (هذا هو قول أهل الكتاب في " إبليس" قبل أن يبلس)، بل كان رفيع الرتبة فيهم ، فكان قائد جند الملائكة الذين حاربوا الجن حين أفسد الجن في الأرض قبل خلق آدم، فدخله من ذلك خيلاء وعجب أهلكاه حين أمر بالسجود لمن ظن أنه خير منه. ومنهم من قال بل كان إبليس من الجن الذين حاربهم الملائكة فأسروه صغيرا وربي فيهم، حتى أسجد الله الملائكة لآدم فشمله الأمر بالسجود. وهي تعليلات لتبرير وجود إبليس في الملأ الأعلى يوم أمر الملائكة بالسجود لآدم ودخوله من ثم في جملة المأمورين بالسجود لآدم، أو لتبرير الاستثناء في قوله عز وجل: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ ..... } (74) سورة ص. وهي في رأينا افتعالات افتعلوها لحل إشكال ما كان لهم أن يفتعلوه، فقد نص القرآن على أن إبليس كان من الجن: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} (50) سورة الكهف. ولم يخبر القرآن بأن صنف الجن كانوا قبل زلة إبليس ممنوعين من دخول الجنة.

    أما القول بأن إبليس كان من الملائكة المأمورين بالسجود بدليل استثنائه بالحرف "إلا"، فليس بشئ. لأن "إلا" هاهنا يتعين فهمها بمعنى "لكن" - وهذا من فصيح العربية - أي سجد الملائكة، لكن إبليس لم يسجد. يتعين هذا لأن النص القرآني المحكم، أي الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا فقط، يحكم النص القرآني الذي يحتمل معنيين فأكثر، وليس لعبارة "كان من الجن" إلا هذا المعنى القاطع (من المفسرين من تظارف موفقا بين النصين فقال بلي كان إبليس ملكاً من طائفة رفيعة القدر من الملائكة تدعي "الجنة" وهو تظارف ممجوج).

    أما دخول إبليس في جملة المأمورين بالسجود لآدم، رغم اتجاه الأمر بالسجود للملائكة وحدهم وليس إبليس منهم، فلك أن تفسره على أحد قولين:
    الأول- الذي نرجحه- أن الأمر للملائكة بالسجود يتجه إلى كل من شهده حتى النبت والشجر، فهو سجود الطاعة والإذعان لله عز وجل، لا لآدم، وإن كان مناسبة لتشريفه، وإشعاراً بما سيكون من شأنه، فلا يجوز لكائن من كان أن يحضر سجدة لله عز وجل في غير الصلاة ولا يسجد. ولا يجوز لكائن من كان أن يشهد الملائكة سجداً ولا يخر على جبهته. وما يكون لك أن تتخيل الملائكة سجداً خشعاً وإبليس منتصب في مكانه لا يخنع. وما كانت هذه لتفوت إبليس لولا أن الحقد أطغي قلبه، وأعمى بصيريته. لم تكن هذه السجدة امتحانا للملائكة، فقد علم عز وجل أنهم لا يعصون له أمرا،ولكنها كانت امتحانا لإبليس، فكشف اللعين عن مكنونة نفسه. فأثم بها في حق الله، لا في حق آدم، وأصر عليها فلم يعتذر منها ولم يتب، بل استدرك على مولاه: {قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} (33) سورة الحجر، أي ليس لك أن تأمرني بهذا، فأنا أرفع منه، يحيل على خالقه عز وجل أن يحكم في ملكه كيفما شاء، ويؤصل حجته بما يفندها، فيقول : {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} (76) سورة ص. مقراً بأن الله خالقه، فكيف يعصيه؟

    أما على القول الثاني فهو أن إبليس أمر بالسجود لآدم أمراً مباشراً لحظة إسجاد الملائكة لآدم، لم ينص القرآن عليه اكتفاء بدلالة ما تلاه من قوله عز وجل: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} (12) سورة الأعراف. كيفما كان الأمر ، فإبليس ليس بالقطع من الملائكة رضوان الله عليهم، فهم {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} (27) سورة الأنبياء. ولم يسو القرآن بين الجن والملائكة، بل هو يضع الجن والأنس في زمرة واحدة، هي زمرة المبتلين بالطاعة والمعصية، من كليهما مؤمن وكافر، ومنهم الفاسق والبار، فريق في الجنة وفريق في السعير، مصداق هذا قوله عز وجل على لسان نفر من الجن: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} (15:14) سورة الجن، ومنه أيضا سورة الرحمن التي تخاطب الإنس والجن على سواء، وفيها : {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} (56) سورة الرحمن، أي أبكار لأصحاب الجنة من الإنس لم يطمثهن إنس فيمن طمثوا من نساء الإنس، وأبكار لأصحاب الجنة من الجن لم يطمثهن جان فيمن طمثوا من نساء الجن (وليس كما يذهب إليه أهل الخرافة والشعوذة ورواة الأساطير عن إلمام رجال من الجن بنساء من الإنس، أو العكس).
    وهذا يفسر لك بأجلي بيان قوله عز وجل : {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} (50) سورة الكهف، التي تفهم على التفسير كما تفهم على الخبر، أي أنه لو لم يكن من الجن لما فسق عن أمر ربه، ولكنه كان في زمرة المبتلين بالطاعة والمعصية، فغلبته شقوته، وأهلكته كبرياؤه، ولا يظلم ربك أحدا.

    ولكن إبليس – وقد خرب آخرته بيديه- استمهل الله عز وجل ألا يزج به من فوره في دار العذاب ريثما ينتقم لنفسه من آدم وبنيه إلى قيام الساعة، متبجحا على الله عز وجل بأن نسب إليه غوايته بآدم : {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} (17) سورة الأعراف. لم يطلب التوبة والمغفرة، بل آثر أن يزداد رجسا إلى رجسه. لم يقل فأنظرني إلى يوم يبعثون أندم و أتب، بل قال فلأضلنهم كما ضللت ، ولأغوينهم كما غويت، فنكون في النار سواء: لا أهلك أنا وينجو آدم وبنوه.

    وليست زلة إبليس بالتي تعدل زلة آدم، لأن إبليس زين المعصية لآدم، فكان لإبليس كفل منها، وشرك فيها . أما إبليس فزل بنفسه، أزلته كبرياؤه، فقصد المعصية قصدا، واستكبر بها استكبارا.
    كان زلة آدم زلة الغافل الناسي: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ} (115) سورة طـه. وكانت زلة إبليس على علم، ولا أفدح من سقطة عالم.

    علي أن الدرس المستفاد من الزلتين واحد: إنه درس الطاعة، أمرك مولاك فأطعه، لا تتمحك بطلب العلة، وكأنك مفوض في الطاعة والمعصية، أو كان الطاعة والمعصية رهن باستحسانك.

    *******

    ولا شك أن إبليس كان قبل أن " يبلس" في عداد الجن المؤمن، يعمل في طاعة الله عز وجل، بل سكن الجنة، وجاور الملائكة رضوان الله عليهم، بدليل طرده منها فور عصيانه: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} (13) سورة الأعراف، خرج منها الرجيم { مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا} (18) سورة الأعراف، لإصراره على المعصية، كما خرج منها أيضا آدم وزوجه حين استجابا لأغواء إبليس. ولكن آدم وزوجه اعترفا بذنبهما وسألا الله الرحمة والمغفرة: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (23) سورة الأعراف. طلبا التوبة فلقنهما الله عز وجل ما يسألان به التوبة: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (37) سورة البقرة. ولم يسألها إبليس، لأنه شغل بعداوته لآدم عما سواها، وإن كان فيها هلاكه هو ذات نفسه، وهذا هو الضلال المبين.

    أخرج الله آدم وزوجه من الجنة تائبين، قد أخذ عليهما العهد أن يخلصا له الدين. وما الدنيا بكل ما عليها إلا تمحيص من الله عز وجل لعباده أيهم باق على هذا العهد، مخلص له الدين. وما كان آدم الذي شهد وعاين بالذي ينخدع مرة أخري بإبليس، فيعصي الله في الأرض بعد زلته في الجنة، ولكن الاختبار لبنيه. ولأن نسل آدم لم يشهد ولم يعاين: لم يشهد إسجاد الملائكة لآدم، ولم يشهد عصيان إبليس، ولم يشهد زلة آدم، ولم يسمع إبليس يستعلن له بالعداوة إلى يوم الدين، فما كان من العدل أن يتركوا في جهالتهم، يصول فيهم إبليس ويجول. بل شاء الله عز وجل – عدلاً منه ورحمة- أن يودع فيهم دين الحق فطرة، فأشهدهم قبل الاختبار على أنفسهم: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} (172) سورة الأعراف، ووصي بها آدم حين مهبطه من الجنة ، وقد أهبط معه إبليس عدواً... {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (124:123) سورة طـه. فكان آدم عليه السلام أو الرسل والأنبياء، يقص ما كان: {يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ} (27) سورة الأعراف، وتتابعت الرسل تتري، كي لا تكون للناس على الله حجة من بعد الرسل ، ومن ضل من بعد فإنما يضل عليها، وما ربك بظلام للعبيد.

    *****

    ويري المفسرون بحق أن إبليس لم يسم " إبليس" إلا بعد أن أبلس، لأن هذا الاسم – إن اشتققته من العربية – فيه مذمة، والمذمة تكون بعد اجتراح الذنب لا قبله، ويه تكون مساوية للذنب، دالة عليه، أو صفة لصاحبه بما آل إليه، ويروي المفسرون أن إبليس قبل أن يبلس كان اسمه "عزازيل" ثم أبلس بعد، ولم يتعرض المفسرون لمعنى "عزازيل" هذه، لأنهم لا يعرفون العبرية التي يسهل اشتقاق هذا الاسم منها ، فتفهم أن الرواية من أقاصيص أهل الكتاب، تصح أو لا تصح، فالله عز وجل أعلم بغيبه. ونحن في هذا الكتاب لا يعنينا في المقام الأول اسم إبليس قبل أن يبلس، لأننا لا نتعرض إلا للأعلام المنصوص عليها في القرآن ، لا المروية في غيره. ولكن الطريف أن "عزازيل" هذه اسم عبراني مركب (عزاز+ إيل) يفسره علماء العبرية بمعنى "الذي أعزه الله"، فهو "العزيز بالله" .وهو علم وقعت التسمية به في العبرية ، ومثله "عزيئيل" (عزي+ إيل) ، أي "عزة الله" وكأن اللعين حين أقسم بعزة الله: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} (82) سورة ص، كان يوري باسمه هو ، يقسم بنفسه، لا بعزة الله عز وجل. والله بغيبه أعلم.

    والذي يجب التنصيص عليه في هذا السياق، هو النعي على أهل التفسير والسير ، وأيضا على أهل الفن والفكر والأدب، الذين تناقلوا ما دسه إبليس على أوليائه من أساطير وتهاويل لا يخلو منها "أدب الخرافة" في كل الشعوب ، تتحدث عن "أمجاد" إبليس قبل أن يبلس، تريد تفخيمه وتعظيمه وغرس المهابة منه في صدور الناس، حتي خصوه بأضوأ كوكب في السماء الدنيا، كوكب الصبح؛ أي كوكب "الزهرة"، وجعله بعضهم نداً لله ، وجعله بعضهم شهيد البطولة في محنة السجود لآدم، وأول من قال "لا".

    ليس التنكر للخالق عز وجل بطولة، لا صحيحة ولا زائفة، وإنما هو وضاعة. هذا كله فسوق وصغار: لا يجوز لمؤمن تجميل ما قبحه الله ، ولا يجوز لمؤمن إعلاء ما وضعه الله أسفل سافلين. لا يجوز لمؤمن تمجيد ما رذله الله ، ولا يجوز لمؤمن تعظيم من لعنه الله، ناهيك بموالاة عدو الله. بل لا يجوز لعاقل موالاة من أقسم ليجرنه وراءه إلى قاع جهنم.

    أيما كان الأمر، وأيما كان حال إبليس قبل أن يبلس، فقد ضرب لك الله بإبليس المثل: لا يتعظمن أحد على الله، ولا يستكبرن أحد على طاعة الله ، ولا يستنكفن أحد من الخضوع لله. قد هلك بها إبليس أول هالك، فحذار أن تزل به، فتشركه المصير الذي اختار لنفسه.
    لا يترحمن أحد على إبليس، وقد أقسم لا يرحمك, ولا يتباكين أحد على إبليس ، فلم تدمع لإبليس عين : كان إبليس عدو نفسه، قبل أن يكون عدوك.

    *******

    ليس في التوراة "إبليس"، وإنما فيها "ساطان" بمعنى العدو، وهي نفسها "شيطان" العربية، كما مر بك.
    وفي العبرية أيضا "عزازيل" اسما علما لإبليس ، ومعناها "عزيز الله"، على ما يوري من شأنه قبل أن يبلس في أقاصيص أهل الكتاب، وربما جاء الخلط عند أهل الكتاب من افتقار العبرية إلى اسم لصنف الجن، بل تسوي في الاسم بين الملائكة والجن: كلاهما فيها "روح"، "ملآخ"، أي روح، ملك.

    ليس في الأناجيل اليونانية أيضا"إبليس"، بل فيها "ساتان"Satan وهي نفسها "ساطان" العبرية على الرسم اليوناني، وترجمت في الأناجيل العربية بلفظ "شيطان"، وبلفظ "إبليس" أحيانا، لا على الترجمة، وإنما استئناسا باسمه الوارد في القرآن.

    وفي الأناجيل اليونانية اسم آخر للشيطان، وهو "ذيبليس" Diabolos (والسين فيه للرفع وتحذف في غيره) ومن هذه جاءت Diable الفرنسية و Devil الانجليزية، وأشبهاهما في اللغات الأوربية الحديثة بمعنى "الشيطان" لا أكثر ولا أقل. وقد خالفت تلك اللغات بين أصل وضع اللفظين" ساطان" و"ذيبليس"، فهي تجعل "ساطان"، اسما علما للشيطان يناظر"إبليس" في العربية، وتأخذ "ذيبليس" على أنه "اسم معني" يقبل التنكير كما يقبل الإفراد والجمع.

    أما "ذيبليس" اليونانية فليست ترجمة يونانية للفظ "ساطان" العبري (بمعنى العدو) كما قد يظن، وإنما هي على الفاعلية من اليونانية "ذيابولي"Diaboli وهو "القذف" بالمعنى القانوني أي الرجم بالباطل، فهو الرجيم بمعين الراجم، لا رجيم بمعنى مرجوم كما تجد في القرآن. وربما تعللت لهم في هذه التسمية بقولهم إن الشيطان افترى على الله الكذب، ينسبه إلى الظلم لأنه عز وجل فضل عليه آدم، فلما اعترض - وكأنه محق في هذا الاعتراض - سلبه الله عز وجل كل جماله، وأودع فيه كل قبح، أي مسخ الملك الذي كانه، على نحو ما تجد في أقاصيص أهل الكتاب وفي الأساطير التي نسجت حول إبليس. وربما أيضا لأنه أبو الباطل، أي أصل كل تجديف على الواحد الأحد جلا جلاله، من عقائد باطلة وآلهة مصنوعة، كما تجد في قوله عزوجل على لسان نفر من الجن المؤمن: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} (5:3) سورة الجن، ومن هنا تري أن "ذيبليس" اليونانية هذه ليست ترجمة للفظ "ساطان" العبري بمعنى العدو، وهي شيطان العربية، وإنما هي بالأحرى صفة لإبليس بمعين القاذف الراجم، أي الذي يفترى الباطل. وربما ظننت أن "ذيبليس" Diabolos اليونانية هذه ليست أصلا يونانية، بل عبرية - آرامية نطق به المسيح وتحرفت في الأناجيل: ربما كانت "دى- هبل"، تحرفت إلى "ذيبليس" عند من يهمسون الهاء وينطقون دالهم ذالا - اليونان كما مر بك - أما "دى" عبريا فمعناها "ذو"، وأما "هبل" عبريا فمعناها الباطل الذاهب هباء.

    ******

    ومن المستشرقين من قال بأن"إبليس" معربة في القرآن عن "ذيبليس" التي في الأناجيل، كما أخذ "شيطان" من "ساطان" العبرية. ومن مفسري القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 34 من سورة البقرة) من قال بعجمة"إبليس"، وأنها منعت من الصرف لهذا السبب وحده، ولكنهم لم يذكروا الأصل الذي عرب عنه، ولم يسموا اللغة المشتق منها.

    ومن اللغويين العرب كذلك من يرون أن "إبليس" من الأعجمي المعرب (أبرزهم "مجمع اللغة العربية"، راجع "المعجم الوسيط" الذي يضع "إبليس" في باب الهمزة)، يكتفون بذلك ولا يسمون اللغة المشتق منها. أما الكثرة من مفسري القرآن (راجع القرطبي في نفس الموضع) فهم يقولون بعربية "إبليس" يشتقونها من الإبلاس، ويعللون امتناع الصرف بالعلمية وانعدام النظير في أسماء المعاني، فشبه بالأعجمي.

    والذي يستوقف النظر، أن أشهر معاجم اللغة الانجليزية (***STER'S NEW WORLD DICTIONRY) على شغفه برد الألفاظ والأعلام الأعجمية (أعني غير الانجليزية) إلى جذورها البعيدة في شتى اللغات الحية والميتة على السواء، يتوقف في "إبليس" فيقول: اسم عربي يطلقه المسلمون على الشيطان، ولا يذكر أصله من العربية أو غيرها.

    هذا وذاك يدلانك على أن عجمة "إبليس"، أو اشتقاقها من "ذيبليس" اليونانية بالذات، مسألة فيها شك عند اللغويين الأثبات لا يقطعون فيها بيقين، لأن القول بعجمة لفظ في لغة ما يتطلب - أول ما يتطلب - التدليل على وجود أصل لهذا اللفظ في لغة بعينها استعير منها.

    والملاحظة الأولى على خطأ القول بأن"إبليس" معربة عن "ذيبليس" بحذف دالها البادئة (المنطوقة في اليونانية ذالا) وإبدال الهمزة منها، أنه قول لا يصح في حق القرآن، الذي يتنزه عن هذه الصورة "البتراء" من صور التعريب، التي لم يقع مثلها قط في "معربات" القرآن. هذا مالم يسلم أولئك المستشرقون للقرآن بالتضلع من فقه اللغة اليونانية، فيدرك أن المقطع "ذيا" Dia من مقاطع الزيادة في تلك اللغة، يجوز الاستغناء عنه. والفقيه باليونانية لا يستعصى عليه أصلا معنى لفظ "ذيبليس" في تلك اللغة - وقد مر بك معناه - فلا يستعيره ولديه من العربية في معناه ما هو أبلغ وأبين.
    أما الملاحظة الثانية فهي أن العرب لم يعرفوا"ذيبليس" اليونانية هذه قبل القرآن أو بعده، لا على أصلها ولا في صورة محرفة، وإلا لوقعت في تفاسير المفسرين وليس من شأن القرآن كما مر بك أن يتعاجم على المنزل إليهم بالأعجمي الأعجم.

    إبليس عربية. ولكنها من "العربي" المشكل.

    ووجود اللفظ المشكل في القرآن مقصود: إنه يستثيرك إلى تحري المعني، فتزداد علما، وتزداد فهما، وتزداد إيمانا. والمشكل يستوقفك للبحث والنظر، فتكون ممن قال فيهم الحق سبحانه: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} (73) سورة الفرقان.

    وقد أشكلت "إبليس" على القائلين بعجمتها وعل القائلين بعربيتها معا.

    أما الأولون فهم ذلك الفريق من المفسرين واللغويين الذين إذا استغلق عليهم لفظ في العربية سارعوا إلى افتراض عجمته، وتلمسوا له النظير في غيرها من اللغات. وقد أسرفوا في هذا أيما إسراف، بل كانوا التكأة التي توكأ عليها أدعياء الاستشراق الذين بهروا تلاميذهم، وقد ظنوا أنهم أتوا بجديد. من ذلك قولهم (راجع مقدمة تفسير القرطبي) إن "غساق" يعني اللحم البارد المنتن في لغة الترك؛ فلا تدري كيف يجتمع الحميم والغساق في قوله عز وجل: {لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا} (25:24) سورة النبأ، وقولهم إن "القسطاس" يعني الميزان بالرومية، وليس في الرومية من هذا شئ، بل "قسط" العربي، "قاشاط" العبري، أولي، وقد مر بك القول في "قسطاس". ولكن "إبليس" استعصت على هؤلاء المفسرين فلم "يهتدوا" إلى أصل لها في لغة أعجمية (مصداق هذا أن القرطبي رحمه الله، الذي جاور الأسبان في الأندلس وفهم لسانهم، يذكر في تفسير الآية 9 من سورة يس: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} (9) سورة يــس، كيف أنجته تلاوة هذه الآية من علجين من الأعاجم أرادا الانقضاض عليه فأعماهما الله عنه لم يرياه فقالا: هذ ديبله؛ وفسر القرطبي ديبله هذه ( وهي Diabloالآسبانية أي "ذيبليس" اليونانية) بأنها تعني شيطان بلسانهم، ولم يقل إبليس، لأنه لم يسمع بتعريب إبليس عن ذيبليس).

    أما الفريق الثاني القائل بعربية "إبليس" فلم يكن أمامه إلا اشتقاقها من الإبلاس. يعني أنها "إفعيل" من "أبلس" ، فهو المبلس على المبالغة. وقد ورد لفظ "الإبلاس" في القرآن خمس مرات: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ} (12) سورة الروم، {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} (44) سورة الأنعام، {حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} (77) سورة المؤمنون، {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} (75:74) سورة الزخرف، { فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ } (49:48) سورة الروم.
    وليس في هذه الآيات ما يشهد لمعنى الإبلاس إلا الشاهدان الثاني والخامس، أي وضع الإبلاس في مقابلة الفرح والاستبشار، وربما استنبطت من "إبلاس المجرمين يوم تقوم الساعة" في الشاهد الأول أن الإبلاس حال من اليأس وانقطاع الرجاء، ومن الشاهدين الثالث والرابع كذلك.

    أما المعجم العربي فيقول لك إن "أبلس" يعني سكت لحيرة أو انقطاع حجة، وليس في العربية إلا أبلس بالهمزة غير متعد، وكأنها من "بلس فأبلس" إلا أنه لم تسمع"بلس". وفي "العبرية" بلس يعني قطف، أي جمع ثمار التين خاصة. والبلس في العبرية نوع من التين.هذا وذاك يدلانك على أن المعنى الأصلي لمادة "بلس" هو القطع، وكأنه مبدل من "بلت" يعني "قطع". والانقطاع يفسر"الإبلاس" أبين تفسير في الآيات التي تلوت توا، تطبقه على الشواهد القرآنية الخمسة فيستجيب. وهو يفيد أيضا في تأصيل معني"أبلس" في المعجم العربي، وهو الإطراق تحيرا والسكوت لانقطاع الحجة. وفي العربية أيضا "بلسم" وهي "بلس" مزيدة بالميم، ومعناها أطرق وعبس وجهه، وهي من "أبلس" قريب. وكأن معنى "إبليس" المقطوع الحجة في الامتناع عن السجود لآدم، أو هو - كما ذكر القرطبي- الآيس من رحمة الله وقد فعل ما فعل.

    هذا إن اشتققت "إبليس" من الإبلاس، وليس عندي بوجيه، كما سترى. مر بك أن العلم المذكور في القرآن على غير سابقة في التوراة الإنجيل برد في القرآن على أصله عربيا، لأنه لم تثبت له العلمية من قبل بلفظ مغاير يوجب على القرآن التزامه، كما ثبتت العلمية لجبريل وميكال ونوح ولوط، الخ، على اللفظ الآرامي- العبري في صحف إبراهيم وموسى. ولم يرد ذكر للفظ إبليس في التوراة والإنجيل بنصهما المعاصر لنزول القرآن.

    وقد ثبتت العلمية لإبليس بهذا في الملأ الأعلى على النداء من الله عزوجل: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} (32) سورة الحجر، هذا قاطع في أن إبليس سمي بهذا الاسم قبل إهباط آدم من الجنة، أي على اللفظ العربي قبل أن تتفرق ألسنة البشر لهجات فلغات، شأنه شأن آدم، خلافا لجبريل وميكال اللذين لم يخاطبا في القرآن على النداء من الله عزوجل لسبق ثبوت العلمية لهما على اللفظ الآرامي - العبري في التوراة والإنجيل. أما إبليس وآدم فقد خوطبا على النداء من الله عز وجل باسميهما هذين، فهما كما قال سبحانه، لا يبدل القول لديه.

    والذي يتعين التنبيه إليه، أن تسمية إبليس بهذا الاسم في القرآن جاءت مقترنة بعصيانه، أي بامتناعه عن السجود لآدم، فور هذا الامتناع مباشرة، قبل صدور الحكم الإلهي بإدانته وانقطاع رجائه: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} (78:75) سورة ص، والذي يلعنه الله فقد انقطع رجائه. فلا يصح أن تكون"إبليس" بمعنى الآيس من رحمة الله، كما تجد في "القرطبي"، لأن إبليس لم يكن قد يئس بعد. ولا يصح أن تكون بمعنى المقطوع الحجة، فلم يكن قد أدلي بعد بحجته: "خلقتني من نار وخلقته من طين".ولا يصح أن تكون بمعنى الذي أطرق تحيرا، لا يحير جوابا، فقد استعلن إبليس بمكنونة نفسه مجترئا على إبليس. وإنما الذي يصح هو أن تكون "إبليس" بمعنى العاصي، الرافض، المتأبي، الممتنع. وليس في "الإبلاس" من هذه المعاني شئ.

    الراجح عندي، والله عز وجل بغيبه أعلم، أن "إبليس" تعني "الذي أبي"، كنية له بحال امتناعه وتأبيه، جاءت على المزجية من "أب+ليس، أي هو "أبو ليس"
    وقد وردت "إبليس" في القرآن إحدى عشرة مرة، معقبا على سبع منها بالتأبي والامتناع والرفض: { إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى} (34) سورة البقرة، { إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} (12) سورة الأعراف، { إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى}(31) سورة الحجر، {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} (33:32) سورة الحجر، { إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} (50) سورة الكهف- فسق عن الأمر يعني خرج عليه-،{ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى } (116) سورة طـه، {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} (75) سورة ص، وجاءت أيضا معقبا عليها بالاستكبار الذي يفيد الامتناع مرتين: {فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} (61) سورة الإسراء، {إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ} (74) سورة ص. أما في المرتين العاشرة (الشعراء:95) والحادية عشرة(سبأ:20) فهما فقط اللتان جاءت فيهما "إبليس" على العلمية المجردة غير معقب عليها بشئ.

    "إبليس" إذن هو "هامة العصاة"، أي "أبوهم".
    والله عز وجل بغيبه أعلم.


    (2)
    جنهم

    ليس في التوراة من أسماء النار" جهنم" ، وإنما فيها " شئول" أي الهاوية، وهي Hades اليونانية في الترجمة السبعينية للتوراة. والهاوية من أسماء النار في القرآن. وليس في المعجم العبري أصلا "جهنم" أو "جهنام" العربيتان بمعنى البئر البعيدة القعر، وهي نفسها " الهاوية" إن تمعنت.
    وإنما في العبرية "جي– بني- هنوم"، أي وادي أبناء "هنوم"، التي اختصرت إلي"جي – هنوم" ، أي " وادي هنوم"، وموضعه بالحي الجنوبي الشرقي من أورشليم ضحى فيه " آحاز"، " منسا" بأبناء لهما قربانا للإله " مولخ"، وغدا من بعد مزبلة ومحرقة للنفايات، تحقيرا.

    ولعلماء العبرية في اشتقاق "شئول" قولان: إما أنها من "شأل" العبري (وهو "سأل" العربي ومن معانيه "الطلب") فيكون معناها التي تطلب ولا تشبع، شأن جهنم في قوله عز وجل: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} (30) سورة ق، وإما علي القول الثاني - وهو غير قوي- أنها متحرفة عن "شعول" من "شعل" العبري بمعنى خوي تجوف، فهي " الهاوية" أيضا.

    أما الإنجيل فهو يذكر في ترجمته العربية "جهنم" بالاسم : "بل أريكم ممن تخافون. خافوا من الذي بعد ما يقتل، له سلطان أن يلقي في جهنم" (لوقا12/5)، يترجم به "جهنا" Gehenna في الأصل اليوناني، وهي باتفاق ليست يونانية، وإنما هي عبرية أو آرامية، فالأصيل في اليونانية "كولاسي" Kolasi، ومعناها "دار العقاب" ، جهنم أو الجحيم أو الهاوية أو ما شئت من أسماء النار، ولكن لوقا كدأبه آثر استبقاء "جهناً" علي أصلها، أقرب ما تكون إلى ما نطق به المسيح.

    والراجح عندي أن المسيح عليه السلام نطق بها علي أصلها العربي "جهنام" حذف لوقا ميمها في الرسم اليوناني، علي نحو ما فعل في إنجيله أحيانا من حذف ميم "مريم" فرسمها في بعض مواضع Maria، أو أنه عليه السلام نطقها "جهنا" بحذف الميم ترخيما علي نحو ما كتبها لوقا، وأن "جهنا" هذه أو "جهنام"، هي المقابل الآرامي - لا العبري - لجهنم أو جهنام العربية، بمعنى البعيدة القعر، أي الهاوية، يعني بها "شئول" العبرية لا أكثر و لا أقل.

    ولكن "اليونانية الكنسية" التي لم تجد في المعجم العبري أصلا تشتق منه "جهنا" الإنجلية هذه أقرب من "جي- هنوم" ظنتها الصورة الآرامية لــ"جهناً" أو "جهنام"، وفاتها أن المسيح عليه السلام في السياق المتقدم يخوف السامع بما بعد الموت، أي يخوفه بدار العذاب في الآخرة، لا بمحرقة للنفايا علي أطراف أورشليم، أعني"جي- هنوم"، التي لا تخيف أحدا مات أو قتل، فلا يضير الشاة سلخها بعد ذبحها. وعلي هذا النحو مضي أدعياء الاستشراق يطنطنون بأن القرآن أخذ "جهنم" من "جي- هنوم" كما فعل لوقا من قبل في إنجيله.

    وقد ضل هؤلاء المستشرقون علي علم، لأنهم أرادوا لأنفسهم هذا الضلال: القرآن لا يسمي"جهنم" اعتباطا، وإنما هو يصورها أبلغ تصوير وأبينه بمعنى الهاوية البعيدة القعر، تماما كمعنى جهنم وجهنام في المعجم العربي: {أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} (49) سورة التوبة، { أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} (109) سورة التوبة، {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ} (29) سورة إبراهيم، {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا} (68) سورة مريم، {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} (145) سورة النساء، {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ } (38) سورة الأعراف، الخ.

    أفي"جي- هنوم" العبرية من هذه المعاني شئ؟ أليست"جي- هنوم"، أعني ذلك الوادي الذي لأبناء هنوم، اسم موضع معلوم؟ أليست "جي" العبرية (وهي من "جواء" العربية) تعني "الوادي"، بل الواسع من الأدوية؟ فكيف تجئ جهنم (الهاوية) من "الجواء" وهي أقرب إلى الضد منه؟ أليست الهاوية في المعجم العربي تعني البعيدة القعر؟ أليست هي وجهنام في المعجم العربي علي الترادف والتطابق؟ أفي معني"الوادي" و"الجواء" من هذا شئ؟
    والذي يستوقف النظر أن المعاجم العبرية الأحادية اللغة، أي العبري- عبري، لا تفسر "جي- هنوم" بأنها تعني "دار العذاب" في الآخرة، وإنما تدرجها في ثبت الأعلام علي الموضع والمكان، أي ذلك الوادي في الجنوب الشرقي من أورشليم. أما المعاجم العبرية الثنائية اللغة، عبري- فرنسى علي سبيل المثال، فهي لا تترجم"جهنا" الإنجيلية إلي"جي- هنوم" العبرية وإنما تترجمها إلى "شئول" أي الهاوية، وحين تترجم "جي- هنوم" العبرية إلى الفرنسية تقول: "وادي هنو" الذي في أورشليم، ثم تثني فتقول: ومجازا= "جهنا". وقد أتي هذا "المجاز" بالطبع تأثراً بما جاءت به المسيحية من بعد، في تصورها أن "جهنا" الإنجيلية مشتقة من "جي- هنوم"، وليس بصحيح في ديانة اليهود.

    علي أن القرآن لم يحتج إلي" جهنا" ولديه في أصيل العربية"جهنام"، ولم يعرب لفظ"جهنم" عن "جي- هنوم" البعيدة كل البعد عن معناه.

    جهنم في القرآن عربية لا مشاحة، وإن رغمت أنوف.
    أما أن "جهنم" ممنوعة من الصرف في كل القرآن فليس هذا لعجمتها، وإنما هو فقط للعلمية والتأثيث.


    (3)
    الفردوس

    ليس في التوراة " فردوس" وهي برديس العبرية (بإملة الياء). وليس في التوراة أيضا "عدن" - وهي عدن العبرية - لا بمعنى " النعيم" (من عدن العبري المكافئ في العربية للجذر" غدن") , ولا بمعنى " الإقامة" ( من " عدن" العربي)، وإنما " عدن" في التوراة اسم موضع في هذه الأرض التي نعيش عليها ، يطلقه علماء التوراة علي إقليم ما فيما بين النهرين (العراق). أما " الجنة" (جان العبرية) فهي "حديقة" لا أكثر ولا أقل في إقليم "عدن" هذا (جان بعدن، أي جنة في عدن) "غرسها الرب الإله في عدن شرقا"، ووضع آدم هناك كالبستاني " يفلحها ويحفظها". ومن عدن هذه خرج نهر يسقي تلك الحديقة "الجنة"، ومن هناك ينقسم أربعة رؤوس أنهار، أصل كل أنهار الأرض (راجع في هذا كله سفر التكوين 2/8-15) .

    ليست الجنة المعنية في التوراة هي "الجنة" المعنية في القرآن، وإنما هي حديقة صنعها الله لآدم ثم طرده منها لعصيانه، لا يعود إليها من بعد، لا هو ولا بنوه. ليست هي في السماء كما تستظهر من قوله عز وجل : {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا } (123) سورة طـه.
    {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ } (40) سورة الأعراف.
    {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} (15:13) سورة النجم.
    {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} (22:21) سورة الحاقة.
    {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} (22) سورة الذاريات ، وأكبر من هذا كله وأبين قوله عز وجل: {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} (8) سورة العلق.
    وليست كذلك الجنة في التوراة. "جنة التوراة" هي جنة آدم، بقعة في إقليم من هذه الأرض، لا "جنة عرضها السموات والأرض" كما أخبر القرآن: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (133) سورة آل عمران، لا تسعها "عدن" التي في العراق، ولا العراق أجمع، ولا هذا الكوكب كله.

    والحق أنك لا تجد في التوراة، ولا في الإنجيل أيضا، حديثا عن الدار الآخرة، لا مستفيضا ولا مجملا، وكأن "أهل الكتاب" أعرف بتلك الدار من أن تعرف لهم. فقد شغل كتبة أسفار التوراة بالأخبار والأنساب والسير، وشغل كتبة الأناجيل بسيرة عيسي عليه السلام وأعمال "الرسل"، ومجئ المخلص "عند اكتمال الزمان يضعون عليه أحمالهم. كان علي الذين يؤمنون بالله ورسله واليوم الآخر أن ينتظروا نزول القرآن حتى يعلموا علم تلك الدار مبسوطا مفصلا، مبينا ومعرفا: {وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} (6) سورة محمد.

    والإنجيل أيضا يتابع التوارة في قصرها " الجنة" علي تلك " الحديقة " التي طرد منها آدمن وحواء (وهي باليونانية "كيبوس" KIPOS). أما الجنة بمعنى دار النعيم في الآخرة فالإنجيل يسميها "ملكوت السموات" ( في أحد معاني هذا التعبير الإنجيلي)، و "بنو الملكوت" في لغة الانجيل هم "أصحاب الجنة" بالمعنى القرآني، أما "أصحاب النار" فهم الممنوعون من دخول الملكوت. ولكنك لا تعلم من الإنجيل شيئا في وصف نعيم "بني الملكوت" هؤلاء إلا أنهم في صحبة الملائكة والأنبياء والصديقين الأطهار. من هنا كانت السماء (Heaven) مرادفا لمعنى الجنة عند الأوربيين المسيحيين. ولئن كان الإنجيل- بوضعه الجنة في السماء- قد سجل تقدما بالغ الخطورة علي التوراة التي بين يديك، فقد كان التعبير بلفظ" الملكوت" عن دار النعيم في الآخرة غير دقيق، لأنك تعلم من القرآن أن هذا الملكوت الذي في السماء يتجاور فيه علي سواء أهل الجنة وأهل النار: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} (46) سورة الأعراف، يتنادون: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} (50) سورة الأعراف.

    وينفرد الإنجيل من دون التوراة التي بين يديك بالنص في ترجمته العربية علي "الفردوس" بالاسم، فقال له يسوع الحق أقول لك إنك اليوم تكون معي في الفردوس" (لوقا 23/43)، ترجمة لليونانية "براذيسو" Paradeiso أخذتها اللاتينية علي علاتها Paradisus ومنها Paradis الفرنسية و Paradise الانجليزية.

    وقد أعضلت " براذيسو" اليونانية هذه علي الذين ترجموا من بعد الأناجيل اليونانية الأصل إلي العبرية ( لغة المسيح)، ولكنهم فهموا من السياق وحده أن المسيح يعني "جنة عدن"، أي "الجنة التي في عدن" ، أعني "جان بعدن"، فترجموا " اليوم تكون معي في الفردوس" إلي العبرية هكذا: "تهيه هيوم عمادي بجان عدن"، وقد مر بك أن "جنة عدن" في التوراة هي "جنة آدم"، لا شأن لها بدار النعيم في الآخرة، فتفهم أنهم لا يعرفون للفردوس مقابلا في العبرية هو "برديس"، أو بالأحري أنهم لا يفهمون من "برديس" العبرية المعنى الذي أراده المسيح والمفهوم من السياق. وتدرك أيضا أن مترجمي الأناجيل إلي العربية ما كانوا ليضعوا "الفردوس" موضع "براذيسو" اليونانية لو لم يتنزل القرآن بتسمية "الفردوس"، وإلا لقالوا "البستان" أو "الحائط" (بمعنى البستان)، وهي الترجمة الدقيقة للفظ "براذيسو" اليونانية ، كما تدرك لماذا لم يقولوا "الجنة"، لأنهم يعلمون أن "جان" العبرية هي "جنة آدم"، لا دار النعيم في الآخرة. وتدرك أخيرا كم استفادت اليهودية والمسيحية من القرآن في جلاء الضباب عن كثير من غوامض تلك المعاني العليا.

    ولكن المستشرقين مرضي الهوي والغرض يقولون لك إن القرآن نحت "فردوسه" من "براذيسو" التي في إنجيل لوقا، وأخذ "جنات عدن" عن تلك الجنة التي في عدن، " جان بعدن" من سفر التكوين.

    *****

    أما " براذيسو" اليونانية هذه فليست يونانية ، ولا علم لليونان بها قبل عصر المسيح، وإنما هي منحولة كما يقول اللغويون من الفارسية (بيري+ ديزا) Daeza+Pairi (بيري = حول، ديزا= جدار) فهي السور أو الحائط، استعير للبستان أو الحديقة، كما استعارت العربية لفظ "الحائط" أي المحوط، لهذا المعنى نفسه، باعتبار السور الذي يحوطه ويحفظه، لا باعتبار محتواه. فلا تدري لماذا يأخذ كتبة الأناجيل من الفارسية القديمة ولديهم في اليونانية "بريبولي" Periboli بنفس المعنى - أي الحائط بمعنى البستان - ولديهم أيضا مطلق الحديقة Kipos، أما إن أرادوا حديقة الفاكهة خاصة فلديهم " أبوروكييوس" Oporokipos. لا يفعل كتبة الأناجيل اليونانية هذا إلا إذا كانوا قد سمعوه من المسيح عليه السلام ملفوظا علي نحو قريب من " براذيسو" فتأول لها اللغويون هذا الأصل الفارسي القديم كما مر بك، دون أن يتساءلوا عن سبب نطق المسيح عليه السلام بهذا اللفظ الفارسي القديم ، ولديه في لغته "جان"و "جنا"، إلا إن كان عليه السلام يقصد جنة بعينها.

    وهذا يعود بك مباشرة إلي "برديس" العبرية، التي تنكر لها مترجمو "براذيسو" في الترجمة العبرية للأناجيل اليونانية. ولكن " برديس" العبرية اسم جامد، لا اشتقاق له في المعجم العبري ولا جذر له في العبرية يرد إليه، فهو إما دخيل علي تلك اللغة، وإما اسم أميت جذوره وبقي الاسم بمعناه.

    *******

    وردت الفردوس في القرآن مرتين فحسب، الأولي مضافا إليها "الجنات" علي النسب: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} (107) سورة الكهف، والثانية منفردة: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (11:10) سورة المؤمنون. وهذا يقتضي فهم الفردوس بأنها علم على موضع متميز في قلب الجنة يرثه الأخيار من عباد الله الذين اكتملت فيهم صفة المؤمن علي ما تعرف من أشراطها في أول سورة المؤمنون، تحيط به جنات تنسب إليه - "جنات الفردوس" في سورة الكهف - يرثها المؤمنون الذين يعملون الصالحات بعامة، أي مطلق المؤمن، لا خيار المؤمن.

    مصداق هذا التمييز بين " أصحاب اليمين" بعامة، وبين "السابقين المقربين"، أي الخيرة: {ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ} (14:13) سورة الواقعة، ومصداقه أيضا في سورة الرحمن، تمييزا بين الجنتين اللتين لمن خاف مقام ربه: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} (46) سورة الرحمن، وبين الجنتين اللتين لمن دون هذا في المنزلة: {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} (62) سورة الرحمن، أي لعموم المؤمن.

    *******

    والقائلون بعربية الفردوس يشتقونها من " الفردسة" ، أي التوسعة والتعريش، من فردس الكرم أي وسعه وعرشه، وفردس قرنه يعني صرعه، وفردس وعاء التمر ونحوه يعني حشاه وغلا في حشوه، ورجل فرادس يعني ضخم العظام، والفردوس بضم الفاء الزيادة والسعة في الحنطة ونحوها. وهذا كله يقطع ما بين اشتقاق "الفردوس" في العربية وما بين اشتقاق "براذيسو" اليونانية و "بيري+ديزا" الفارسية ومعناها السور أو الحائط : العربية من الضخامة والسعة والبسط، والأعجمية من التسوير والإحاطة.

    "فردوس" العربية كما تري جذر رباعي. والمادة الرباعية في اللغات السامية ليست بالجذر الأصيل: إنها غالبا إما علي التضعيف مثل" زل+ زل"، وإما ثلاثي زيد بحرف مثل "خثر+م" بمعنى غلظ الشفة أو طرف أرنبة الأنف (وخثر بمعنى غلظ)، وإما مزجي يجمع بين معنيين مثل "دح + رج" أي دفعة متحدرا، من الدحي والرجرجة.

    أصل "فردس" إذن إما "فرد+س" من فرد بمعنى نثر وفرق وباعد مزيدا بالسين علي المبالغة، كما في "قسط+ س"، وإما أن تكون علي المزجية "فر+دس" من الفراهة والدياسة، أو من الفره والديسة. و"الديسة" معناها العشب الطري (وهي "ديشه" العبرية و "ديثه" الآرامية) ، ومعناها أيضا - الذي أعنيه هنا - الغابة الكثيرة الشجر. وقد علمت أن "الجنة" في اللغة معناها الحديقة ذات النخل والشجر، من "جنه" يعني ستره، فالديسه بهذا المعنى تكافئ الجنة. وأما "فره" من الفراهة فمعناها جمل وحسن. وأما الفر والفرة ( من الجذر ف/ر/ر) فهو خيار الشئ. فيكون معنى الفردوس "خيار الجنة " وقد عرف العرب" الفردوس" " الفراديس" قبل القرآن ، يطلقونها علي بساتين الكرم خاصة ، ومنه "فراديس الشام"، ومنه أيضا قوله أمية بن أبي الصلت في عجز بيت له: "فيها الفراديس والفومان والبصل" . ولأن "الكروم" هي " أكرم" البساتين عند العرب- وليس مصادفة أن يشتق الكرم من الكرم أو العكس – فقد شاع " الفردوس" علي بساتين الكرم خاصة، وإن كان المعجم العربي يطلقه علي "البستان الجامع لكل ما يكون في البساتين".

    أما "برديس" العبرية، فالمعجم الحديث لألفاظ التوراة" هملون هحداش لتناخ" يعرفها دون تأصيل بأنها "جان عصي بري (جدور)" ، أي "جنة الشجر المثمر (مسورة)"، فلا تدري كيف أقحم "التسوير" علي اللفظ إلا إذا كان قد تأثر بلفظ "براذيسو" اليونانية بمعنى السور أو الحائط، المنسوبة إلي المسيح عليه السلام في إنجيل لوقا، وليس في "براذيسو" من الشجر المثمر شئ، رغم أن "جان" العبرية تفيد بذاتها التسوير والستر.

    إن صحت نسبة " براذيسو" اليونانية إلي المسيح عليه السلام في إنجيل لوقا، فالراجح عندي أنه عليه السلام نطقها علي العبرانية "برديس" ، التي ترد آخر الأمر إلي العربية "فردوس"، لا حاجة به إلي اصطناع "براذيسو"، التي جاء بها لوقا في إنجيله - لا علي الترجمة كما يظن - وإنما علي الرسم "اليوناني"، شأنها شأن كثير من ألفاظ الإنجيل العبرية - الآرامية.

    لا يحتاج المسيح إلي "براذيسو" اليونانية وعنده "برديس"، وإنما احتاج إليها لوقا اليوناني. ولا يحتاج القرآن إلي "براذيسو" اليونانية، فليس " الفردوس" في القرآن سورا أو حائطا، وليس بستانا كأي بستان. ولا يحتاج القرآن من باب أولي إلي "برديس" العبرية ولديه العربية "فردوس"، خيار الجنة.

    *******

    أما مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 107 من سورة الكهف والآية 11 من سورة المؤمنون)، فهم يجمعون علي عربية " الفردوس" من فردسه" بمعنى وسعه وعرشه. وشذ بعضهم فقال بل هي يونانية (علي ما مر بك من معنى "براذيسو" )، أو هي فارسية (علي ما مر بك من إرجاع "براذيسو" الإنجيلية إلي "بيري+ديزا" الفارسية). وهذا يدلك علي أن "براذيسو" و "بيري+ديزا" وقعتا في كلام الفرس والروم علي السواء عصر تصنيف تفاسير القرآن. ولم يصب هؤلاء فيما قالوه - وتوكأ عليه من بعد أدعياء الاستشراق في العصر الحديث- لأن جعل "الفردوس" بمعنى الجنة أو البستان يصطدم بقوله عز وجل في سورة الكهف "جنات الفردوس" التي تؤول علي هذا القول إلي "جنات الجنة" أو "جنات البستان" ، وهو لغو يتنزه عنه القرآن ، لأن إضافة الشئ إلي مرادفه لا تصح إلا بزيادة في معناه.


    (4) عدن

    عدن بالمكان عدنا يعني أقام. وعدن البلد يعني توطنه، لا يريم ولا يبرح. فــ"جنات عدن" يعني "جنات إقامة".
    مصداق هذا قوله عز وجل: {وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا} (3) سورة الكهف. ودفع عز وجل مظنة السأم من هذا التأبيد وإن كان في الجنة بقوله في ختام السورة: {لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} (108) سورة الكهف. إنها جنة المأوى: {عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} (15:14) سورة النجم، {فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (19) سورة السجدة، وهي دار المقامة: {الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ} (35) سورة فاطر، وجنة الخلد: {قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء وَمَصِيرًا} (15) سورة الفرقان {جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} (15) سورة الفرقان، ودار الخلود: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ} (34) سورة ق.

    وردت "عدن" في كل القرآن إحدى عشر مرة. وهى لا تجئ قط في القرآن منفردة، وإنما تجئ تسبقها "جنات" على الإضافة التي تفيد النعت، أي جنات يعدن بها. لا رحيل ولا براح.

    ولم تجئ قط في القرآن "جنة عدن" علي إفراد لفظ "الجنة" ، لأن مفرد "الجنة" معرفاً بالألف واللام، علم بذاته على دار النعيم في الآخرة بكل درجاتها، فردوسا وغير فردوس: إنه اسم جنس لمجموع "الجنات" التي في تلك الدار، يختص فيها كل مؤمن بجنته. ولأن الجنس لا يكون إلا مفردا، فلم يقل القرآن "جنة عدن" علي الإفراد، كي لا يظن أن "جنة عدن" اسم جنس لمطلق الجنة، كما وهم سفر التكوين، وكي لا يظن أن "جنة عدن" - كالحال في " فردوس" - جنة متميزة عما دونها من الجنات، كما تري إسرائيليات دست علي تفاسير القرآن، بل الجنات كلها جنات عدن على سواء، أي جنات إقامة، فردوسا وغير فردوس: إنها {دَارَ الْمُقَامَةِ} (35) سورة فاطر، {عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} (108) سورة هود.

    ومن إعجاز القرآن، بل ومن دقيق القرآن أنه في حديثه عن قصة آدم لا يسميها قط - علي خلاف سفر التكوين - "جنة عدن"، لأنها لم تدم لآدم. وهذا يدلك علي أن "عدن" ليست وصفا للجنة بذاتها، لا علي النسب إلي إقليم أرض كما وهم سفر التكوين، ولا بمعنى النعمة والتنعم من "عدن" العبري المأخوذ من "غدن" العربي، كما قال علماء العبرية من بعد، فقد كانت الجنة لآدم وزوجته نعيما أي نعيم: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} (35) سورة البقرة، ولكن "عدن" وصف لدوام الحال في تلك الجنة، فلا توصف به إقامة آدم فيها قبل إهباطه منها، وإنما توصف به الإقامة في تلك الجنة لما حقت له الجنة في الدار الآخرة، ليطمئن القلب إلي أنها إقامة خالدة لا تزول، كما زالت من قبل عن آدم، وإيناسا لآدم نفسه بعد أن تاب الله عليه كي يخرج منها علي رجاء العودة إليها خالدا فيها لا يخشى الخروج منها كرة أخرى.

    إلي هذه الجنة "الدائمة" الخالدة، دعا آدم أبناء جيله، وتحدث بها من بعده أبناؤه وذريته أجيالا بعد أجيال، حثاً علي طلب الجنة التي لا تزول، حتى التصق النعت بالمنعوت، فصار في العبرية الأولى "جان عدن"، نقلا عن العربية الأم - أعني عربية آدم وبنيه - أي "جنة المقامة"، علما علي مطلق تلك الجنة.

    ولكن العبرية علي عصر سفر التكوين تخلط بين العين والغين، أي بين "عدن" ، "غدن" ، تكتبهما وتنطقهما سواء بالعين غير منقوطة. وقد سقط من المعجم العبري "عدن" بمعنى أقام، وبقيت فيه "عدن" بمعنى "غدن" العربي، أي خصب ولان ونعم، ففهمها الكاتب بهذا المعني، وراح كدأبه يلتمس لها التفاسير، حتى استقام له إسقاط تلك الجنة من السماء إلي الأرض، ينسبها إلي موضع في ذلك الإقليم الخصيب في العراق، إقليم "عدن"، وفاته ما كتبه هو نفسه (تكوين 3/22-24) من أن الله عز وجل خشي أن "يغافله" آدم إلي شجرة الحياة في "جان عدن" بعد طرده منها، فأقام علي تلك الجنة حرساً يمنعونه من دخولها، فكيف عاد إليها أبناء آدم الذين سكنوا إقليم "عدن" يحرثون ويزرعون ويأكلون ويتناسلون؟

    شرط الوحي" الصادق" ألا تكذبه السنون: لم تعد علي أرض هذا الكوكب، لا في العراق ولا في غيره، بقعة أرض لم تزر إن لم تعمر، ناهيك بأرض تمنع الملائكة الناس أن يطأوها. فهل غافل الإنسان الملائكة من بعد، أم حرمت الجنة علي آدم، وأبيحت من بعد لبنيه.

    أما علماء العبرية الذين قالوا من بعد أن "جان عدن" يعنى "جنة النعيم"، فليس بشئ، لأن سفر التكوين يضع الجنة "في عدن شرقا" ، وينص تنصيصا علي "جان بعدن"، أي جنة في عدن ( والباء في العبرية تكافئ "في" العربية). ليست " عدن" في سفر التكوين من أسماء المعاني، وإنما هي بيقين لا يصح فيه جدل اسم موضع ، كيفما اخترت له الأرض والموقع.

    *******

    (الذي يجب التذكير به هنا أن أدعياء الاستشراق هؤلاء - معظمهم إن لم يكن جميعهم - دلفوا إلى المعجم العربي مثقلين بما حملوه من عبرية التوراة، يفسرون العربي بالعبري علي قدر محفوظهم من تلك العبرية التي انقرضت أو غابت أصول جذورها تحت ركام من تفاسير وضعت بعد نحو ألف سنة من عصر موسى عليه السلام، تخطئ وتصيب. في وهمهم أن العبرية أقدم وجودا من العربية لمجرد أن التوراة أقدم نزولا من القرآن. وقد لغوا بهذا وسكنت إليه نفوسهم لأنه يفيدهم في دعوي استنساخ القرآن من التوراة، وهي دعوى لا يقول بها إلا هازل، جاهل بالقرآن وبالتوراة. وقد تظاهرت الآن علوم اللغات والتاريخ والآثار علي أن اللغة العربية هي أم الساميات جميعا، إليها يرد علم ما باد وانقرض في تلك اللغات السامية، ومنها يؤخذ تفسير ما غمض فيها، أو شحب معناه، أو فقد جذوره. ومضي عصر كان ينظر فيه إلى أولئك المستشرقين نظرة الهيبة والإكبار، يؤخذ عنهم ويتتلمذ عليهم دون نقد أو تمحيص، الغث والسمين. نقول هذا دون أن نقلل من جهدهم الضخم، وكان أولى بنا أن نقوم به نحن، فنأمن الهوى والضلال.)


    ... يتبع




















































    ////////
    الجمعة، 18 مايو، 2007

    السلام عليكم

    اليوم نتحدث عن الآباء الأولين (آدم – إدريس – نوح) على اعتبار أن إدريس أسبق من نوح في ترتيب الأنبياء وهذا ما يوضحه مؤلف كتاب "من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن" والله عز وجل أعلى وأعلم....

    مع تحياتي
    أستاذ/ ولاء الشاذلي
    من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن
    العلم الأعجمي في القرآن مفسراً القرآن
    المؤلف/رؤوف أبو سعدة
    ******

    الآباء الأوليــن
    ****

    (1)
    آدم
    من دلائل قدم العربية على العبرية، أن اسم "آدم" أبي البشر (وينطق في العبرية "أدام" بألف ممدودة بعد الدال)، ليس له جذر في العبرية يشتق منه إلا الجذر العبري "أدم" أي "إحمر" بمعني كان أحمر اللون. و"أدوم" في العبرية يعني "الأحمر"، ومنه كما يقول علماء العبرية لفظ "دام" أي "الدم"، فلا تدري هل اشتق "آدم" من الدم أم اشتق "الدم" من آدم. وفي العبرية أيضا "أدما" بمعني الأرض، أي التربة، ومنه ما جاء في سفر التكوين: "ويصر يهوا إلوهيم إت – ها أدام عفر من ها أدما وبيح بأباو نشمت حاييم" وهي في الترجمة العربية" وجبل الرب الإله آدم ترابا من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة"(تكوين 2/7). والأرض هنا يعني التربة، أي قشرة الأرض، يعني أديمها الظاهر منها، لا الأرض نفسها وهي في العبرية "هاآرص". ولا سبيل لك إلي اشتقاق "أدما" هذه – إن أردتها عبرية- إلا من الجذر العبري "أدم"، أي "إحمر"، يعني كان أحمر اللون، فهي "الحمراء"، وكأن "آدم" يعني "الأحمر" المجبول من "الحمراء". ولو قابلت هذا بمكافئه العربي لقلت إن "آدم" يعني "الأغبر" المجبول من "الغبراء"(وهو الاسم الذي يطلقه العرب على أديم الأرض)، وكأن الحمرة هي اللون الغالب على تربة الأرض عند العبرانيين فسميت به. ولا يصح هذا بالطبع، وإنما الصحيح هو أن العبرية لم تشتق "أدما" من الجذر العبري "أدم"، وإنما نقلتها نقلا عن العربية ("الأدمة")، اسما جامدا لا اشتقاق له عندها.

    أما "أدم" العربي، فهو جذر غزير المعاني، ليس فيه من الحمرة شئ. من معانيه الامتزاج والخلط والإيلاف: من ذلك "الائتدام" أي المزواجة بين أنواع الطعام كأكل الأرز باللحم، والخبز بالخضر. و"الإدام" هو المضاف من الطعام إلي بعضه ليستمرأ. و"آدم" بين الزوجين يعني آلف بينهما وأصلح. و"أدم الصانع الجلد" يعني أصلحه بنزع الزائد من "أدمته"، و"الأدمة" هي باطن الجلد تحت البشرة اللصيق باللحم "المخالط" له. و"أدمة الأرض" ما يلي وجهها، أي غلافها، ومنه"الأديم" بمعني الجلد، وأديم الأرض يعني "جلدها"، وهو "التربة". و"أدم يأدم"، وأيضا "أدم يأدم" فهو "أدم" (نسبة إلي "الأدمة" أي "التربة") يعني من كانت بشرته في لونها، أي الشديد السمرة. و"آدمته الشمس" يعني لوحت لونه، أي صيرته إلي السمرة.
    وهكذا تري أن "أدما" العبرية بمعني الأرض والتربة، ليست بعبرية، وإنما هي دخيلة على تلك اللغة، استعارتها رأسا من العربية.

    وتستطيع أن ترتب على هذا مباشرة أن العبرية ورثت أيضا اسم "آدم" عن هذه العربية نفسها، أعني العربية الأولى - عربية آدم - ذلك الاسم الذي سماه الله به في الجنة، وهبط به إلي الأرض، فصار له علما بين زوجه وبنيه وحفدته وذراريه. دليلك في هذا أن سفر التكوين ينص تنصيصا على أنه لا يشتق "آدم" من لون بشرته عبريا، أي الحمرة، ولكنه يشتقه من الأرض التي أخذ منها وإليها يعود، أي من "الأدمة" (وهي عربية لا عبرية كما مر بك):"عاد شوبخا إل-ها أدما، كي ممنا لقحتا، كي – عفر أت، وإل – عفر تشوب" أي "حتي تعود إلي الأرض التي أخذت منها لأنك تراب وإلي التراب تعود" (تكوين 3/19).
    آدم من الأدمة في التوراة، ليس من الحمرة، وهو كذلك في العربية، كما سترى، بل هو أولى.

    *****

    أما مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 31 من سورة البفرة) فهموه على أنه مشتق من أدمة الأرض وأديمها، وهو وجهها، فسمي بما خلق منه. وقال بعضهم إنه مشتق من الأدمة (بضم الهمزة) وهي السمرة.
    وزعم بعضهم أن الأدمة هي البياض، وأن آدم كان أبيض. وليس هذا وذاك بشئ، لأن الأدمة نفسها مشتقة من الأديم، أي من لون الأدمة، وهي إلي السمرة أقرب، ثم إنه لا مدخل للون آدم في تسميته: ليكن آدم أسمر أو أبيض أو ما شئت من أبشار البشر إن صح في لونه عن الصادق المصدوق حديث، ولكنه قبل كل شئ منسوب إلي هذه الأدمة التي جبل منها أيا كان لونها وأيا كان لونه.
    وقد عقب القرطبي رحمه الله على أقوال المفسرين في هذا بقوله: والصحيح أنه مشتق من أديم الأرض.
    وهذا هو"التفسير القرآني" لمعني"آدم"، كما سترى.

    ******

    ورد آدم في القرآن منفردا - أي ليس مضافا إليه بنوه كما في "بني آدم"، "إبني آدم" - 18 مرة، منها أربع على النداء من الله عزوجل في الملأ الأعلي، ومنها واحدة خاطبه بها إبليس بغريه بالأكل من الشجرة، والباقي في الحديث عن قصة آدم في الملأ الأعلي، إلا اثنين: {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} (33) سورة آل عمران، {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ } (58) سورة مريم.
    ليس في هذا كله من تفسير معني آدم شئ إلا قوله عزوجل: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} (59) سورة آل عمران.
    ولكنك تجد هذا المعني فصيحا بينا في مثل قوله عزوجل: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ} (71) سورة ص. في هذه - وغيرها من مثلها في القرآن كثير- الكفاية كل الكفاية في تفسير معني"آدم": أما الطين فقد علمته، وأما "البشر" فمن البشرة، وهي وجه "الأديم"، و"بشر" الأديم يعني قشره.
    "آدم" عربية كما تري، تخرج عن مقاصد هذا الكتاب الذي نكتب، ولكن القرآن فصل في وجه اشتقاقها: إنها من "الأدمة و"الأديم"، لا من "البياض" و"السمرة".

    ويخرج عن مقاصد هذا الكتاب أيضا تفسير اسم "حواء"، زوج"آدم" في الجنة، لأنها لم تذكر بالاسم في القرآن.
    ولكنا وعدناك فيما سبق بتفسير هذا الاسم مع "آدم". وقلنا لك أيضا فيما سبق إن القرآن - حين لا ينص على اسم علم - يلم بمعناه أحيانا في ثنايا الآيات، فيصوره لك حتي لتكاد تسميه به، وإذا هو نفسه اسم العلم المعني في التوراة، و "حواء" من هذا كما ستري.

    *****

    يشتق علماء العبرية اسم "حواء" من الجذر العبري"حوا"، ويقولون إنه من "الحياة"، أي أن "حواء" يعني"الحياة". وهم يفسرون الجذر العبري"حوا" على هذا المعني قسرا، رغم أن لفظ الحياة في العبرية هو "حاييم"، المشتق من جذر عبري آخر هو "حيا" بالياء، المطابق لنظيره العربي بنفس المعني. ولكنهم يقولون لك إن "حوا"(وهو اسم "حواء" في العبرية غير مهموز) يعني"الحياة" في اسم"حواء" فقط، لا يجوز استخدامه بهذا المعني في غيرها، بل تستخدم "حاييم" على أصلها. وقد"اضطر" علماء العبرية إلي هذا اتباعا لسفر التكوين الذي ينص تنصيصا على أن "حواء" من الحياة. وقد مر بك هذا في موضعه. ولا تستطيع أن تقول إن كاتب سفر التكوين تورط في هذا التفسير مدفوعا بتغيير طرأ في زمنه على معني الجذر "حواء"... لو صح هذا لما جاز لعلماء العبرية حظر استخدام "حوا" بمعني الحياة في غير اسم "حواء".
    إنما تستطيع أن تقول إن كاتب سفر التكوين تورط في هذا فألزم به من جاءوا بعده، دليلك في هذا من العبرية المعاصرة التي تستخدم الفعل "حوا" بمعني عاش، أي عاش حدثاً ما أو تجربة ما، بمعنى "شهد"، ولكنها لا تستخدمه قط بمعني "حيا". أي إن "عاش" و"حيا" ليسا سواء.
    عاش بمعني شهد يسهل اشتقاقه من أصل معنى الجذر العبري"حوا"، وهو يطابق "حوي" العربي. وقد تابع مفسرو القرآن أهل التوراة في تفسيرهم اسم "حواء" بالحياة، لا تجد لهم في تفسيره قولا يغايره (راجع تفسير القرطبي للآية 35 من سورة البقرة).

    ****

    أما الفعل "حوى" في العربية فأصل معناه التجمع والاستدارة والتقبض، ومنه "الحية" لأنها "تتحوى" أي تستدير على نفسها، ومنه أيضا "حواه" بمعني استولي عليه وملكه، وكأنه "استدار عليه"، ومنه كذلك "الحواء" أي المكان الذي يحوي الشئ، ويجمع على "أحوية"، و"الأحوية" يعني البيوت التي تحوي الناس، والباقي الآن منها في معناه البيوت من الوبر مجتمعة على ماء. والحواءة من الرجال يعني اللازم بيته.

    وقد رجع "علماء العبرية" إلي هذه المعاني حين أرادوا تأصيل معني الجذر العبري"حوا"- بعيدا عن اسم "حواء" بالطبع الذي لا يملكون له تعديلا- عندما تصدوا للفظ العبري "حووت"(علي جمع التأنيث العبري من "حوا" بمعني " القرية" - الذي لا يستقيم معناه بالإصرار على أن الفعل "حوا" العبري يعني "حيا")، فتبينوا أن "حووت" العبري يعني بالضبط "الأحوية" العربي وانتهوا إلي أن "حوا" العبري يأخذ من "حوى" العربي معني التجمع والاجتماع.
    وقال آخرون من علماء العبرية هؤلاء إنه لا داعي لأخذ "حوا" العبري من "حوى" العربي، لأنه إذا كان "حوا" العبري يعني "حيا" كما يريد سفر التكوين، فإن معني "الحياة" Living يفيد معنى "السكنى" و" الإقامة" أيضا. ومهما قلت في تأثر هذا القائل بلسانه الأوروبي، فهو في أعماقه يريد أن يوفق بين ما قاله سفر التكوين في معنى "حواء" بأنها من "الحياة"، وبين تلك "الأحوية" (حووت العبرية)، أي تلك "القرى" الماثلة أمامه، ليس فيها من اشتقاقات "الحياة" شئ إلا إن أخذت"الحياة" بمعنى "المعيشة"، وهو بعيد عما أراده سفر التكوين بقوله إن حواء هي واهبة الحياة(أم كل حي).

    أيما صح هذا أوذاك، فأنت لابد منته إلي أن"الفعل حوا" العبري أصل معناه من التجمع والانضمام والسكني والتوطن والإقامة، لا شأن لك بما آل إليه معناه عند كاتب سفر التكوين، فأم البشر"حواء" ليست فقط أقدم من مولد هذا الكتاب ولكنها أقدم بقرون لا يعلم عدتها إلا الله من مولد تلك اللغة العبرية نفسها.
    والذي لا شك عندي فيه أن "حواء" عرفت بهذا الاسم في الملأ الأعلي، وإنه قد تكلم به معها آدم الذي علم الأسماء كلها، وأنها هبطت بهذا الاسم إلي الأرض مع آدم، فصار لها علما في أجيال بنيها، يتوارثونه جيلا بعد جيل، حتى آل إلي ما صار إليه في سفر التكوين، لا على النحت من العبرية ذاتها، وإنما على النقل من "العربية الأولى"، عربية آدم وحواء، شأنه شأن اسم "آدم" سواء بسواء.

    والذي لاشك عندي فيه أيضا - ولا خلاف فيه مع سفر التكوين - أن دلالة الاسم على مسماه قد روعيت في تسمية "حواء" كما روعيت من قبل في تسمية "آدم"... أما آدم فقد سمي بما خلق منه وأما حواء فقد سميت بما خلقت له.
    وقد أصاب سفر التكوين في آدم، ولم يصب في حواء، التي تعلل في تسميتها بمعني الحياة (لأنها أم كل حي):"ودعا آدم اسم امرأته حواء لأنها أم كل حي" (تكوين3/20)، أي أنها سميت بما خلقت له وهو "الإنجاب"، أي ولادة الأحياء.
    ولم يصب الكاتب في حواء من وجهين: الأول لغوي بحث، لأنه لا يصح اشتقاق الحياة من الجذر العبري "حوا" إلا بافتعال شديد كما مر بك. والثاني بيولوجي بحت: لا يصح أن يقال إن المرآة هي "واهبة الحياة"، فبالذكر والأنثى معا يكون النسل، لا نسل إلا باجتماعهما معا. وفي الكون كائنات "وحيدة الجنس" تتناسل لا حاجة بها إلي ذكر أو أنثي، ولو شاء الله لآدم أن يكون من هذه الكائنات لفعل. وسفر التكوين نفسه ينص على سبب إيجاد "حواء" أنثي... "وقال الرب الإله ليس جيدا أن يكون آدم وحده. فأصنع له معيناً نظيره" (تكوين 2/18)، أي أن يكون لآدم زوج. بل وراء جعل النسل من ذكر وأنثي هدف أجل منه، وهو إلزام شطري الخلق بالعيش في جماعة من نوعها. تجد هذا في الأحياء كافة حتى الحشرة. وفي إطالة أمد طفولة النوع الإنساني - وهي في الإنسان من دون كافة الأنواع أطولها أمدا- إلزام الأبوين بالإيلاف والتضام، و"التحوي" عمرهما كله لرعاية هذا النسل وإعالته وتنشئته، فتكون "الأسرة". وفي المخالفة بين نسل الأسرة والأسرة - عددا ونوعا - إلزام الأسر بالتزاوج فيما بينها، فتنشأ بالنسب والصهر شعوب وقبائل، يتعارفون على أصول وقيم يتبارون في السبق إليها. ولا يتحقق هذا إلا بالخلق من ذكر وأنثي. وتجد هذا كله في قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (13) سورة الحجرات.
    و"جعلناكم" في هذه الآية على التقرير والتفسير معا، أي خلقناكم من ذكر وأنثي لنجعلكم شعوبا وقبائل.
    وقد شاءت حكمته عز وجل أن يجعل المرآة للرجل "سكنا"، مستقراً له ومقاما. إنها الزوج والإلف والسكن. وهذا هو ما خلقت له "حواء" فسميت به، لا "ولادة الأحياء" كما تجد في سفر التكوين، فما كان لآدم وحواء وهما في الجنة التفكير في الإنجاب والتناسل.

    ليست "ولادة الأحياء" هي العلة من التسمية وإنما العلة هي أنها "الحواء" لآدم، السكينة والسكني.
    والقرآن لا ينص على اسم "حواء"، فلا يسميها ما سماها به آدم، إن صح ما قاله سفر التكوين من أن آدم هو الذي سمى، وإنما القرآن يسميها "زوج آدم"، أي إلفه: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} (35) سورة البقرة.

    ولكن القرآن يفسر اسم "حواء" بما فسرناه به نحن فيصوره أبلغ تصوير في قوله عز وجل: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} (189) سورة الأعراف، {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} (21) سورة الروم، {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} (98) سورة الأنعام.


    (2)
    إدريس
    ليس في التوراة والإنجيل اسم "إدريس"، وإنما ذكر إدريس عليه السلام في القرآن وحده في زمرة من ذكرهم القرآن من النبيين والصديقين.

    وقد وردت "إدريس" في القرآن مرتين فحسب: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} (57:56) سورة مريم، {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ } (85) سورة الأنبياء.
    وقد اختلف مفسرو القرآن في "إدريس" (راجع تفسير القرطبي للآية 56 من سورة مريم)، أعجمي اسمه أم عربي، سبق نوحا أم كان من ذرية نوح. والمشهور عند الرواة أن اسمه في العبرية "أخنوخ"، وأنه أول نبي من ذرية آدم سابق على نوح. ومنهم من أصر على أن "إدريس" لفظ أعجمي لأنه ممنوع من الصرف في القرآن لغير علة إلا العجمة، دون أن يذكروا من أي لغة أعجمية هو، كدأبهم حين يعضل الاشتقاق عليهم. والكثرة على أنه من "درس" العربية فهو "الدارس" من المدارسة والتدارس على المبالغة، الكثير العلم. وليس في "إدريس"حديث صحيح يفصل في المسألة، إلا ماجاء في صحيح مسلم من حديث يفصل في المسألة، إلا ما جاء في صحيح مسلم من حديث الإسراء قوله صلي الله عليه وسلم: "لما عرج بي أتيت على إدريس في السماء الرابعة"، تفسيرا لقوله عزوجل في شأن إدريس: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} (57) سورة مريم، وهذا لا يفصل في الترتيب التاريخي لإدريس عليه السلام بين الأنبياء صلوات الله عليهم.

    راجع أيضا قوله عزوجل في سورة مريم يصف الأنبياء المذكورين في السورة وآخرهم إدريس: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا} (58) سورة مريم. ولئن كان الخلق كلهم من ذرية آدم، فالتفصيل في الآية يفيد أن من النبيين في السورة من ليس من ذرية إبراهيم ويعقوب (إسرائيل)، وليس من المحمولين في الفلك مع نوح، لا تصح نسبتهم إليه لأنهم قبله، فهم من ذرية آدم. والأنبياء المذكورون في سورة مريم كلها هم بترتيب ورودهم فيها: زكريا- يحيي- عيسي- إبراهيم – إسحاق- يعقوب- موسي- هارون- إسماعيل- إدريس، ليس فيهم من تشك في نسبته إلي إبراهيم، وإبراهيم من ذرية المحمولين مع نوح، إلا إدريس، فهو المعني إذن، على الراجح عندي، بهذا الإفراد والتنصيص على النبيين من ذرية آدم.

    علي أن منشأ القول بأن إدريس في القرآن هو "أخنوخ" في التوراة يرد بالقطع إلي يهود من أهل الكتاب عرفوا أن "إدريس" في العربية تكافئ "أخنوخ" في العبرية، وربطوا بين ما جاء في القرآن عن إدريس: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} (57) سورة مريم، وبين ما جاء في سفر التكوين في شأن أخنوخ، أبي متوشالح، أبي لامك، أبي نوح:"وعاش أخنوخ خمسا وستين سنة وولد متوشالح. وسار أخنوخ مع الله بعد ما ولد متوشالح ثلاث مائة سنة وولد بنين وبنات. فكانت كل أيام أخنوخ ثلاث مائة وخمسا وستين سنة. وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه" (تكوين 5/21-24). اللفظ العبري "أخنوخ" يفيد بذاته بالدارس الإدريس، و"سيرته مع الله "تفيد" الصديقية" التي في قوله عزوجل: { إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا} (56) سورة مريم، وعبارة "ولم يوجد لأن الله أخذه" تجد صداها في قوله تبارك وتعالي: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} (57) سورة مريم. ولم يقع هذا في القرآن في شأن أي نبي على ارتفاع مكانتهم إلا في إدريس، وهذا يدلك على أنه ارتفاع على الموضع حقيقة لا مجازاً.
    لهذا كله فنحن مع القائلين بأن أخنوخ في التوراة هو نبي الله إدريس عليه السلام. والله عز وجل بغيبه أعلم.

    ********

    أما المستشرقون المنكرون الوحي على القرآن فلم يقولوا بهذا، ولم يلتفتوا إلي وحدة المعني في "إدريس" و"أخنوخ" وإنما ذهبوا يلتمسون لاسم"إدريس" نظيرا أعجمياً في أقاصيص أهل الكتاب، فلما أعياهم البحث رأي بعضهم أن أقرب الأسماء إليه "أندرياس" اليوناني، وهذا عبث لا يليق بنا الالتفات إليه، ناهيك عن مناقشته والإفاضة فيه.

    ********

    أما أن "أخنوخ" – لغة – هي "إدريس" فقد علمت أن "الإدريس" هو الدارس الفاه الحاذق. وأما "أخنوخ" فأصلها العبري "حنوك"، التي تنطق كافها خاء، على ما مر بك من قواعد النطق في العبرية التي تنطق الكاف خاءً إذا تحرك أو اعتل ما قبلها، فهي عندهم"حنوخ" عربها العرب إلي "أخنوخ". وأما معنى "حنوك" العبرية هذه فهي على المفعولية من الفعل العبري "حنك" على معنى "حنكة" العربي، أي فقهه وثقفه وعلمه، فهو المحنك المحنوك.

    وقد جاءت "إدريس" في القرآن على الترجمة لاغير، تحاشيا لثقل "أخنوخ" التي شهر بها هذا الاسم العلم قبل القرآن.
    وأما لماذا كانت "إدريس" ممنوعة من الصرف في القرآن، فهذا من إعجاز القرآن الذي لم يفطن إليه الزمخشري وغيره (راجع تفسير القرطبي للآيتين 56و57 من سورة مريم) الذين لم يستطيعوا الجمع بين عربية هذا الاسم في لفظه، وبين عجمته في أصله: القرآن - يمنع "إدريس" من الصرف - يدلك على أصله الأعجمي، وكأنه يوصيك بأن تتلمسه في "أخنوخ" لا في نبي مجهول من بني اسماعيل عليه السلام.


    (3)
    نوح
    لقد شهر نوح عليه السلام بأنه آدم الثاني، لأن الخلق كلهم بعد الطوفات ينسبون إليه: قال عزوجل في نوح {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ} (77) سورة الصافات، وهذا من مجاز المجمل، والصحيح أنهم ذريته وذرية من آمن معه وركب الفلك: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} (3) سورة الإسراء.

    والذي بين آدم ونوح عليهما السلام قرون لا يعلم عدتها إلا الله، والذي بين نوح وإبراهيم عليهما السلام كذلك. تستطيع بالحساب التقريبي أن تضع إبراهيم عليه السلام بين أعلام القرن الثامن عشر قبل الميلاد أو التاسع عشر لا تزيد: أنجنب إبراهيم وقد ناهز المائة عام ابنه الثاني إسحاق، وأنجب إسحاق بدوره ابنيه التوأمين "عيسو"، "يعقوب" وهو "إسرائيل" أبو يوسف الذي وطأ لبني إسرائيل في مصر فمكثوا بها كما تقول التوراة أربعمائة وثلاثين سنة (خروج 12/40)، وكان خروجهم على الراجح عندي - كما مر بك - أواخر عصر "رمسيس الثاني" الذي كان مهلكه حوالي 1225 ق م. تستطيع بالتقريب إذن (1225+430=1655) أن تضع يعقوب بين أعلام القرن السابع عشر قبل الميلاد وأن تضع جده إبراهيم عليهما السلام بين أعلام القرن التاسع عشر. ولكن ليس لديك من معالم التاريخ ما تستدل به على عصر نوح، إلا أن تستظهر من علم الآثار تاريخا تقريبيا لعصر الطوفان، وليس بين يديك من هذا شئ. ناهيك بأن تحدد تاريخا تقريبيا لمهبط آدم وحواء إلي هذه الأرض، فتقدر الفترة ما بين آدم ونوح، والحفريات تنبئك بالعثور على عظام بشرية في طبقات يرجع تاريخها إلي ما بين مائة ومائتي ألف عام.

    ولكن سفر التكوين - كدأبه في النص على المحالات - يتورط فيحصر الفترة ما بين آدم إلى نوح في تسعة آباء، هي على النسب الصاعد: نوح- لامك – متوشالح- أخنوخ- يارد – مهللئيل – قينان – أنوش- شيث- آدم، ولا يكتفي بهذا بل يحدد لكك منهم تاريخ مولده وتاريخ وفاته، فتستخلص منه (راجع الإصحاح الخامس من سفر التكوين)، أن آدم توفي سنة 930 ب خ ( ب خ = بدء الخليفة)، وأن نوحا ولد سنة 1056 ب خ، وأن الطوفان - الذي حدث ونوح عمره ستمائة سنة - كان سنة 1656 ب خ. ولعلك تعلم أن التقويم اليهودي يبدأ ببدء الخليقة، وان بدء الخليقة هذا - القائم على حسابات سفر التكوين- يناهز عام 3761 قبل الميلاد، وهذا يعني أن المصريين على الأقل - الذين كان لهم وجود في مصر منذ حوالي 4200 قبل الميلاد كما يقول علماء الآثار والحضارات - ولدوا قبل بدء الخليقة لا قبل مهبط آدم فحسب. ويعني أيضا أن الطوفان الذي حدث على هذا التقدير عام 2105 قبل الميلاد، حدث بعد بناء بابل (2800 ق .م) بنحو سبعة قرون ويعني أيضا أن نوحا - الذي عاش ثلاثمائة وخمسين عاما بعد الطوفان - مات سنة 1755 ق م، أي أواسط القرن الثامن عشر قبل الميلاد، فكان من معاصري إبراهيم!

    هذا كله يقطع الصلة ما بين سفر التكوين والعلم، وما بين سفر التكوين والوحي الصادق، فلا تلتفت إليه. ولكن هذا الذي تورط فيه سفر التكوين فألزم نفسه ما لا يلزمه، لم يسئ إلي أسفار التوراة فحسب، ولكنه نال من "جدية الوحي" بعامة، وزعزع هيبة الدين في صدور الذين نشئوا على أن التوراة والإنجيل معا "كتاب مقدس"، الذين لا يرون في غير التوراة والإنجيل وحياً منزلاً، فلم يبحثوا عن الحق في غيرهما ، والحق منهم قريب، في القرآن المصدق "المهيمن".

    علي أن موسي عليه السلام- صاحب التوراة- لم يتورط فيما تورط فيه سفر التكوين، بل فوض العلم بالقرون الأولي إلي الخلاق العليم. جهل فرعون ما كان من شأن تلك القرون- والمصريون على عصره أوفر أهل زمانهم علماً وحضارة- فسأل موسي أن ينبئه بأنبائهم: {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} (52:49) سورة طـه.

    والقرآن يباعد ما بين نوح وإبراهيم: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا * وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا} (38:37) سورة الفرقان.

    والقرآن يباعد أيضا ما بين آدم ونوح. تستظهر هذا من قوله عز وجل: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} (24) سورة المؤمنون. قد مضت القرون إذن من بعد آدم إلي نوح حتى أنسوا ما نزل به آدم. ولو صح ما قاله سفر التكوين كما مر بك لكان ما بين وفاة آدم (930 ب خ) ومولد نوح (1056 ب خ) مائة وستة وعشرين عاما لا تزيد، ولكاد آدم نفسه يرد على هؤلاء المعاندين المكذبين، أو لرد عليهم "أنوش"، بن "شيث"، بن "آدم" الذي ما مات حتى ناهز نوح الرابعة والثمانين، (راجع هذه "الحسابات" على الإصحاح الخامس من سفر التكوين).

    لا يعارض القرآن التوراة إلا ويصح القرآن. ولا يعارض القرآن علوم "العصر" إلا ويصح القرآن. ولا "يتفق" العلم مع القرآن إلا وقد سبق القرآن العلم ومهد الطريق.

    ********

    "نوح" في القرآن هي تعريب "نوح" في التوراة، التي تنطق في العبرية لا مداً بالواو وإنما مدا بالضم بعده فتح (نو- وح)، ومن هنا كتابتها بالإنجليزية Noah. وهي في العبرية من الفعل العبري ناح/ينوح، مشتقة على المصدر أو اسم الفعل، فهي "نوح" (نُو- وح).

    أما المعاني هذا الفعل في العبرية فهي: البقيا والتلبث - الدعة والسكون - الكف والتوقف - الراحة والاسترواح والتنعم. وهو في العبرية والآرامية سواء. علي أنك تستطيع أن ترد هذه المعاني جميعا إلي معني الفعل الرئيسي، وهو البقيا والتلبث. والمعني الرئيسي للفعل هو أقدم معانيه، أي أسبقها وجودا.

    وهو نوح على عبرية التوراة - وهو قديم جد بعيد - يجعلك تؤثر أخذ معني اسمه من المعني الرئيسي لهذا الفعل "ناح/ ينوح" العبري- الآرامي، أعني تأخذه من البقيا والتلبث، غير ملتفت إلي عبارة في سفر التكوين يحاول بها الكاتب تفسير هذا الاسم بمعني العزاء والراحة: "ودعا اسمه نوحا. قائلا هذا يعزينا عن عملنا وتعب أيدينا من قبل الأرض التي لعنها الرب "(تكوين 5/29). تأخذه من البقيا والتلبث، ولا تأخذه من العزاء والراحة، لا حبا في مخالفة كاتب سفر التكوين، وإنما تفعله انحيازا للتأصيل اللغوي العلمي لمعني هذا الجذر العبري - الآرامي "ناح"/ ينوح".

    ففد مر بك أن ما كان في العربية أصلا بالخاء (المنقوطة) يرد في العبرية والآرامية فورا إلي الحاء(غير المنقوطة). وما كان في العربية أصلا بالحاء (غير المنقوطة)، يظل في العبرية والآرامية على أصله بالحاء. مثال ذلك "خلق"، العربي يصبح في العبرية والآرامية "حلق" بينما " جلح/يجلح" العربي يظل في العبرية – الآرامية بالحاء " جلح/ يجلح".

    "ناح" العبري إذن هو إما "ناح" العربي نفسه، من "النواح"، كما ظن بعض مفسري القرآن، ولم يوفقوا فيه، فليس في "ناح" العبري من معاني "النواح" شئ كما مر بك، وإما هو"ناخ" العربي بخاء منقوطة، من الإناخة والتنوخ، أي التلبث والبقيا، وهو الصحيح، لأن هذا هو المعني الرئيسي للفعل العبري "ناح/ ينوح".

    ليس مسموعا في العربية ناخ ينوخ، ولكنك تأخذه من أناخ/ ينيخ بنفس معناه: أناخ بالمكان ، أقام، وأناخ به البلاء، حل به ولزمه، ومنه أناخ الجمل يعني أبركه، والمناخ، محل الإقامة ، والنوخة مثله.

    "نوح" إذن من النوخة والإناخة، فهو النائخ المتنوخ، أي اللابث لا يريم. صار له علماً لطول مكثه في قومه (ألف سنة إلا خمسين عاما كما في التوراة وفي القرآن) وطول ملاحاتهم له.

    وهذا هو التفسير القرآني لمعني "نوح"، فسره بالمرادف في مثل قوله عزوجل: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} (14) سورة العنكبوت، {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ} (71) سورة يونس، {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ} (77) سورة الصافات.

    صحح القرآن معني"نوح" لمفسري القرآن الذين تكلموا فيه، وصححه أيضا لكاتب سفر التكوين كما مر بك. وسبحان العليم الخبير.


    (4)
    الجودي
    الجودي هو اسم مرسي سفينة نوح في القرآن. وردت في القرآن مرة واحدة في قوله عزوجل: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (44) سورة هود.
    ولم يتعرض مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 44 من سورة هود) لتفسير معنى "الجودي"، مكتفين بأنه اسم جبل في الموصل شمالي العراق، القريبة من حدودها مع تركيا، ومن مقاطعة "أرمينية" في تركيا على حدودها المشتركة مع إيران.

    والمعروف عند أهل الكتاب من "سفر التكوين" (تكوين 8/4) أن مرسى سفينة نوح هو "أراراط": "واستقر الفلك في الشهر السابع في اليوم، عشر من الشهر على جبال أراراط".
    وإذا علمت أن "أراراط" في عبرية التوراة يعني "أرمينية" نفسها (راجع "أراراط" في المعجم العبري "هملون هحداش لتناخ")، فقد علمت أن سفر التكوين لم يسم جبلاً بعينه لمرسي نوح، وإنما قال ببساطة إن السفينة رست على "جبال أرمينية".

    ولكن الناس تناسوا هذا أو أنسوه، فوهموا أن ثمة جبلاً بعينه اسمه "أراراط" رست عليه السفينة، وأن رحالة عثروا في قمته على حطام رجحوا أنه حطام "الفلك المشحون"، رغم أن الفلك لم يتحطم على قمة الجبل، بل رست السفينة بسلام: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} (48) سورة هود.
    ولكن التسمية ثبتت وانتهي الأمر. تجدها في المعاجم الأوربية علما على جبل بعينه في أرمينية شرقي تركيا (راجع مادة Ararat في ***ster's). قرب حدود أرمينية المشتركة مع إيران، يبلغ ارتفاع إحدى قمتيه حوالي 5128 مترا.

    من هنا طنطن مستشرقون عدوا بغير علم. قال القرآن "الجودي" وقالت التوراة "أراراط". ولكن التوراة لم تقل "أراراط" كما مر بك، وإنما قالت (جبل من جبال "أراراط")، أي في أرمينية، لم تسمه، وسماه القرآن.
    أما ذلك "الجودي" الذي في الموصل على ما ذكره مفسرو القرآن، فليس هو بالضرورة الجودي المعني في القرآن، بل الراجح عندي أنه جبل تسمي بهذا الاسم بعد نزول القرآن.
    لا خلاف إذن بين التوراة والقرآن في تسمية مرسي نوح، لا لأنهما تطابقا، وإنما لأن التوراة عممت، وخصص القرآن.

    وقد مر بك أن الأعلام الموحي بها في القرآن على غير سابقة في التوراة والإنجيل تجئ في القرآن "عربية" على أصلها . أما معني "الجودي" في العربية فلك أن تفسره بأنه المنسوب إلي الجود، أي "ذو الجود" وجاد المطر يعني كثر، والجود بفتح الجيم يعني المطر الغزير الذي لا مطر فوقه. وأنت تعلم أن الجبال العالية التي تذوب ثلوجها في الربيع تفيض منها المياه سيولا وأنهارا ومنها جبال"أرمينية" منابع الفرات.

    ولكنك إن تمعنت في مراحل بدء الطوفان وانحساره ورسو الفلك، وقارنت بين ما ذكره سفر التكوين من ذلك وبين ما قاله القرآن، تجد أن سفر التكوين ينبئك أن السفينة رست على جبال"أراراط" في السابع عشر من الشهر السابع لبدء الطوفان،"وكانت المياه تنقص متواليا إلي الشهر العاشر. وفي العاشر في أول الشهر ظهرت رؤوس الجبال" (تكوين 8/4-5). فتفهم أن السفينة رست قبل نحو 73 يوما من ظهور رؤوس الجبال، فعلي أي الجبال رست إذن إن لم تكن قد رست على أعلاها. بل وعلي أمعنها ارتفاعا، الذي يصل ارتفاع إحدى قمتيه كما تقول المعاجم إلي 5128 م؟ وهذا غير منطقي لأنه بالغ المشقة على نوح والذين معه، شبابا وشيوخا ونساء وأطفالا، الذين سيهبطون إلي السهول من هذا الارتفاع الشامخ.

    أما القرآن فيقول لك إن الماء"غيض أولا"، ثم استوت السفينة، استوت بعد أن غيض الماء تماما حتى استوت السفينة على "قاع" من الأرض، هبط إليه نوح والذين معه بسلام. (هود 44).
    كان بسم الله مجراها ومرساها ، أي كان بسم الله حملها على سفح الماء، وكان باسمه عز وجل أيضا إهباطها إلي اسفح من الأرض، شاطئ نهر أو ناحية جبل.

    والعرب يسمون شاطئ النهر وناحية الجبل، "الجد"، "الجدة" (ومنه اسم الميناء المعروف "جدة" بالمملكة العربية السعودية).
    أفيكون "الجودي" أصله"الجدي" المنسوب إلي "الجد"، فهو المرسى، استعيض عن تشديد داله بمد حركة جيمه؟
    إن صح ذلك - وهو غير بعيد - كان معنى "استوت على الجودي"، والله بغيبه أعلم، أن السفينة رست على مرساها، لا أكثر ولا أقل، دون تحديد لموقع.
    ... يتبع
    http://e3gaz1.blogspot.com
    تمت القراءة4024






































    ////////
    السبت، 26 مايو، 2007
    أمم بائدة
    السلام عليكم

    يأخذنا الحديث هذه المرة إلى الأمم البائدة مثل (بابل - إرم – عاد – ثمود - مدين) وطبعا أنبياء الله المرسلين إليهم مثل (هود – صالح – شعيب).... هيا بنا نكمل الرحلة مع كتاب "من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن"....

    مع تحياتي


    من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن
    العلم الأعجمي في القرآن مفسراً القرآن
    المؤلف/رؤوف أبو سعدة
    ******

    أمم بائدة
    ****

    (1)
    هاروت - ماروت - بابل

    ليس في التوراة والإنجيل" هاروت وماروت" ولا ذكر في قصص أهل الكتاب لفتنة هاروت وماروت في بابل على نحو ما يقصه القرآن : {وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} (102) سورة البقرة.
    ولم تأت "هاروت" و"ماروت" و"بابل" في كل القرآن إلا مرة واحدة فقط، هي هذه الآية.

    ****

    وقد حار المستشرقون المنكرون للوحي على القرآن في تفسير أصل " هاروت " و" ماروت" ، لأنهم يبنون مقولاتهم في أعلام القرآن على فرض بات مسلما عندهم، لغوا به حتي حسبوه الحقيقة: القرآن يتوكأ على التوراة والإنجيل، ولا علم له بما وراء أقاصيص أهل الكتاب. وقد خلت التوراة والإنجيل من ذكر" هاروت" و" ماروت" ، فمن أين أتي القرآن بهما؟

    قالوا: ربما أخذهما القرآن نقلا عن الديانة الزرادشتية من "خُردت" "أمردت" في الفارسية البهلوية ("هَرفُوتت" ، أمُورتت" في الفارسية الأفستية) ومعناها " الكمال"، " الخلود" ، جائزة المتقين بعد الموت. ثم استدركوا على أنفسهم فقالوا إن العرب الجاهليين لم يستقوا عقائدهم من الفرس، فضلا عن أن التسمية بهذين الاسمين الفارسيين تشخيصا لملكين هبطا من السماء إلى الأرض ليعملا عمل هاروت وماروت، تسمية لا تنطبق ومن ثم لا تصح.

    وقالوا أيضا : ربما أخذ القرآن "هاروت" و"ماروت" من كتاب ينسب إلى أخنوخ (إدريس في القرآن على ما نرجحه نحن)، ضاع أصله وبقيت منه ترجمة باللغة السلافية القديمة، وفيه أن ملكين أحدهما "أريوخ" والآخر "مريوخ" أمرا بإغلاق الكتاب على نبوءات أخنوخ حتى تمام الدهور. وهي كما تري ليست مهمة هاروت وماروت في بابل على نحو ما وصفها القرآن. ولكنهم وجدوا في كتاب بالحبشية ينسب إلى أخنوخ أيضا، أن ثمة ملائكة هبطوا يعلمون الناس فنون السحر والشعوذة وقطع الأرحام، فربما أخذ القرآن التسمية من أخنوخ السلافي، وأخذ الوظيفة من أخنوخ الحبشي. إلى آخر ما قالوا.

    لم يهتد المستشرقون إذن إلى وجه في "هاروت وما روت" إلا هذا ، وهو ركيك كما ترى، ولكنه يريك إلى أي مدى يتخبط أولئك المستشرقون المنكرون الوحي على القرآن : زعموا أن القرآن يتوكأ على معاصريه من أهل الكتاب فكيف علم القرآن ما جهلوه؟ كيف حفظ هو أخبار أخنوخ السلافي وأخنوخ الحبشي، واضاع أصحاب التوراة الأصل العبري لسفر ينسب إلى أخنوخ؟ أكانت أنباء أخنوخ أخباراً يتناقلها الرواة على عصر النبي، خفي أمرها على يهود اليمن والحجاز والشام؟ فكيف خفيت على مفسري القرآن وقد توقفوا في هاروت وماروت؟ ولماذا اختلفت رواية أخنوخ السلافي عن أخنوخ الحبشي؟ أترجم الترجمان كل بمعزل عن " أخنوخ" واحد أم عن " أخنوخين" اثنين؟

    فكيف أخذ القرآن نتفة من هنا ونتفة من هناك؟ كيف تسني له الجمع بين هاتين الروايتين في نسيج واحد؟ أفقد اطلع القرآن على الترجمتين معاً فانفرد وحده بعلم السلاف والأحباش وخفي علم هؤلاء على هؤلاء؟ أو قد فرغ القرآن نفسه لجهد استنفد من جمهرة المستشرقين سنين في تتبع أخبار السلاف والأحباش والجمع بينها كي يصوغ منها في النهاية خبراً يأتي عرضاً في آية أو بعض آية؟ فما بالك بغير "هاروت وماروت" من أخبار القرآن، ومن علوم القرآن. وما أدراك ما علوم القرآن؟ أنى يتسع لبعض هذا جهد بشر، أو عقل بشر، أو عمر بشر، فرداً أو جماعة، وإن عكفوا عليه أجيالاً؟

    علي أن أحداً من هؤلاء المستشرقين - يهود ومسيحيين، ومنهم المؤمن والملحد لم يتوقف لمناقشة "سفر التكوين" في روايته لفتنة الملائكة ببابل، على ما مر بك من قوله إن "الله" هبط ببابل ليبلبل ألسنة الخلق فيتفرق شملهم و لا يتموا بناء المدينة ، ومقصوده بالطبع أن "الملائكة" هم الذين هبطوا، لا الله عز وجل (وهذا كثير في لغة التوراة): صاغ كاتب سفر التكوين روايته ليؤصل بها فهمه لمعنى "بابل"، وليفسر رأيه في سبب اختلاف ألسنة البشر، ولم يصب الكاتب كما مر بك في هذا وذاك جميعا، ناهيك بوهمه أن المدينة لم يتم بناؤها ، وربما شهد فيها أطلالا ظنها أبنية لم تكتمل (بنيت بابل حوالي 2800ق م ، وقد خربت وأعيد بناءها مرات، وكتب سفر التكوين على الراجح عند محققي نصوص التوراة بعد بابل الأولي بنحو ألفي سنة).

    هبط الملائكة إذن في بابل كما يقول سفر التكوين، ولكن لمهمة غير التي ذكرها الكاتب، لأن الملائكة إذا أمروا فعلوا، فتحقق مراد الله عز وجل، ولكن الملائكة لم يؤمروا بهذا الذي ذكره سفر التكوين، فلم يهبطوا من أجله ولم يفعلوه، بدليل أنه لم يحدث ، وهو لم يحدث - تقولها بيقين لا شك معه، لأن ألسنة الناس لم تتبلبل في "بابل" التي بنيت أول ما بنيت في مطلع الألف الثالثة قبل الميلاد، وإنما هي تبلبلت فبل مولد بابل - ومن ثم قبل نزول أولئك الملائكة المكرمين بقرون لا يعلم عدتها إلا الله: حسبك أن المصريين وجدوا في مصر قبل أن توجد بابل، وهم كما تعلم يتكلمون لغة غير اللغة، بل حسبك أن الشومريين الذين غلبهم الساميون البابليون على أرض العراق (بابل من بعد) عاشوا على أرض بابل قبل وفود البابليين على تلك الأرض، ولا صلة محققة بين اللغتين الشومرية والبابلية. قد تباينت ألسنة الناس إذن وتفارق الخلق من قبل أن تولد بابل، ولا حاجة من ثم بالملائكة إلى إحداث ما هو حادث.

    فيم إذن كان نزول الملائكة ببابل؟ اليس أقرب إلى المعقول ما ذكر في سفر أخنوخ الحبشي من أن ملائكة هبطوا إلى الأرض يعملون الناس فنون السحر والشعوذة و "قطع الأرحام" ؟ ألا يذكرك "قطع الأرحام" بما قاله القرآن في شأن هاروت وماروت: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} (102) سورة البقرة؟
    كيفما كان الأمر، فقد كان هاروت وماروت فتنة للناس. ولكنها لم تكن فتنة معماة، وإنما فتنة على بصيرة:
    {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} (102) سورة البقرة، أي تعلم منا هذا كيلا تعمله، إن حدثتك به النفس، أو علمك إياه شيطان.

    وتستطيع أن تنسق على هذا أن " هاروت " و " ماروت" الملكين المكرمين لم يكفرا بما علماه الناس في بابل، لأنهما كانا به مأمورين فتنة للمتلقين منهما، تبصيرا للناس، وزجرا للناس عن إتيان السحر وعن تعلمه وتعليمه.

    *****

    أما قول مفسري القرآن في " هاروت" و " ماروت" و " بابل" (راجع تفسير القرطبي للآية 120 من سورة البقرة) ، فقد توقفوا في تفسير معنى " هاروت" و " ماروت" مكتفين بأنهما علمان أعجميان منعا من الصرف للعجمة ، هذا يدلك على أن أهل الكتاب المعاصرين لهؤلاء المفسرين لم يكن لديهم هم أيضا شئ في تفسير معنى هذين العلمين ، فتستنبط من هذا أن أهل الكتاب هؤلاء كانوا إلى ما بعد عصر نزول القرآن لا يعلمون شيئا عن "أريوخ" و "مريوخ" في أخنوخ السلافي، ولا عن الملائكة الذين هبطوا إلى الأرض يعلمون الناس فنون السحر والشعوذة وقطع الأرحام في أخنوخ الحبشي، لا بأصل هذه الرواية ولا بترجمتها السلافية أو الحبشية اللتين استخرجهما المستشرقون من أوراق الكنيستين البلغارية والحبشية ، وان القرآن كان أسبق من هؤلاء وهؤلاء إلى مجمل هاتين الروايتين.

    وأما قول مفسري القرآن في معنى "بابل"، فقد تابعوا أهل الكتاب في تفسير معناها بالبلبلة، ورددوا دون تثبت رواية سفر التكوين في المقصود من ذلك هو التعليل لتفاوت ألسنة الخلق، ولم يلتفتوا إلى قوله عز وجل:
    {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} (22) سورة الروم، أي أن المخالفة بين ألسنة الناس آية ماضية في الخلق منذ بدء الخلق بآدم، شأنها شأن المخالفة بين ألوانهم، لا شان لها ببلبلة الملائكة في بابل: لو صح هذا الذي رواه سفر التكوين لتوقف عدد لغات أهل الأرض عند الذي انتهت إليه محنة بابل، ولكن الذي حدث هو أن لغات البشر لا تزال إلى اليوم تموت وتتوالد.

    ****

    علي أن "أريوخ"، "مريوخ" ، لم يجيئا في "أخنوخ السلافي" عبثا: إنهما على الراجح عندي الرسم السلافي لهذين العلمين القرآنيين "هاروت" و "ماروت" . ولكن القرآن لم يعربهما عن السلاف كما ظن أدعياء الاستشراق على ما مر بك، ولكنه عربهما عن الأصل الذي تكلم به الناس في بابل ، والذي تحرف على قلم مترجم كتاب" أخنوخ السلافي".

    فأنت تعمل أن مهبط هذين الملكين قد كان ببابل، فتقطع بأنهما تعرفا - أي تسميا- لأهل بابل بلغة أهلها.
    والبابلية لغة سامية بادت، وما تجمع للغويين من ألفاظها نزر يسير، على شك في صحة نطقه ومعناه، استظهروه من كتابات بخط مسماري سبق إليه شومريون - غير ساميين - فخلا من أصوات تختص بها اللغات السامية، واستخدمه من بعدهم البابليون على علاته، فلا تدري أفسد لسانهم باستخدام ذلك الخط أم اعتجم علينا نطق ما كتبوه، أم كلا الأمرين معا. ومن ثم لا يستطاع رد اشتقاق هذين الاسمين "أريوخ"، "مريوخ" إلى أصل بابلي مقطوع بمعناه. على أن في عبرية التوراة الاسمين العلمين "أريوخ"، "مريوت"، الأول بمعنى "الأسدي" (أي الشبيه بالأسد) والثاني بمعنى "المراء" على الجمع ( أي "مراءات") وكلاهما في عبرية التوراة علم مذكر. واللفظ "آرا" ، "آري" في كل من البابلية والعبرانية والآرامية معناه "الأسد" (وهي "هر" العربية بضم الهاء وتشديد الراء ومعناها الأسد لا "هر" مكسورة الهاء بمعنى "القط") ، أما الواو والخاء في "أريوخ" فهي في البابلية الفارسية تفيد النسب على الصفة. وربما قلت إن "مريوت" العبرانية أصلها "مريوخ" البابلية الفارسية (مري+ وخ) على النسب إلى "مري" يعني العجل المسمن (وهو "الماري" في العربية). ومن ثم يكون معنى هذين الاسمين "أريوخ" و "مريوخ" ، هو المنسوب إلى الأسد والمنسوب إلى العجل" الماري" . وليس على هذا أو ذاك دليل تستريح إليه.

    أما الذي نقوله نحن، فهو أن العلمين "هاروت" و"ماروت" لم تثبت لهما العلمية في الكتب السابقة حتي يلتزم القرآن بالاتيان بهما على ما جاءا به في التوراة والإنجيل على نحو ما مر بك، وإنما جاء بهما القرآن على أصلهما في العربية الأولي. وقد جاء بهما القرآن على زنة المبالغة "فعلوت"، كما تجئ "طاغوت" من "طغي"، "جالوت" من "جلا" ، "طالوت" من "طال".

    إنهما على الراجح عندي تعريب على التفسير من الهراء والمرية، أو الهرء والمأر (أي القطع والإفساد) ، تسمية لهما لذلك "العلم" الذي علماه الناس في بابل، وكانت به " الفتنة" التي تعرفا بها للناس : {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} (102) سورة البقرة.

    أما " بابل" في القرآن فهي مفسرة بذاتها لا تحتاج إلى تفسير، وقد علمت أنها من البابلية " باب+ ايلو" ، أي "باب + إل" ، يعني "باب الله" ، سهلت همزتها على المزجية ، ورغم أنها جاءت على وزن شائع في العربية وهو "فاعل"، فقد منعت من الصرف للعلمية والتأنيث قبل المزجية وقبل العجمة.

    ولكنك تستشف من القرآن تفسيرا لمعنى بابل بالتصوير، أي بالسياق العام. فأنت تعلم أن البابليين كانوا من عبدة الكواكب، يديمون النظر في النجوم، وأنهم بنوا ذلك "البرج" الذي سميت به المدينة من بعد "باب ايلو"، والمقصود بالطبع "باب السماء" ، معبدا لإلههم الأكبر"مردوخ" (كوكب المريخ على الراجح)، كوة نافذة في السماء يرصدون منها آلهتهم هذه، على نحو ما فعل فرعون: {فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} (38) سورة القصص.

    أرادوها كوة نافذة في السماء يرقبون ويتسمعون، فكان لهم ما أرادوا : كان "الباب" الذي صنعوا ، باباً نزل عليهم منه هاروت وماروت بالفتنة: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} (102) سورة البقرة.

    (2)
    هود – إرم - عاد

    لا يعرف أهل الكتاب "هودا" ولا "عادا" ولكنهم يعرفون "إرم"، وهي عندهم "آرام" يعني "العالية" أو "المعلاة"، من الجذر العبري "رام/يروم" أو "رام/يرام"، أي ارتفع وعلا، فهو عال وعلي، ومن هذه "أبرام" ، أي "أبو العلاء"، اسم إبراهيم عليه السلام في التوراة، قبل أن يبتليه الله بكلمات فيتمهمن، فيسميه باسمه المعروف "إبراهيم". وسيأتي. ولا تزال أحرف هذا الجذر باقية في العربية تجدها في "رامه" يعني طلبه، وكأنها من استشرفه وتطلع إليه، وتجدها أيضا في "رمى" (لازما غير متعد) بمعنى ربا وزاد، وتجدها كذلك في "رام عليه" بمعنى فضل عليه زاد. لكن "رام" بمعنى علا وارتفع، غير معروف في العربية، فتستظهر من هذا أن "إرم" أعجمي غير عربي، يحتاج إلى تفسير في القرآن. وإلا لظننت "إرم" عربية من "أرمه" يعني استأصله وأفناه، أو أنها "الإرم" بمعنى الحجارة أو نحوها تنصب في المفازة ليهتدي بها (وتجمع على آرام وأروم) أو ظنتها بمعنى الأصل و"الارومة"، وقد فصل القرآن في هذا كما ستري.

    علي أن عجمة "إرم"، وهي مدينة عاد قوم هود، توحي إليك بأن عاداً وهوداً لفظان أعجميان كذلك ، أعني أنهما من "العبرية الأولي"، التي يحتاج فهمها أحيانا إلى بحث في فصائل سامية عن جذور أميتت في العربية وبقيت حية في غيرها تقول بعجمة "هود" و"عاد" على الإتباع لعجمة "إرم" جازما قاطعا، لأن الرسول والمرسل إليهم واحد.

    ***********

    أما مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآيات 65-69 من سورة الأعراف والآيات 50-60 من سورة هود) فقد اتفقوا على عجمة "عاد"، اسم رجل تسمت به قبيلته، نسبه ابن إسحاق إلى نوح فقال: هو عاد بن عوص بن إرم بن شالح ابن أرفخشد بن سام بن نوح (وكأنه يستقي من أحبار يهود ولكنهم لا يعلمون الكتاب إلا أماني كما قال الحق سبحانه فليس هذا هو عمود النسب في سفر التكوين بل ليس فيه أصلا "عاد"). ولكنهم تفاوتوا في عجمة "هود" (الاسم لا المسمي بالطبع) فقال بعضهم هو عربي تشتقه من الجذر العربي"هاد/يهود" أي تاب ورجع إلى الحق، وقال الباقون ومنهم ابن إسحاق إن"هودا" أعجمي، فهو هود بن عبدالله ابن رباح بن الجلود بن عاد بن عوص بن إرم الخ. وهذا أيضا على خلاف عمود النسب في سفر التكوين، بل ليس فيه أصلا هود، ناهيك بعبد الله والجلود.

    أما قول مفسري القرآن في "إرم" (راجع تفسير القرطبي للآيتين 6-7 من سوه الفجر) فمنهم من قال جد عاد، نسبت إليه القبيلة فجاء اللفظ على التأنيث (ذات العماد) ومنهم من قال بل هو اسم مدينتهم، وشرحوا"ذات العماد" بأنها الأبنية العالية المرتفعة – وهو الصحيح في اللغة – وكأنهم يبنون أبنيتهم على العُمد. ومنهم من أشكلت عليه "عاد الأولي" (النجم:50) فظن أنهم "عادان"، أولى وثانية، "عاد إرم"، "عاد هود"، والصحيح ما قاله الآخرون، فليس إلا "عاد" واحدة، أهلكها الله أولا، ثم ثني بــ "ثمود"، فالقرآن لا يذكر عادا قوم هود إلا وهو يتبعها بثمود قوم صالح.

    علي أن في حضرموت نبعا يدعي "برا- هوت"، اشتهر منذ القدم بأدخنته الكبريتية، بجواره قبر يدعي قبر"هود" يزوره الناس إلى اليوم ويتبركون به. يصح هذا أولا يصح فنحن لا نستطرد بك إليه، ولكن المستشرقين الذين ذكروه يلفتون النظر إلى ما قاله المفسرون من أن "عادا" كانت منازلهم ما بين اليمن وحضرموت، فهو إذن من أنبياء العرب. ويري هؤلاء المستشرقون أيضا أن هودا هو نفسه "عابر" الذي يرتفع بنسبه إلى سام بن نوح. وإلي عابر هذا ينتسب "العبرانيون" كما تعلم. وربما شجعت الجالية اليهودية في شبه الجزيرة هذه المقولة رغبة في إيجاد نسب موغل في القدم بينهم وبين مضيفيهم، تأليفاً لقلوب العرب عليهم، فقالوا إن "يهود" جاءت من "هود"، فهم إذن بنو- هود، النبي العربي. وليس بشئ إن أردت قرابة النسب، فاليهود أنفسهم يشتقون "هو" من "يهودا" بن يعقوب (وتنطق داله في العبرية ذالا لاعتلال ما قبلها كما مر بك) وليس تاصيل الأنساب من مقاصد هذا الكتاب الذي نكتب. ولكن لا بأس بهذا الذي قيل في أخذ "يهود" من "هود" إن أردت القرابة اللغوية في النحت والاشتقاق، ولو أن اللغات السامية جميعا في هذا سواء.

    *********

    أما "هود"- إن أردتها عربية- فهين تسمية مشتقة من الجذر العربي هاد/ يهود/هودا، فهو "الهائد"، أي التائب الراجع إلى الحق (وتاب وثاب وآب كله واحد). تجد تأصيل هذا في القرآن من قوله عزوجل على لسان موسى في فتنة السامري: { إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ * وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} (155-156) سورة الأعراف، أي رجعنا وأنبنا. لا تجد لها تأصيلا في العربية إلا من القرآن، وفي هذه الآية بالذات. ومنها أيضا يشتق القرآن معنى اسم اليهود (وسيأتي في موضعه) فيسميهم الذين هادوا في عشرة مواضع من مثل قوله عزوجل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ} (62) سورة البقرة، ويسميهم أيضا"هود" (جمع "هائد" أي الذي هاد) في ثلاثة مواضع من مثل قوله عزوجل يحكي مقالتهم: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ} (135) سورة البقرة، نافيا أن يكون هذا هو اسمهم قبل أن يقولها موسى: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى} (140) سورة البقرة.

    وليس معنى القول بعربية اسم "هود" - على إيغاله في القدم كما مر بك - أنه بالضرورة من هذه العربية نفسها التي نزل بها القرآن، وإنما المعني أن اسمه من"العربية الأولى" التي تكلم بها سكان شبه الجزيرة جميعا منذ أزمان سحيقة لا يعلمها إلا الله، وتفرقت من بعد في الساميات جميعا، وإنما نفهم نحن مفرادتها الآن بخاصية في تلك اللغة الفذة، هي "جذرها الثلاثي"، الذي تدور معانيه على أصل حروفه. وقد أصل القرآن معنى "هاد" على التوبة والإنابة، فهو كما قال، لأن القرآن هو الشاهد لتلك اللغة العربية في كافة مراحل تطورها، لا حاجة بك معه إلى غيره.

    وربما قلت إن "الهائد" تفيد "المهدي"، لا لقرابة ما بين الجذرين" هدي" و"هاد" فحسب، وإنما أيضا لأن "الهائد" هو عكس "الضال". وفي هذا لفتة بعيدة المغزى قد تفوت على كثيرين: إنه نعت ينطبق على كل نبي بعث في قوم ضلوا جميعا سواء السبيل، ليس فيهم إلا هو وحده الذي انسلخ من ضلالتهم: هاد إلى الله وحده، فبعثه الله إليهم ليهديهم به، ولا يهدي غيره إلا الذي هاد من قبل، فهو الهائد المهدي، وهو الهادي المهتدي.

    لم يكن "هود" عليه السلام من أنبياء التوراة، فجاء اسمه في القرآن على أصله عربيا، على ما مر بك من منهجنا في هذا الكتاب، لا يحتاج إلى "فك عجمته" بالتفسير، إلا ما كان من تأصيل معنى الجذر"هاد" في قوله عزوجل على لسان موسى: "إنا هدنا إليك".

    علي أن أسفار التوارة (أخبار الأيام الأول 7/13) الاسم "هود" (مداً بالضم لا بالواو كما في "يوم" العربية العامية أو في Home الانجليزية) علماً على رجل من عامة سبط أشير، ليس بنبي أو رسول. ولكن علماء التوراة لا يشتقون "هود" الإسرائيلي هذا من التوبة والإنابة، ولكنه عندهم مصدر أميت جذره وبقي المصدر في لغتهم بمعنى الجلال والجمال والسناء، ومنه في العبرية المعاصرة"هود ملخوتو" خطاباً للملوك بمعنى "صاحب الجلالة". ولو كان المعني هو "هود" النبي لشاعت التسمية في بني إسرائيل، وهو مالم يحدث.

    ********

    أما "عاد" و"إرم" فلا مجال لاشتقاقهما من العربية التي نزل بها القرآن، وإنما تشتقهما من العربية الأولي مستعينا بما بقي من جذروها في الآرامية والعبرية، ومن ثم كانتا من الأعجمي الذي يفسره القرآن.

    "عاد" في الآرامية – العبرية معناها "الأبد" و "الخلود". ومنها في العبرية "لعاد"، يعني "إلي الأبد". فهي الباقية الخالدة التي لا تزول. وقد جاءت مفسرة في القرآن مرتين، الأولي على الترادف في قوله عزوجل: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ} (8:6) سورة الحاقة. وفسرت في المرة الثانية على التقابل في قوله عز وجل: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى} (51:49) سورة النجم، أي ما عادت عاد ولن تعود.

    وأما "إرم" فهي في الآرامية - العبرية مشتقة من العلو والعلاء، فهي العالية والمعلاة، كما مر بك من معنى الجذر العبري "رام – يروم" . وقد وردت" إرم" في القرآن مرة واحدة فسرت فيها بهذا المعني نفسه، ولم يفطن إليه مفسرو القرآن رغم علمهم بأن " ذات العماد" تعني المدينة ذات الأبنية العالية المرتفعة: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} (8:6) الفجر، وهو تفسير على الترادف اللصيق: إرم = ذات العماد. ودل قوله عزوجل "لم يخلق مثلها في البلاد" على أن القرآن يريد إرم المدينة لا عاداً القبيلة كما وهم بعض المفسرين الذين ظنوا أن إرم في القرآن هي نفسها عاد، اسم القبيلة، نسبة إلى الرجل إرم بن سام بن نوح، وليس هذا بفصيح في عربية القرآن الذي إذا أراد القبيلة جاء بضمير الجمع للمذكر: "وأما عاد فأهلكوا"، وإذا أراد المدينة أي الموضع استخدام ضمير المؤنث: "التي لم يخلق مثلها في البلاد".

    أما " الإرميون" أصحاب إرم، أعني الناجين منهم مع هود، فهم آباء "الآرامين" الذين قدر لسلالة منهم في "الحجر" إلى الجنوب الغربي من تيماء بالمملكة العربية السعودية على طريق القوافل إلى الشام أن تسكن في نواحي "الحجر" ما يعرف إلى اليوم باسم "مدائن صالح" أو "قرآ صالح"، التي قيل أن الرسول صلي الله عليه وسلم في غزوة تبوك نهى عن التلبث بأطلالها كراهة المكث بموضع السخط والنقمة: إنهم "ثمود" أصحاب "الحجر"، قوم صالح.

    (3)
    صالح - ثمود

    يرد الاسم "إرم" في التاريخ المدون، وفي جغرافية التوراة، بصورة عبرية آرامية هي "آرام" ليست هي إرم عاد التي في القرآن، وإنما المراد منها هو"سورية" بالمعني العام، سميت بهذا الاسم نسبة إلى قوم من العرب وفدوا عليها حوالي القرن الخامس عشر قبل الميلاد: جاءوها بلغتهم هم "الآرامية"، وخلعوا عليها اسمهم هم "الآراميين"، فصارت سورية "ارس آرام" أي أرض آرام.وقد مر بك أن "إرم" فسرت في القرآن بمعنى العالية أو المعلاة (إرم ذات العماد)، وهو نفسه معنى لفظ "آرام" في اللغتين العبرية والآرامية، فتقطع بأن "الآراميين" هم "الإراميون" أصحاب إرم التي في القرآن، سلالة من الناجين مع هود تفرقوا في البلاد في عصور سابقة على وجود الآراميين في سورية. دليلك في هذا من القرآن على لسان صالح عليه لاسلام يحذر قومه مصير أسلافهم قوم هود: {وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ} (74) سورة الأعراف، ولم تخلف ثمود عادا على نفس الأرض، فشتان ما بين الحجر في الشمال الغربي من شبه الجزيرة وبين "آرام نهريم" أي آرام ما بين النهرين، يعني "إرم العراق"، وإنما كان أصحاب الحجر فحسب "سلالة من الناجين مع هود" خرجوا بعد نكبة "إرم ذات العماد" من ناحية ما في جنوبي بابل إلى حضرموت واليمن يحملون معهم اسم مدينتهم "إرم" أو "آرام" التي صارت علما عليهم فسموا "الإراميين" أو "الآراميين"، ثم ارتحلت بطون منهم في زمن لاحق إلى الشمال، ثم استقرت فصائل منهم في منطقة الحجر على طريق القوافل إلى الشام، كانوا هم "ثمود" قوم صالح. وتلمح في قول صالح عليه السلام يعظ قومه: {وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا} (74) سورة الأعراف، أن ثمود أرادوا محاكاة"ذات العماد" في العلو تحناناً إلى موطنهم القديم، ولكنهم لم يذكروا آلاء الله عليهم. بل ظلموا بها، فدمر الله عليهم "إرم الثانية"- إرم صالح- كما أهلك من قبل "عاداً الأولى"، إرم هود. ومن هذا قوله عزوجل: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى} (50:49) سورة النجم، فتفهم أن ثمود هي "عاد الثانية".

    ***********

    لم يكن صالح عليه السلام من أنبياء التوراة، ومن ثم فاسمه كما علمت من منهجنا في هذا الكتاب، يجئ على أصله عربيا، لا يحتاج إلى تفسير. ولا يترتب على عربية هذا الاسم أن صالحا عليه السلام كان عربيا من بني إسماعيل، بل هو آرامي من قوم آراميين، سلالة من الناجين مع هود، واسمه – كاسم هود- مشتق من العربية الأولي التي تفرقت جذورها في الساميات جميعا. دليلك في هذا أن صالحا سبق إبراهيم – أبا إسماعيل وعم لوط- بقرون لا يعلم عدتها إلا الله. ودليلك فيه أيضا أن "قري صالح" أقرب إلى الشام من الحجاز، ناهيك باليمن.
    علي أن الجذر العربي"صلح" باق بذات حروفه ولفظه ومعناه في العبرية والآرامية، ومنه على زنة الفاعل في الآرامية بالذات- لغة قوم صالح كما مر بك - "صاليح" (مدا للام بالكسر لا بالياء كما تنطق في "ليه" العربية العامية أو في Late الانجليزية) بمعنى "الذي صلح". فهو إذن في العربية والآرامية واحد، يعرب فقط بتقصير مد "كسرة اللام"، فيؤول إلى "صالح" العربية بنفس معناها ونطقها في القرآن.
    "صالح" إذن مفسر في القرآن بالتعريب وحده، بل هو أبين أمثلة القرآن في التفسير بالتعريب.

    وقد ذهب مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآيتين رقم 73 كم سورة الأعراف ورقم 80 من سورة الحج) إلى أن صالحا وقومه كانوا قوما عربا، ولكنهم نسبوهم إلى العرب البائدة كعاد وطسم وجديس، وهذا يطابق ما قلناه نحن إن تمعنت لأن سكان شبه الجزيرة جميعا عرب بالمعني العام، لا يقدح في هذا تفاوت لهجاتهم ومنطقهم مهما بعدت عن العربية التي نزل بها القرآن. وهذا يدلك أيضا على علم العرب قبل القرآن بثمود، لا بوصفهم قوم صالح، وإنما بوصفهم قبيلة من قبائل العرب التي بادت، وهو علم شاركهم فيه أهل الكتاب معاصرو القرآن، وإن خلت أسفار التوراة من النص على قصة صالح مع قومه. بل قد ذكر مؤرخو اليونان، قبل القرآن بقرون "ثمود" و "لحيان"، وقالوا إن منازلهم كانت من جنوب العقبة إلى نواحي شمال ينبع بالقرب من الويلح وأنه كانت منهم جموع منتشرة في داخل البلاد إلى نواحي خيبر وفدك. وليس هؤلاء بالطبع هم "ثمود صالح"، وإنما هم سلالة من الناجين مع صالح، خلفوهم وانتسبوا إليهم.

    *******

    أما "ثمود" فهي عربية أيضا بالمعني الذي ذكرناه: ثمد الماء يعني قل، وثمده هو يعني استنفد معظمه، وثمد الناقة يعني اشتفها بالحلب، وثمده يعني استنفد ما عنده، والثمد يعني الماء القليل الذي ليس له مدد، أو هو المكان يجتمع فيه الماء، من ثمد المكان يعني هيأه كالحوض ليجتمع فيه الماء. وعلي هذا تكون "ثمود" على زنة فعول بمعنى فاعل، أو فعول بمعنى مفعول، على المعاني الذي ذكرت لك، فهم أصحاب الماء القليل، يستنبطونه من الأرض ويحوضونه، الحريصون عليه. يذودون عنه ويمنعونه، فهو حجر عليهم، حرام على غيرهم. ومن هنا جاءت تسميتهم "أصحاب الحجر" (الحجر:80).

    وقد جاءت "ثمود" مفسرة في القرآن بالتصوير في فتنة الناقة التي جعلها الله لهم آيه: {إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ * وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} (28:27) سورة القمر، "تشتف" ماءهم كله يوما، وتفيضه عليهم في الغداة لبنا إذ لا ماء لهم، "فيشتفونها"، "تثمدهم" و "يثمدونها".

    وقد وهم بعض مفسري القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 38 من سورة الفرقان) أن "أصحاب الرس" هم ثمود قوم صالح، أصحاب تلك "البئر الحجر" لأن "الرس" في العربية معناها "البئر". وقد وردت "الرس" في القرآن مرتين: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا} (38) سورة الفرقان، {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ} (12) سورة ق. ولا يصح قول المفسرين في هذا لأن القرآن يعطف بالواو أصحاب الرس على ثمود في الآية الأولى، ويعطف ثمود على أصحاب الرس في الآية الثانية، لا يجتزئ من الواحدة بالأخرى كما قال "أصحاب الحجر" يعني قوم صالح، وكما قال "أصحاب الأيكة" يعني أهل مدين، قوم شعيب. أصحاب الرس إذن ليسوا قوم صالح، وإنما هم قوم آخرون أخبر القرآن بمهلكهم، ولم يسم نبيهم، في قرون قد خلت بين نوح وإبراهيم. بل وبعد إبراهيم، كما قال عزوجل: {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} (45) سورة الحـج، وإن كان قد وجد من المفسرين(راجع تفسير القرطبي لهذه الآية من سورة الحج)، من جمع بين تلك البئر المعطلة وبين بئر ثمود. كل هذا يعارض ظاهر القرآن، فلا تلتفت إليه.

    ********

    وقد بقي في العبرية والآرامية من "ثمد" العربية الجذر العبري- الآرامي "شمد" (بإبدال الثاء شينا)، بمعنى الاستئصال والإبادة، وهو من معنى الاستنفاد والاشتفاف في ثمد العربية جد قريب. وتستخدم العبرية المعاصرة الفعل"شمد" بمعنى محدد هو "استصفاء" اليهودية، يعني تصفيتها سلما، بإجبار أهلها كرها على الخروج منها إلى "المسيحية" في عصور اضطهادهم في أوربا، لا بمعنى إبادة أهلها وإهلاكهم، على أصل معنى "شمد" في عبرية التوراة، وربما قلت إن "ثمود" في القرآن جاءت تعريبا لـ"شمود" العبري أو "شميد" الآرامي على المفعولية من الجذر العبري- الآرامي "شمد" فهو الهالك البائد بمعنى "شمد" في عبرية التوراة. ولا يصح هذا، فلا أحد يسمي نفسه الهالك البائد وقد تسمت به قبيلة من كبرى قبائل العرب خلفوا "ثمود" قوم صالح كما مر بك. وإنما الصحيح أن "ثمود" جاءت من العربية الأولى بمعنى قل ونضب واستنفد واشتف، قبل أن تتحور في عبرية التوراة إلى باد وهلك.


    (4)
    شعيب - مدين

    مر بك أن القرآن يضع شعيبا في الترتيب الزمني بعد لوط. ومر بك أيضا أن لوطاً من معاصري إبراهيم. بل كان إبراهيم عم لوط كما تنص التوراة. والقرآن ينص على تعاصر إبراهيم ولوط، لأن الملائكة الذين بعثوا لإيقاع العذاب بقوم لوط، مروا في طريقهم على إبراهيم يبشرونه بإسحاق. نص القرآن على هذا في أكثر من آية، منها قوله عزوجل: {وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} (70:69) سورة هود. شعيب إذن بعد إبراهيم بلا خلاف، لمجئ شعيب بعد لوط معاصر إبراهيم أو ابن أخيه كما تقول التوراة. دليلك في هذا من القرآن أن لوطا لم يعلم بشأن شعيب مع قومه، بل حذر لوط قومه مصير قوم نوح وقوم عاد وقوم صالح، وما كان ليحذرهم مصير قوم شعيب، وشعيب لم يبعث بعد. أما شعيب فهو يحذر قومه مصير قوم لوط: { وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ} (89) سورة هود.

    لم يكن أهل مدين- الواقعة جنوبي خليج العقبة- يسكنون بعيدا عن مدائن لوط، وقد بقيت منها "صوعر" على الشاطئ الجنوبي الشرقي من البحر الميت. ولم يكن "يوم الظلة" - مهلك الذين ظلموا من قوم شعيب - بعيداً كل البعد من فجر يوم وضع فيه جبريل جناحه تحت "القرية التي كانت تعمل الخبائث" فجعل عاليها سافلها.

    ولكن التوراة التي اهتمت في سفر التكوين بتدوين ما كان من شأن لوط مع قومه، تصمت الصمت كله عما كان من شأن شعيب مع أهل "مدين"، على قرب مدين من مساكنهم. والتوراة تغفل الحديث عن قصة شعيب مع قومه عمدا، رغم هول العذاب الذي حاق بمن ظلموا من قومه، ورغم قرب "مدين" من "صوعر"، ورغم أن شعيبا تلا لوطاً وإبراهيم بفارق زمني "غير بعيد"، ولم يسبقهما، ورغم أن التوراة تذكر "مدين" بنحو ما ذكرها القرآن في قصة لجوء موسى إلى "مدين" فرارا من بطش فرعون بعد أن قتل موسى ذلك المصري الذي بغي على رجل من قومه. تتعمد التوراة إغفال شعيب - على الراجح عندي - لأنه عندها كان نبيا من غير بني إبراهيم، ولم يكن أيضا من بني يعقوب، أي من بني إسرائيل، الذين كتبت التوراة لتسجيل أخبارهم ونبواتهم. وهو - على الراجح عندي أيضا- سبب إغفال التوراة هودا وصالحاً كذلك، كيلا تضع أنبياء بين نوح وإبراهيم. وإنما حرصت التوراة على ذكر"نوح" كي تربط ما بين إبراهيم وآدم. وقد تعجل كاتب سفر التكوين هذا النسب كما مر بك بين آدم ونوح، وبين نوح وإبراهيم، حتى لتكاد تستخلص من حساباته أن نوحا كان أو يكاد من معاصري إبراهيم، فكيف يكون بينهما نبي؟

    وربما قلت إن أسفار التوراة لم "تتكتم" أخبار شعيب، وإنما هي لم تعلم أصلا بمبعث شعيب إلى أهل مدين في التوراة ما بين لوط إلى موسى، لغياب بني إسرائيل آنذاك عن مسرح الأحداث في فلسطين وما حولها منذ خروج يعقوب وبنيه إلى مصر في ضيافة يوسف واحتباسهم فيها نحوا من أربعمائة وثلاثين سنة كما تقول التوراة حتى خروجهم منها إلى تيه سيناء مع موسى: اهتمت أسفار التوراة بأخبار بني إسرائيل في مصر سنوات احتباسهم فيها (وإن كانت في واقع الأمر تجتزئ اجتزاء مخلا فتنقلك فجأة من وفاة يوسف إلى مولد موسى غير عابئة بأحداث ما كان بين هذين النبيين الكريمين اللذين يفصل ما بين مبعثهما حوالي أربعة قرون) ولم تهتم، بل قل ولم تعلم، بما وقع خارج مصر خلال تلك القرون الأربعة، أخبار شعيب أو غير شعيب. وهذا التعليل - على وجاهته - مردود بما تقصه عليك التوراة من لجوء موسى إلى مدين فرارا من بطش فرعون، وإصهاره إلى "كاهن مدين"، وبقائه عنده عشر سنين، بل وعودته إلى لقاء صهره في التيه بعد خروج بني إسرائيل من مصر، فباركه صهره وأشار عليه باختيار نقباء يقومون مقام موسى في قومه. يحدث هذا كله ولا يقص عليه "كاهن مدين" شيئا مما كان من أمر شعيب في أهل مدين، إن سلمت بأنه قد كان ثمة "شعيب" بعثه الله إلى أهل مدين في الفترة ما بين لوط إلى موسى، ناهيك بأن تقول كما قال جمهور مفسري القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 85 وما بعدها من سورة الأعراف) أن صهر موسى هذا هو بعينه شعيب عليه السلام "أخو مدين".

    علي أن التوراة لا تعترف لأحد من خارج بني إبراهيم بالنبوة مهما كان على دين الواحد الأحد، فلا تسميه "النبي" وإنما تسميه "الكاهن". من ذلك "ملكي - صادق" ملك شاليم (وهي "سليم" العربية)، الذي بارك إبراهيم وأدي له إبراهيم "العشر من كل شئ"، وتقول عنه التوراة "وكان (أي ملكي - صادق) كاهنا لله العلي" (راجع تكوين 14/18-20), ومن ذلك أيضا "يثرو" حمو موسى، الذي تسميه التوراة "كاهن مدين" (خروج 3/1).

    ولحمي موسى عند أصحاب التوراة اسم ثان هو "حُباب" (وكأنه "الحُباب" عربيا فليس في أعلام بني إسرائيل من تسمي به)، وله أيضا اسم ثالث هو "رعوئيل"، ومعناها "راعي الله"، ويفسرونها في العبرية بمعنى "خليل الله". على أنك تستنبط من أسفار التوراة نفسها اسما رابعا لحمي موسى هو "دعوئيل" (بالدال لا بالراء) لأن أسفار التوراة تخلط بينه وبين "رعوئيل" (بالراء لا بالدال) في تسمية شخص بعينه، تسميه "إلياساف بن دعوئيل" (بالدال) في سفر العدد(1/14) ثم تسميه هو نفسه "الياساف بن رعوئيل"(بالراء) في الإصحاح التالي مباشرة من السفر (عدد2/14). وقد عالج علماء العبرية تفسير معنى اسم دعوئيل هذا (بالدال) فقالوا إنه من الجذر العربي "دعا"، فهو "داعي الله"، لأنه لا وجود في العبرية للجذر "دعا"، فتفهم أن "رعوئيل" عندهم تحرفت إلى "دعوئيل" لاشتباه رسم الدال بالراء في الخط العبري كما هما في الخط العربي، أو أن "دعوئيل" العربية هي التي تحرفت عليهم فصارت " رعوئيل" وهو الراجح.

    (قد تفهم من (عدد 10/29) أن "حُباب" هذا هو ابن رعوئيل حمي موسى، وتقرأ لعلماء التوراة بعض يقول بل حباب حموه، وآخرون يقولون بل رعوئيل هو أبو حمي موسى. وصدق الحق إذ يقول في وصف القرآن: { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} (82) سورة النساء.)

    كيفما كان الأمر، فسفر التكوين ينص على أن أهل مدين ("مديان" في عبرية التوراة) عرب من العرب. تستخلص هذا من رواية سفر التكوين لقصة يوسف حين أئتمر به إخوته فباعوه "للإسماعيليين بعشرين من الفضة. فأتوا به إلى مصر" (تكوين 37/28)، فتفهم من هذا أن الإسماعيليين هم الذين أتوا بيوسف إلى مصر. ولكنك تفاجأ في نهاية هذا الإصحاح السابع والثلاثين من سفر التكوين بأن الذين أتوا بيوسف إلى مصر وباعوه هناك "مديانيم"، أي رجال من أهل مدين: "وأما المديانيون فباعوه في مصر لفوطيفار خصي فرعون رئيس الشرط" (تكوين 37/36). وهو تناقض لا سبيل إلى حله إلا بأن تتعلل لسفر التكوين بأنه لا يفرق بين الإسماعيليين والمديانيين: كلا الفريقين عنده عرب من العرب.

    (لم يشع إطلاق الإسماعيليين عند اليهود على العرب عامة إلا بعد موسى عليه السلام بقرون، وما كانوا ليسمونهم كذلك على عصر يعقوب ابن أخي إسماعيل والإسماعيليين آنذاك بنو عمومتهم الأقربون. وهذا يدلك بالنقد اللغوي وحده على أن سفر التكوين – أول أسفار التوراة-كتب بعد موسى بقرون. ومن دلائل هذا أيضا استخدام سفر التكوين عبارة "يهواه إلوهيم" اسما لله عزوجل. كانت "إل"و "إلوهيم" اسم الله على عصر إبراهيم وما تلاه، ولم تعرف "يهواه" في العبرية إلا منذ موسى. أراد الكاتب الجمع بين القديم والحديث تدليلا على قدم أخبار سفر التكوين. ولكنها أعضلت على المترجم العربي فقال "الرب الإله"، وليس بجيد لأن "يهواه" يعني الله فحسب، ولكنه اضطر إلى ذلك كراهة أن يقول "الله الإله". والأجود عندي أن يترجم العبارة إلى "الله " الجامعة لكل أوصاف الألوهية، وفيها الغناء.)

    تخلص من هذا إلى أن "أهل مدين" عند اليهود عرب من العرب، كانوا على طريق القوافل من خليج العقبة في شمال غربي شيه الجزيرة إلى مصر، عبر سيناء، وتلك بالفعل كانت مساكنهم في جغرافية التوراة (راجع الخرائط الملونة، الكتاب المقدس، طبعة العيد المئوي (1883-1983)، دار الكتاب المقدس بمصر).

    وإذا كان أهل مدين عربا من العرب، فأخوهم شعيب كذلك، لا معنى للقول بخلافه، فالرسول والمرسل إليهم واحد كما مر بك. وليس معنى هذا أن مدين وشعيبا كانوا بالضرورة يتحدثون بتلك العربية التي نزل بها القرآن، وإنما المعنى أنهم كانوا يتحدثون بتلك اللغة العربية في مرحلة ما من مراحل تطورها إلى العربية التي نزل بها القرآن بعد نحو ألفي سنة من مبعث شعيب عليه السلام رسولا إلى أهل مدين.

    *******

    ولأهل مدين في القرآن اسم آخر، هو"أصحاب الأيكة". قال عزوجل: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} (85) سورة الأعراف، وقال أيضا: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} (178:176) سورة الشعراء، فتفهم أن مدين وأصحاب الأيكة واحد، لا لوحدة الرسول فحسب ولكن لأن شعيبا يأخذ على هؤلاء ما يأخذ على أولئك: يأخذ عليهم خسرانهم الكيل والميزان، وبخسهم الناس أشياءهم وعثوهم في الأرض مفسدين.
    وقد ظن بعض المفسرين أن "مدين" قوم غير "أصحاب الأيكة"، بعث شعيب إلى الثانية بعد ما فرغ من الأولي. ظنوا هذا لأن القرآن فيما رأوا فرق بين عذاب أصحاب مدين، الذين أهلكوا بالصيحة والرجفة: {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} (94) سورة هود، {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} (91) سورة الأعراف، وبين عذاب أصحاب الأيكة الذين كانوا شعيبا، {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (189) سورة الشعراء، والظلة غير الصيحة والرجفة (راجع ما رواه القرطبي في تفسيره للآيات 176-189 من سورة الشعراء). وليس بين يديك حديث يحسم الأمر، ولكنها أقوال الرواة: رووا أن الظلة سحابة احتموا بها من الحر الشديد فوجدوا لها بردا ونسيما، وما اجتمعوا تحتها حتى انقلبت عليهم نارا أحرقتهم، أو أنهم احتموا بأيكتهم فأضرمها الله عليهم، كالمحتمي من الرمضاء بالنار. وليس هذا كله بلازم، فالصيحة ايضا غير الرجفة، فبأيهما كان مهلك أهل مدين؟

    الصواب أن يقال إن الصيحة هي صيحة جبريل عليه السلام، إيذان بإيقاع العذاب، وأن الرجفة هي أثر الصيحة، وتقول أيضا وما يمنع أن يجتمع على أهل مدين عذاب الرجفة وعذاب الظلة: ركضوا إلى البرية كما يركض الفار من الزلزال حين أحسوا الرجفة، يحتمون بأيكتهم، فأضرمها الله عليهم نارا إذ لا عاصم من أمر الله إذا جاء. وتقول أخيرا وما يمنع في اللغة أن تكون "الظلة"، هي فحسب غاشية العذاب الذي حل بهم ("أظله" بمعنى غشيه ولزمه) فأظلهم، لا ملجأ لهم منه؟ نقول هذا ولا نخوض في غيب الله، فالله عزوجل بغيبة أعلم.

    ********

    أما الذي ألجأ مفسري القرآن إلى القول بأن شعيبا أخا مدين هو نفسه "الشيخ الكبير" الذي حل عليه موسى في مدين فزوجه إحدى ابنتيه على أن يأجره ثماني حجج أو عشرا (راجع الآيات 22- 28 من سورة القصص)، أي كاهن مدين في سفر الخروج، "يثرو" أو "حُباب" أو "رعوئيل" (وربما "دعوئيل" أيضا على ما مر بك)، فلأن شعيبا ما كان ليوجد إلا في الفترة ما بين لوط إلى موسى بنص القرآن وما كان ليوجد إلا في مدين هذه التي لجأ إليها موسى، وما كان يثرو هذا ليكون هو نفسه شعيبا إلا إذا كان مبعثه قد سبق نزول موسى ضيفا عليه، أي قبل مبعث موسى. تجد هذا الترتيب بيناً في قوله عزوجل: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} (44:42) سورة الحـج. يثرو إذن - إن كان هو نفسه شعيبا - استضاف موسى وقد فرق الله بينه وبين الذين ظلموا من قومه بعد مهلكهم: {الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَاسِرِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ} (93:92) سورة الأعراف. ربما قلت ولماذا لا يكون شعيب قبل موسى بقرنين أو ثلاثة، والمسافة بين لوط وموسي أربعة قرون، وقد نزل موسى في ضيافة رجل صالح من بقية الناجين مع شعيب، فما كان لموسي عليه السلام الذي صنعه الله على عينه ليصهر إلى رجل من عبدة الأوثان في مدين؟ لا بأس بهذا بالطبع، ولا بأس أيضا بعكسه الذي قاله جمهور مفسري القرآن، والذي نرجحه نحن أيضا، وهو أن شعيبا كان هو نفسه صهر موسى عليهما السلام، لأن سفر الخروج يحدثك عن رجل ذي منصب في قومه، "كاهن مدين"، والكاهن والنبي واحد في لغة التوراة حين تتحدث عن أنبياء من خارج بني إبراهيم كما مر بك، دليلك في هذا من سفر الخروج نفسه أن الشهرة التي شهر بها حمو موسى في التوراة توحي بطبيعة هذا المنصب: راعي الله (رعوئيل) وربما داعي الله (دعوئيل)، وأيضا "يثرو" نفسها ومعناها الثرى دو الثروة والكثرة والنماء، المشتقة من الجذر العبري "يثر" وهو مقلوب الجذر العربي ثرا/يثرو، وثري/يثرى وكان شعيب ذا غنى، بعث في أحساب قومه، كما تجد في القرآن على لسان من كذبوه: {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} (91) سورة هود، خشوا رهط شعيب وإن لم يكونوا على دينه لمكانتهم، كما وقع لمحمد صلي الله عليه وسلم في قومه. لقي موسى إذن شعيباً وقد تمادت السن بشعيب في بقية من قومه: {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} (23) سورة القصص. ربما قلت فما بال أولئك "الرعاء" من قوم شعيب والمفروض على هذا القول أنهم سلالة من الذين آمنوا معه، وقد استهانوا بابنتيه فلا تسقيان {حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء} (23) سورة القصص ؟ لا عليك. هذا فهم متعجل لمنطوق تلك الآية: ما كان لنبي أن يسخر قومه في خدمته، وما كان ليقوى وهو شيخ كبير على سقيا غنمه، فأرسل ابنتيه بغنيماته، وما كان لابنتيه أن تزاحما الرعاء حياءً، وإنما يسقي الرجال أولا ثم تسقي النساء، فوقفتا تذودان غنيماتهما عن الماء حتى يصدر الرعاء فتسقيا، وجاء موسى رجلا يسقى مع الرجال، فأراحهما من عناء الانتظار. وربما استظهرت من القرآن تفسيراً لمعني شهرتي حمي موسى، رعوئيل ودعوئيل، أي "راعي الله"، "داعي الله"، الأولى في قوله عزوجل: { لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} (23) سورة القصص، والثانية في قوله عزوجل: {فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} (25) سورة القصص، دون أن يتقدمه ذكر لاسم حمي موسى. وربما لمست في هذه الأخيرة أن حما موسى كان ذا مال يجزي به صنيع من أحسن إلى ابنتيه، وكان كريماً عزيز النفس لا يقبل خدمة بغير أجر.

    أما لماذا لم تذكر التوراة اسم "شعيب" في جملة أسماء حمي موسى وهي أربعة كما مربك، فلأن العبرية ليس فيها الجذر"شعب" العربي،ولا تفقه له معني، وربما خشي الكاتب اشتباهه بــ "شئيب" العبري ومعناها "ناضح البئر".وربما أيضا لأن شعيبا شهر في مهاجره بشهرته الدالة على منصبه "راعي الله" (رعوئيل) ولم يشهر باسمه في قومه. وأما لماذا لم ينص القرآن على أن شعيباً هو حمو موسى، فهذا على الراجح عندي لأن القرآن لا يؤصل الأنساب بين الأنبياء المبعوثين كل إلى قومه، كما فعل في موسى وهارون المبعوثين كليهما إلى فرعون وملئه، فقد ذكر لوطاً ولم ينص على أنه ابن أخي إبراهيم كما تنص التوراة، وما ذاك إلا لأن رسالة لوطٍ كانت بمعزل عن رسالة إبراهيم، كما كانت رسالة شعيب غير رسالة موسى وهارون. نقول هذا ولا نقطع فيه بيقين، فليس من مقاصد هذا الكتاب تأصيل الأنساب كما مربك. وليس في القرآن ما يقطع بهذا أو ذاك، والله عزوجل بغيبه سبحانه هو الأعلم.

    *********

    أما "شعيب"- وقد جاء الاسم على أصله في القرآن عربيا لا يحتاج إلى تفسير لخلو التوراة من النص عليه كما مر بك من منهجنا في هذا الكتاب - فهي إما تصغير "أشعب" أي الواسع ما بين المنكبين، وإما تصغير "شعب" ومن معانيها في معجمك العربي: مجري الماء تحت الأرض، وليس هذا المعني الأخير بعيدا عن معاني "شئيب" العبري، أي "ناضح البئر" . "شعيب" إذن عربية، تخرج عن مقاصد هذا الكتاب.

    وليست "مدين" كذلك لثبوت العلمية لها في التوراة بلفظ " مديان"، فجاءت في القرآن "مدين" على التعريب.

    ********

    أما علماء التوراة فهم ينسبون "مديان" إلى واحد من أبناء إبراهيم (من زوجته - أو جاريته – قطوره، فلا زوجات عند أصحاب التوراة لإبراهيم إلا سارة جدة يعقوب صاحب الوعد وغيرها جوار وسرار)، كدأب التوراة في إقطاع بني إبراهيم أرض فلسطين وسكانها بصكوك نسب صحيح أو مفتعل، وكأنما كانت فلسطين أرضا فضاء حين وفد إليها إبراهيم وبنوه، فعمروها بقبائل من نسل إبراهيم، كما قالوا أن عيسو أخا يعقوب شهر باسم "إدوم" (أي الأحمر)، واستنبطوا من هذا أن عيسو هو "أبو الأدوميين" جميعا، صاحب الأرض وسكانها. وغير هذا كثير في سفر التكوين، فلا تلتفت إليه. الصحيح أن الأدوميين والمديانيين وغيرهم من قبائل فلسطين وما حولهما أسبق وجودا على الأرض من إبراهيم وبنيه. دليلك في هذا من أسفار التوراة ذاتها، بل ومن سفر التكوين بالذات: "واجتاز رجال مديانيون تجار، فسحبوا يوسف واصعدوه من البئر وباعوا يوسف للإسماعيليين بعشرين من الفضة فأتوا بيوسف إلى مصر" (تكوين 37/82)، "أما المديانيون فباعوه في مصر لفوطيفار خصي فرعون رئيس الشرط" (تكوين 73/36). إقرأ هذا وتساءل معي: كيفي تهيأ لمديان بن إبراهيم هذا - وهو عم يعقوب أبي يوسف - أن يلد وحده، في جبل واحد - أو إن تشددت معي - في جيلين اثنين، قوافل مديانية من التجار تغدو وتروح ما بين مصر وفلسطين؟ لن أقول لك كيف هان عليهم يوسف، وإسحاق عمهم جده، فقد هان يوسف على إخوته، ولا أستطرد إلى الخلط بين الإسماعيليين والمديانيين، فقد سبق لنا القول فيه.

    نحن لا نفسر "مديان" البلدة والقبيلة تأصيلا على اسم "مديان" بن إبراهيم هذا الذي يشتقونه من العبري "دان/يدين" بمعنى خاصمه وقاضاه، فهو المخاصم الجدل، فلا صلة بين مديان بن إبراهيم هذا وبين مديان البلدة والقبيلة كما رأيت.

    وإنما نحن نفسره بالعبرية - الآرامية "دان/يدون"، ومعناه في عبرية التوراة وإلي الآن في العبرية المعاصرة: حل ونزل وثوى وأقام وسكن (انظر معنى "دان/يدون" العبري المعجم العبري" هملون هحداش لتناخ" ، وانظر أيضا في المعجم الثنائي " عبري- فرنسي"،وهو , He-Larousse breu-Francais، وفيه أن دان/يدون العبري يكافئ Habiter الفرنسي. ليس هو دان/يدين بمعنى juger الفرنسي ومشتقاتها).

    من هذه في العبرية - الآرامية "مدينا" (المدينة في العربية)، أي البلدة التي يثوى بها ويقام. وهي على وزن الفاعل المؤنث (عبريا وآراميا) من أدين/يدين، المشتقة من دان/ يدون العبري – الآرامي، بمعنى التي تثوي بها وتثويك.
    ومن هذه أيضا- الذي يعنينا هنا- جاءت "مديان" العبرية - الآرامية، على "مفعال"، واسم المكان هو"المثوى" و "المقام".

    وهذا هو نفسه التفسير القرآني لمعني "مدين" في القرآن تجده في قوله عزوجل: {وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} (45) سورة القصص، على الجناس المعنوي، "أي ما كنت مادناً في مدين" ، و"مدن" العربي يعني أتي المدينة.

    فصل القرآن في اشتقاق "مديان"، فأخذها من دان/يدون العبري - الآرامي، مخالفا بذلك مفسري عبرية التوراة الذين يشتقونها من "دان/يدين" على معنى الخصومة والمداينة والشكس والجدل، رغبة في نحلها "مديان" بن إبراهيم من جاريته قطورة، على ما مر بك، وهو بعيد، فأخطأوا و أصاب القرآن.

    سبحان العليم الخبير.


    ... يتبع
    مرسلة بواسطة أستاذ/ ولاء الشاذلي في 11:11 ص 0 التعليقات





















    ////////
    الأحد، 3 يونيو، 2007
    أبو العلاء... إمام الناس
    السلام عليكم

    "أبو العلاء"... "إمام الناس" أو نبي الله وخليله سيدنا إبراهيم عليه السلام... هذا هو موضوع هذا المقال من كتاب "من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن".... ولا ينسى الكاتب الحديث عن اسم أبي إبراهيم وإعجاز القرآن في مخالفته للتوراة في هذا الاسم. ومن المواضيع الجديرة بالاهتمام في هذا المقال مقارعة أهل التوراة بالدليل القاطع من التوراة نفسها في شخص الابن الذبيح... هل هو إسماعيل أم إسحاق كما يدعون؟!

    مع تحياتي



    من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن
    العلم الأعجمي في القرآن مفسراً القرآن
    المؤلف/رؤوف أبو سعدة
    ******

    أبو العلاء... إمام الناس
    ******

    تقول التوراة أن "أبرام" كان اسم إبراهيم الذي سماه به أبوه. أما "إبراهيم" فهو اسم سماه الله به. وتنص التوراة أيضا على اسم أبي إبراهيم، فتسميه "تارح" (أو "تيرح" بإمالة الألف مع فتح الراء في الحالتين)، خلافاً للقرآن الذي يسميه "آزر" بالنص في الصريح في قوله عز وجل: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ} (74) سورة الأنعام.

    وقد حار مفسرو القرآن في "آزر" (انظر تفسير القرطبي للآية 74 من سورة الأنعام) لمخالفتها الصريحة لما هو معلوم عند أهل الكتاب من التوراة. وطنطن بها المستشرقون - كما مر بك - الذين وهموا أن "آزر" من أفدح أخطاء القرآن في اقتباسه من التوراة.

    ونقول نحن: وما كان أغني القرآن عنها، على علمه المحيط بدقائق المكتوب في التوراة؛ وهل ينتقص شيئاً من جلال القرآن أن يسكت عن اسم أبى إبراهيم فلا يسميه؟ قد تناول القرآن جدال إبراهيم أباه في أكثر من آية فلم يسمه، فلماذا النص على اسم أبى إبراهيم في هذه الآية وحدها من سورة الأنعام؟ أفقد جهل القرآن اسم أبى إبراهيم في التوراة؟ فلماذا يزج بنفسه في المزالق فيخترع من عنده اسما لأبى إبراهيم، غير عابئ بما يسمعه من أهل الكتاب في مكة ويثرب ونجران؟ وإذا كان محمداً (صلي الله عليه وسلم) يفتري القرآن من عنده كما يدعون، فلماذا لم يستوثق من رجال كورقة بن نوفل عم زوجه خديجة وقد كان كما يقول أصحاب السير من حنفاء إحدى الملتين، يقرآ من الكتاب العبراني ما شاء له الله أن يقرآ؟ ولماذا لم يصححه له أمثال الحبر اليهودي ابن سلام وقد أسلم في المدينة لهذا النبي الذي "يخطئ" في اسم أبى إبراهيم؟ أفلم ير ابن سلام في هذه وحدها دليلا كافيا على "كذب" هذا النبي؟
    ولماذا لم "يسقط" المسلمون من بعد النبي "آزر" هذه من القرآن، تنقية للقرآن من خطأ لا تجوز المماحكة فيه؟

    تستخلص من هذا أن القرآن أعظم وأجل من أن يفتري من دون الله عز وجل، وتستخلص منه أيضا أن القرآن عند الذين آمنوا به أعظم وأجل من أن يكذب بالتوراة ، أو أن يصحح بما في التوراة، وتستخلص منه كذلك أن القرآن في المصحف الذي بين يديك قد عصمه الله سبحانه من التغيير والتبديل، ولو بقصد "التصويب" و"الاستدراك"، فهو إلي قيام الساعة محفوظ بحفظ الله عز وجل على الحرف الذي نزل به. وتستخلص منه أخيراً أن القرآن - وكان أيسر عليه استبقاء "تارح" في القرآن على أصلها في التوراة - إنما أراد عامدا متعمداً تحدي المتقولين عليه أصحاب دعوي النقل والاقتباس، فجابههم بما ينقض دعواهم. والقرآن هاهنا يريد المخالفة لذاتها، لا يريد منها تأصيل منهج أو إثبات عقيدة، وإنما يأتي بها للدلالة على إعجازه فحسب.
    نعم، "آزر" في القرآن من دلائل إعجازه، كما سنري بإذن الله على التو معاً.

    (1)
    آزر

    وردت "آزر" مرة واحدة في القرآن (الأنعام:74) اسما لأبي إبراهيم، وهو في التوراة "تارح". وقد توقف فيها مفسرو القرآن كما مر بك لما يعلمونه من مخاالفتها الصريحة لاسم أبى إبراهيم في التوراة، وعالج بعضهم التصدي لها محاولين التوفيق بين " آزر" و"تارح" بإسقاط أحد طرفي التناقض: منهم من قال أن "آزر" في القرآن ليس هو أبا إبراهيم، بل عمه. وقال الآخرون إن "تارح" كان له إسمان، أحدهما "آزر": وهو ضعيف، لأنه لا دليل عليه من القرآن أو الحديث، ولا مقنع به لأصحاب التوراة الذين لا يعلمون لأبى إبراهيم اسماً آخر، أو شهرة شهر بها. وتصدى لآزر أيضا باحثون كبار، كان منهم في هذا العصر الأستاذ عباس العقاد رحمه الله، في كتابه "إبراهيم: أبو الأنبياء"، الذي قال ما معناه أن "آزر" ليست تعريبا لـ "تارح" وإنما هي تصويب قرآني لنطق "تارح" على أصلها في لغة صاحبها ومنها الهمزة والحاء، وتبادل بين التاء والثاء والشين والزاي، وكأنها كانت ترسم "ثارة" أو "زارة" ونطقها العبرانيون "تارح"، الخ. وليس هذا بقوي، رغم ضخامة الجهد ونبل القصد، وأقرب ما يرد به على هذا أن العبرانيين لم يقرأوا اسم أبي جدهم إبراهيم في صحيفة أو نقش، وإنما سمعوه من إبراهيم شفاهة، وهم قد سمعوها "تارح"، ولم يسمعوها "آزر" ويرد عليه أيضا بأن القرآن لم يصوب للتوراة نطق علم أقدم من "تارح" وهو "نوح"، وكان حقه أن يأتي بها على "نوخ" الخاء المنقوطة كما مر بك، وإنما القرآن يلتزم العلمية التي ثبتت في الكتب السابقة، فيأتي بها على ما هي عليه، عدا ما يقتضيه التعريب فحسب، إلا أن يأتي القرآن بالعلم التوراتي أو الإنجيلي مترجما، كما مر بك في "إدريس" وكما ستري في "ذي الكفل".

    أفتكون " آزر" في القرآن ترجمة لــ "تارح" في التوراة؟

    نعم . ولكن هذا يقتضي أولا تأصيل لفظة "تارح" في اللسان العبراني، معناه واشتقاقه، أو معناه واشتقاقه في اللسان الآرامي، لغة إبراهيم "الآرامي"، الوافد على فلسطين (إرص كنعان) من حاران في شمالي سورية (إرص آرام) كما يقول سفر التكوين.

    ***********

    لا يعرف علماء التوراة لاسم أبي إبراهيم "تارح" (أو "تيرح" بإمالة الألف) معني أو اشتقاقا، لا من العبرية ولا من الآرامية، لعدم وجود الجذر السامي "ترح" في أي منهما، أو على الأقل عدم وجوده فيما هو معروف لنا اليوم من جذور العبرية والآرامية. وأيضا لأنه لا يستقيم على أوزان هاتين اللغتين افتراض زيادة التاء في تارح اسم أبي إبراهيم في التوراة على نحو زيادتها في "ترواح" العربية بمعني الرواح، أخذا من الجذر العبري "أرح"، مقلوب الجذر العربي راح/يروح بمعني رحل، إذن لقالوا "آرح" وهو بالفعل من أعلام التوراة، ومعناه "الرحالة" الكثير التجوال. ربما جاز لك أن تقترح على علماء العبرية في تفسير معني "تارح" أنه مشتق من "يارح" العبري بمعني "قمر" (ومن هذه "يرح" العبري بمعني شهر قمري)، زيدت فيها التاء فأصبحت "تيرح" (علي نطق "تارح" اسم أبي إبراهيم ممالة الألف)، على نحو ما زيدت التاء في "يمن" العبري فقيل "تيمان" بمعني الجنوب عبرياً، ويرد على هذا بأن العبرانيين حين اشتقوا من القمر اسماً علما قالوا " يروح" وقالوا "يرح" ولم يقولوا البتة "تارح" أو "تيرح".

    علي أنه لم يقل بهذا أو ذاك من علماء العبرية أحد، بل قد آثروا جميعا السكوت عن تفسير معني اسم أبي إبراهيم، على ولوعهم بتفسير الأسماء الأعلام، بل واختراع المناسبة التي اختير الاسم من أجلها، توضيحا لمعناه. وهم قد توقفوا في "تارح" - على الراجح عندي - خشية مزالق الزلل فيما لم يتضح لهم وجه الصواب فيه. ونحن نحترم لعلماء التوراة هذا السكوت، احترامنا لمفسري القرآن الذين توقفوا عن تفسير "آزر". لأننا نصدق القرآن في "آزر"، تصديقنا للتوارة في "تارح".في التوراة أيضا (عدد 33/27-28) "تارح" أخرى، هي نفسها رسما ونطقا، توقف أيضا علماء التوراة عن تفسير معناها. وليست هي في سفر العدد اسما لأبي إبراهيم، وإنما هي فيه اسم موضع في صحراء سيناء نزله موسي مع بني اسرائيل أيام تطوافهم في التيه. وليست هذه عبرية بالضرورة، بل عربية ، لغة القوافل التي كانت تجوب سيناء إلي مصر.لعلها من الترواح والراحة على معني المستراح يحط فيه الرحال. وقد فسرها بهذا المعني نفسه معجم ويستر "***STER'S DICTIONARY" فقال Station، يعني "المحط"، غير جازم، لأنه يعقبها بعلامة استفهام. وهذا يليق باسم موضع، لا سيما في تيه سيناء، ولكنه لا يليق اسما لرجل، ولو أن المعجم المذكور يخلط بين الاسمين في غير ضرورة.

    ونحن لا نقسر علماء التوراة على تفسير لاسم أبي إبراهيم "تارح" من العبرية والآرامية: لو كان في العبرية أو الآرامية شئ يعين على هذا التفسير لسبقونا إليه.
    ولكننا نقول كما يقول سفر التكوين (تكوين 11/27-23) إن أبا إبراهيم "تارح" لم يكن رجلا عبرانيا أو آراميا، ولكنه كان رجلا "بابليا"، ولد في بلدة "أور الكلدانيين" على سافلة نهر الفرات، إلي الجنوب الشرقي من بابل في العراق، ولم يرتحل منها إلي "حاران" في شمالي سورية (إرص آرام) إلا وقد نيف عمره على مائة عام. ومن هنا تستطيع أن تقول إن تارح هذا كان ينطق اسمه، الذي سمعه منه بنوه، على مقتضي مخارج ألفاظ اللغة البابلية، لا العبرية ولا الآرامية.

    *******

    يقول علماء اللغات السامية إن البابليين - وهم بالقطع ساميون من عرب شبه الجزيرة - غلبوا الشومريين على أرضهم في جنوبي العراق حوالي مطلع القرن الثلاثين قبل الميلاد، فنقلوا عنهم "الخط المسماري" الذي ابتدعه الشومريون من قبل. ولأن اللغة الشومرية - بالقطع أيضا - لغة سامية، فقد خلا الخط المسماري من حروف لا تحتاج إليها تلك اللغة على أصول مخارج ألفاظها من حروف التضخيم كالطاء والظاء والضاد وبعض حروف الحلق، وتحتاج إليها اللغات السامية - ومنها البابلية - كي تفرق مثلا بين "ظهر" و "زهر"، وبين "عاد" و"آد"، على نحو ما تراه الآن من فوارق بين الخط اللاتيني والخط العربي. وكان موقف البابليين من هذا أنهم اصطنعوا الخط المسماري على علاته، دون أن يضيفوا إلى حروف "الأبجدية المسمارية" ما ينقصها من الحروف التي تحتاج إليها اللغة البابلية السامية.

    وقد كان لاستخدام البابليين الخط المسماري في الكتابة، إلي جانب اختلاطهم بالشومريين الذين لم يقضوا عليهم تماما، أثر فادح في تشويه الطابع السامي النقي لمخارج ألفاظ أولئك الأعراب الذين جاءوا من جنوبي شبه الجزيرة فتوطنوا في بابل، ومن هذا المزيج وذاك الامتزاج ولدت اللغة البابلية، التي وإن بقيت سامية بجذورها ومادتها وتراكيبها فقد ضاعت منها بعض "الأصوات" التي تختص بها اللغات السامية، وأمها العربية، فتهملها، أو تنطقها محرفة.

    وإذا علمنت أن تارح أبا إبراهيم ولد في أورالكدانيين ببابل حوالي مطلع القرن العشرين قبل الميلاد حسبما تستخلص من حسابات سفر التكوين - بعد انقضاء حوالي ألف سنة على توطن أسلافه الساميين في بابل - فقد علمت يقينا أن لغة تارح هذا وآبائه كانت هي بالقطع تلك اللغة السامية البابلية التي تاثرت بمخارج ألفاظ الشومريين على مدي ألف سنة سبقت، فهي لا تجد حرجا على سبيل المثال في وضع "التاء" موضع "الطاء" نطقا وكتابة.

    من هنا تقول إن تارح - اسم أبي إبراهيم في التوراة - إما هو على أصله بالتاء، فيكن مشتقا من الجذر السامي "ترح" (الذي يفيد في العربية الهم والحزن، وأيضا قلة الخير)، وإما أن يكون أصله بطاء تحورت في البابلية إلي تاء، فيكون مشتقا من الجذر السامي "طرح" (علي تفاوت في معني "طرح" بين العربية وأخواتها الساميات): إن صدقت التوراة في "تارح" تصديقك القرآن في "آزر" فلا سبيل أمامك لتفسير معني "تارح" إلا بأحد هذين الفرضين لا ثالث لهما.

    وقد كان الأضبط – والأثبت - التماس معني "تارح" البابلية هذه في المعجم البابلي نفسه، ولكن المعجم البابلي للأسف معجم أبتر، يقتصر على مفردات قلائل اقتنصها اللغويون بعد لأي من حطام نقوش لذلك الخط المسماري الذي حدثتك عنه، ليس من بينها "تارح" أو "طارح". وقد مر بك أن اللغويين يستعينون في فهم بوائد الساميات بالرجوع إلي معجم اللغة العربية، أم الساميات جميعا.ومر بك أيضا أن اللغويين حين يريدون تأصيل معني جذر مماتٍ في لغة سامية ما، يستعينون بمعني هذا الجذر في أخواتها وبنات عمومتها.

    ولأن القرآن - أصل كل تأصيل للمعجم العربي - لم يعتمد "تارح" (لا بالتاء ولا بالطاء) اسماً لأبي إبراهيم، وإنما أتي به على الترجمة "آزر"، تفاديا لنقله عن أصل معناه في لغة صاحبه إن هو أتى به على أصله معربا - على ما مر بك من منهجنا في هذا الكتاب - فهذا يعني أن "تارح" و"طارح" كلتيهما ليستا من "ترح" و "طرح" العربيين، وإنما هما أو إحداهما من لغة سامية أقرب إلي البابلية تاريخاً وحضارة.

    والآرامية والعبرية هما الأقرب إلي البابلية تاريخا وحضارة. والآرامية والعبرية كلتاهما تخلوان من الجذر السامي "ترح": ليس فيهما إلا "طرح" بالطاء، لا بالتاء.
    ومن ثم فلا مفر لك من التماس "تارح" في "طارح"، والتماس معني "طارح" هذه في العبرية - الآرامية، لا في لغتنا العربية. "تارح" إذن - أو بالأحرى "طارح" - اسم أبي إبراهيم في التوراة، هو من العلم الأعجمي الذي فسره القرآن بالترجمة، فجاء به على "آزر". فإلي أي مدي أصاب القرآن، وسفه خصومة؟

    *******

    وزر، يزر، وزرا فهو وازر (راجع في معجمك العربي مادة "وزر") يعني حمل ما يقل ظهره، ومنه في القرآن: {لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (15) سورة الإسراء
    أي لا تحمل نفس عن نفس شيئا، بل كل نفس بما كسبت رهينة. ومنه "الوزر"، أي الحمل الثقيل، كما في قوله عز وجل: { حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (4) سورة محمد، أي أثقالها من سلاح وعتاد. واستعمل الوزر مجازاً بمعني الذنب، لأنه يثقل ظهر صاحبه يوم القيامة، كما في قوله عز وجل: {مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا} (100) سورة طـه.

    وقد سقط من المعجم العبري - الآرامي الجذر السامي "وزر". إلا في لفظ واحد هو "وزار" التي وردت اسما علماً في الأصل العبراني لأسفار التوراة على مجازها العربي بمعني "موزور" أي راكب الوزر(راجع الترجمة العربية لسفر الأمثال 21/8)، لم ترد في التوراة إلا في هذا الموضع، وبقيت في العبرية المعاصرة بمعنى الخاطئ الآثم، يفسرها علماء العبرية بردها إلي الجذر العربي "وزر".

    أما "الوزر" على أصل معناه في العربية، أي الحمل الثقيل، فهو في العبرية - الآرامية "طورح"، أخذاً من الجذر العبري - الآرامي "طرح"، أي حمل ما يثقل ظهره، فهو المقابل العبري - الآرامي للجذر العربي "وزر". ولا تستعمل عبرية التوراة من الجذر "طرح" إلا "طورح" بمعني الحمل الثقيل، أي الوزر، وإلا صيغة "هفعيل"(وهي صيغة "أفعل" العربية المتعدية بالهمزة) فتقول" هطريح" بمعني "أوزره"، أي حمله ما يثقل ظهره.

    "طارح" إذن (أي "تارح" كما مر بك)، إن اشتققتها من الجذر العبري - الآرامي "طرح"، معناها "الوازر" على التطابق، لا على المجاز بمعني الموزور راكب الوزر، وإنما على الأصل بمعني الحمول المحمل.
    أما لماذا ترجم القرآن اسم أبي إبراهيم إلي "آزر"، ولم يترجمه إلي "وازر" فهذا من دقيق القرآن كما سترى.

    **********

    "الأزر" عربيا ليس أصل معناها "القوة" كما وهمت بعض المعاجم (منها "المعجم الوسيط" الذي سكت عن تعريف "الأزر" بأنه "الظهر"، وعرف "الأزر" بأنه "القوة"، مستدلا بالقرآن {اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} (31) سورة طـه، وهي على الضد من قوله)، وإنما أصل معناها "الظهر". والظهر يكنى به عن القوة، لا العكس. والإزار منه، لأنه يشد به على الظهر، أي على "الأزر". وأزر الزرع بمعني التف فقوي بعضه بعضا، يعني "تظاهر"، فكان بعضه لبعض "ظهيراً". وآزره مثله. ومنه أيضا "أزره" بمعني دعمه وقواه، أي كان له ظهراً، وآزره يعني كان له ظهيرا مظاهرا. وأزره أيضا يعني ألبسه الإزار، وأزر هو ، بكسر الزاي، فهو "آزر" (بفتح الزاي كاسم أبي إبراهيم في القرآن) يعني لبس الإزار، ومنه "حصان آزر" يعني حصان أبيض العجز ومقاديمه غير بيض، وكان بياض عجزه على خلاف مقاديمه" إزار" ائتزر به.

    أما أن "الأزر" معناه "الظهر"، لا القوة، فهذا يتضح لك من قوله عز وجل على لسان موسي: {وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} (31:29) سورة طـه، والمعني "أشدد به ظهري"، لا "أشدد به قوتي" كما وقع في بعض التفاسير، وكما وقع في المعجم الوسيط استشهادا على معني "الآزر" بأنه القوة. وليس بشئ: القوة تشدد ولا "تُشَد" الثلاثي المجرد غير المضعف، حين يتعدي بذاته كما في الآيات التي تلوت توا. يقع على المادي ولايقع على المعنوي، ويكون بمعني الربط والإيثاق والإحكام: تقول شد الإسار، وشد العقدة، وشد العضد، وشد الرحال، وشد المئزر، وشد "الأزر"، أي الظهر، لا معني للقول بخلافه.

    وقد فسر القرطبي رحمه الله "الأزر" بمعني "الظهر" في تفسيره للآية 31 من سورة طه، فارجع إليه.
    والوزر من "الأزر" قريب، لا في مادته فحسب، ولكن لأن "الوزر" بمعني الحمل الثقيل لايكون إلا على "الظهر"، أي على "الأزر". تجد هذا فصيحاً بيناً في قوله عز وجل، يسلي بها نبيه: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ} (3:2) سورة الشرح، بل لا يمكن لك تفسير قول العرب "وزر إليه" بمعني لجأ واعتصم، ومنه "الوزر" بفتح الواو والزاي في قوله عز وجل: {كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} (12:11) سورة القيامة، إلا أن تقول إن "الوزر" لغة في "الأزر" بمعني الظهر يركن إليه، أبدلت فيه الواو من الهمزة، وهو كثير الوقوع في كلام العرب، من مثل (أزف/ وزف) و (أكد / وكد) وغيره كثير. كما تجده في قوله صلي الله عليه وسلم لبعض تلك النسوة: " ارجعن مأزورات غير مأجورات"؛ وكانه يريد "موزورات" فهمز، أو كأن "وزر" و "أزر" سيان، أو كأن "المأزور" هو " المحمول على أزره" ، أي على ظهره، كما تقول "مكبود" ، "مبطون" ، "معيون" فيمن اعتل كبده وبطنه وعينه. والقياس من هذا – وإن لم يسمع من العرب- أن تقول "أزره" بمعني "أوقر أزره" (أي ظهره).

    و"أزر" ( اسم أبي إبراهيم في القرآن) يعني موقر الظهر مثقله: إنها نفسها "الوازر" حامل الوزر، على أصلها لا مجازها، أي الحمول المحمل. وهو نفس معني "طارح" العبرية - الآرامية. وقد عدل القرآن عن "وازر" إلى "آزر" دفعا لشبهة فهمها بمعني الآثم الخاطئ (وهي "وزار" العبري كما مر بك)، وليست "طارح" أو "تارح" كذلك . وعدل أيضا عن استبقائها معربة على أصلها العبري - الآرامي "تارح" أو طارح"، لأن "تارح" تشتبه في العربية بمعني" المحزون" الترح، و "طارح" تشتبه في العربية بمعني "الطريح" المنبوذ، وليست أيضا "تارح" أو "طارح" في العبرية - الآرامية كذلك، على ما مر بك من منهجنا في تفسير أسباب عدول القرآن عن تعريب العلم الأعجمي إلي ترجمته.

    أما اشتقاق "طارح" (تارح في التوراة) من الجذر العبري "طرح" بمعني" حمل" ما يوقر ظهره، فهو عندي على الوزن "فعال" - وهو وزن في العبرية والآرامية يدل على الفاعل يكثر منه الفعل - فكان حقه أن يكون"طراح". ولكن الذي يجب أن تعلمه، وعلمه القرآن من قبل، أن هاتي اللغتين لا تجيزان تشديد الراء، وتستعيضان عن تشديد الراء بمد حركة ما قبلها ، فتؤول "طراح" إلي "طارح" (تارح في التوراة)، كما قالوا في "حراش" (أي الحراث) "حارش" ، يعني الحارث الذي يمتهمن الحراثة.

    ********

    لا سبيل أمامك إلي تفسير "تارح" البابلية (اسم أبي إبراهيم في التوراة) إلا بردها إلي "طارح" العبرية - الآرامية، أبدل البابليون من طائها تاء. ولا ترجمة إلي العربية لهذا الاسم البابلي أدق من "آزر" التي في القرآن، بمعني "الوازر" على أصلها، لا مجازها.

    ولا حرج على القرآن صاحب اللغة - على نحو ما رأيت في "صراط" و"قسطاس" - أن يشتق من الجذر العربي الأصيل مادة لم تسمع قبله من العرب، لاسيما في ترجمة الأسماء الأعلام كما مر بك في "إدريس"، بل في هذا إشارة إلي "عجمة" صاحب الاسم العلم.

    قد أصاب القرآن إذن في "آزر"، وسفه خصومه. فهل رغمت أنوف؟

    جهل خصوم القرآن معني اسم أبيهم "تارح"، وما زالوا يجهلونه، وعلمه القرآن. فأي إعجاز وأي علم؛
    كان أولي بالذين طعنوا على القرآن في "آزر" أن يتعلموا منه، ولكنهم لم يفعلوا، وصدق الحق سبحانه إذ يقول في تقريعهم: {هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (66) سورة آل عمران.


    (2)
    إبراهيم


    "إبراهيم" في القرآن هي تعريب "أبراهام" في التوراة.
    ويقول سفر التكوين إن إيراهيم كان اسمه "أبرام" (المشتقة على المزجية من آب+رام بمعني"ابو العلاء") وظل اسمه كذلك حتى كان ابن تسع وتسعين سنة فسماه الله "أبراهام" (إبراهيم في القرآن).
    وعلماء التوراة يشتقون "أبراهام" هذه على المزجية من (آب+راب+هام)، حذفت الباء التي في "راب" للمزجية استثقالا، وخفف المد الذي في "آب" للمزجية أيضا، فأصبحت (أب+را+هام)، أي "أبراهام".
    أما معني "أبراهام" هذه عند علماء التوراة فهم يرون أن "راب" ها هنا يعني "كثير" وأن"هام" يعني "جمهور". ومن ثم فهذا الاسم يعني عندهم (أب+كثير+جمهور)، يريدون "أبو جمهور كثير".
    وقد تورط علماء التوراة في هذا التفسير اتباعا لسفر التكوين (تكوين 17/5) الذي أراد أن يكون معني"أبراهام" أباً لجمهور من الأمم (آب - هامون - جوييم)، نبوءة من الله عز وجل لإبراهيم بكثرة النسل. فألزم بها سفر التكوين علماء التوراة من بعده.

    ولكنك تستدرك على علماء التوراة هؤلاء متسلحا بنحو اللغة العبرية ذاتها ومعجمها، فتقول إن "راب" التي في آب+راب+هام (أب+كثير+جمهور) لا يصح عبريا أن تفهم في هذا الاسم على الصفة بمعني "كثير"، لأن المفرد (الأب) لا يوصف بالكثرة، فلا يجوز لك أن تقول "أب كثير". ولا يصح عبريا أيضا أن تكون "كثير" هذه صفة لما بعدها (الجمهور)، لأن الصفة لا تتقدم الموصوف، كما في العربية سواء بسواء. ولا يصح في عبرية التوراة كذلك - وإن صح في العربية - إعمال الصفة فيما بعدها، كأن تقول"أب كثير الجمهور". أقرب من هذا إلي الصواب أن تقول في "راب" العبرية هذه أنها صفة بمعنى"كبير" (وهو من معانيها في العبرية) تصف بها "الأب" على التوقير والتمجيد، فيكون المعني "أب كبير لجمهور". وليس هذا هو الذي يريده سفر التكوين، فهو يريد الكبر والكثرة للجمهور لا للأب، بدلالة تفسيره الاسم بقوله: "أب لجمهور من الأمم".

    أما الشديد النكر، فهو أن "هام" العبرية هذه لا تعني البتة "جمهور" كما أراد سفر التكوين وتابعه عليها من بعده علماء التوراة، وإنما معناها في العبرية "الناس" (راجع المعجم العبري"هملون هحداش لتناخ" )، أخذا من ضمير الجماعة العبري"هيم" (بإمالة الألف) وهي "هم" العربية.

    من هنا يتضح لك أن المعني الأقرب إلي الصواب عبريا في "أبراهام" هو فهمه بمعني "أب كبير للناس".
    ولكنك تعلم من العبرية أيضا أن "راب" على الإسمية لا الصفة، تعني "الرئيس"، "السيد"، "المعلم"، "الإمام". ومنها "الرباني" على ما مر بك في تضاعيف هذا الكتاب.ومنها في العبرية المعاصرة قولهم على النداء توقيراً: موري وربي؛ أي معلمي وأستاذي؛ إنها إذن الأستاذ الإمام.

    عندئذ تقطع غير ملتفت إلي تفسير سفر التكوين وعلماء التوراة، بأن "أبراهام" إنما تعني في لغة صاحب هذا الاسم العلم: إمام الناس. وهي عبريا "راب+هام"، لا تحتاج في أولها إلي "آب". ولكن بقيت "آب" مضافة غلي الاسم على الراجح عندي، دلالة على الانتقال بالاسم من (آب+رام) إلي (آب+ راب+ هام) على وجه الحشو المؤكد، لأن في "آب" من معني الإمامة بعض ما في "راب".

    وهذا هو نفسه التفسير القرآني لمعني إبراهيم بالمرادف في قوله عز وجل: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} (124) سورة البقرة، ولم يفطن إليه مفسرو القرآن كما ستري.

    *********

    تكلم مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 124 من سورة البقرة) في معني اسم إبراهيم. منهم من أنصف فاكتفي بالقول بعجمته (الماوردي)، ومنهم من تصدى لتفسيره (ابن عطية) فقال إن معناه من السريانية هو "الأب الرحيم"، مؤكداً أن "رهيم" في السريانية معناها "رحيم" في العربية، فتندهش كيف تورط فيها الرجل على جلال قدره وعلمه، وليس في السريانية بالطبع من هذا شئ، بل ولا في الآرامية والعبرية، ولا تدري أيضا أي شقي في نواحي العراق دسها عليه، إلا أن يكون "هنديا" تسربل في ثياب السريان، ينطق حاءهم هاء!

    وعلل بعضهم سبب التسمية (السهيلي) بقوله في معرض التشابه القوى بين السريانية والعربية: (ألا تري أن "إبراهيم" تفسيره "الأب الرحيم"؟ لرحمته بالأطفال، ولذلك جعل هو وسارة زوجته كافلين لأطفال المؤمنين الذين يموتون صغارا إلي يوم القيامة. وهذا - فوق سماجته - ضعيف، تشم فيه من قريب رائحة النقل عن أهل الكتاب من الملتين، وعندهم أن "الأبرار" يذهبون إلي حضن إبراهيم وسارة.

    بل ليس البر والرحمة هما أعظم مناقب إبراهيم عليه السلام، حتى يتكلف اشتقاق هذا الاسم منهما. وإنما كانت كبرى مناقبه عليه السلام، بشهادة الله عز وجل، أنه إبراهيم الذي وفي:{أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى *وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} (37:36) سورة النجم.

    والطريف أن القرطبي رحمه الله تحمس للرؤيا الطويلة عن سمرة، وفيه أن النبي صلي الله عليه وسلم رأي في الروضة إبراهيم عليه السلام وحوله أولاد الناس.

    وليس في هذا الحديث أيضا - وإن صح - ما يشهد لتفسير اسم إبراهيم بمعني الأب الرحيم، وإنما هذا هو ما أسميه "التفسير بالتخمين"، أو "التفسير بالفراسة": تسقط صورة في ذهنك على شخص صاحب الاسم العلم، ثم تستخلص من هذه الصورة التفسير الذي تريد، لا تكلف نفسك مؤونة تأصيل مبني الاسم ومعناه في لغة صاحبه.

    شبيه بهذا التفسير بالتخمين أو التفسير بالفراسة، ما تقرؤه في بعض التفاسير، وأيضا في بعض المعاجم، التي تقول لك إن لفظة "أمة" حين يوصف بها إنسان، تعين "الرجل الجامع لخصال الخير" يستشهدون لها بقوله عز وجل: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} (120) سورة النحل، وليس هذا من اللغة في شئ. وإنما الأمة هنا يعني الإمام.

    ********

    شغل إبراهيم عليه السلام - وهو بعد صغير - بالنظر في النجوم، يطلب الحق المبين، فهداه الحق إلي الحق. انبرى وحده في قومه يدعو إلي الواحد، فابتلي بكفر أبيه آزر، ينحت الأصنام ويبيعها للناس، كالساخر بدعوته. لم يكن أبوه ردءاً له، وإنما كان حرباً عليه، يستغل سلطان الأبوة في إسكات الدعوة: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} (46) سورة مريم،ولم يزد هذا إبراهيم بأبيه إلا براً: {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} (47) سورة مريم.

    وكاد لأصنامهم في غفلة منهم، ليريهم على أعين الناس أن الإله الذي لا يدفع الضر عن نفسه، لا يدفع الضر عن غيره، أو يضره. لكنه بفعلته هذه لم يهتك ستر أصنامهم فحسب، وإنما هتك ستر كهنتها وسدنتها، الذين يعلمون من قبل أنها لا تضر ولا تنفع، ولكنهم يعللون بها المستضعفين ويسوسون الدهماء. هنا برح الخفاء ولم يعد يصح السكوت، فكان جزاؤه من أبيه وقومه أن يحرقوه بالنار، انتصارا لآلهتهم وكيلا يفتتن به الناس. أسلم إبراهيم أمره لله، فقد علم هو من قبل أن الله حسبه، وإذا النار على إبراهيم برد وسلام، فالنار لا تحرق مؤمنا، ناهيك بخليل الرحمن.

    ولكن القلوب تعمي عن الآية الكبرى، فاعتزلهم وما يعبدون من دون الله، لم يؤمن له منهم إلا زوجه سارة وابن أخيه لوط، فخرج بهما مهاجرا إلي ربه، لا شيعة ولا أتباع ، يرجو رحمة ربه في نسل صالح يعينه على أمر الله: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ } (100:99) سورة الصافات، ولكن العزيز الرحيم يبتلي إبراهيم فيرجئ الاستجابة إلي وقتها المكتوب عنده، ويصبر إبراهيم حتى يأتي أمر الله، لا يضار الزوجة التي صبرت ووفت، حتى جاوز الثمانين، فيولد له من هاجر بكره إسماعيل وقد ناهز إبراهيم ستا وثمانين، كما تقرأ في سفر التكوين (تكوين 16/16)، وعززه القرآن بقوله عز وجل على لسان إبراهيم: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} (39) سورة إبراهيم.

    فهل انتهت "بلاءات" إبراهيم؟ كيف، وهو عز وجل يريد لإبراهيم أن يكون المثل الأعلى لاصطبار المؤمن وإذعانه لأمر الله؟

    ما أقر الله عينه بإسماعيل حتى ابتلاه فيه، فأمره بفراقه فطيما تحمله أمه، ليضعه في واد غير ذي زرع، لا ماء فيه ولا طعام. ولكن إبراهيم يمضى لا يلتفت وراءه تاركا فلذة كبده عن أمر الله، لا ينفطر ولا يجزع، فقد علم هو من قبل أن الذي خلق وهدي هو الذي يطعم ويسقي: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ } (79:78) سورة الشعراء. فأي طاعة، وأي إيمان!

    لم يخلق الله إسماعيل ليؤنس أباه في شيخوخته، وإنما خلقه ليكون شجرة إيمان أصلها ثابت في الأرض وفرعها في السماء، ألقيت بذرتها في واد أصم، يراد له بعد نحو أربعة وعشرين قرنا حمل لواء الدعوة الخاتمة والبلاغ المبين. ويشب الغلام بعيداً عن أبيه، ويمتثل إبراهيم، أفهل انتهت "بلاءات" إبراهيم؟ كلا. ما أن يبلغ الغلام ثلاث عشرة سنة، وقد ناهز إبراهيم تسعا وتسعين، حتى يجئ "البلاء المبين": يؤمر إبراهيم بذبح ابنه بيده، ويا لهول ما يؤمر... لأهون عليه أن يذبح نفسه بيده ولا يري ابنه يشك بشوكة تدميه. ولكن الله هو الآمر، والمأمور هو إبراهيم الذي علمت، ويمتثل إبراهيم. أفيتأبى إسماعيل على أمر الله، يضاعف على أبيه المحنة فيستغيثه الأبوة ويناشده الرحمة؟ فما علمك بير إسماعيل أباه؟
    كلا، بل يخفف عن أبيه البلاء، فيستحثه ويستنجزه: {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} (102) سورة الصافات، لا يصطنع البطولة، وإنما يقدم المشيئة، مسلماً وجهه لله، فأي أب وأي ابن...

    تهيأ الابن للذبح، وتهيأ الأب لإجراء السكين، فقيل له قف... قد أتممت... فلم ير إبراهيم في المنام إلا أنه "يذبح" ابنه، لا أنه "ذبحه" بالفعل. وهذا هو معني قوله عز وجل: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} (105:103) سورة الصافات.

    وإلي هنا تم بلاء إبراهيم: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ} (106) سورة الصافات. بلاء لم يمتحن به قط إيمان رجل من قبل ومن بعد.

    أما "جزاء المحسنين"، فقوله عز وجل: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } (110:108) سورة الصافات، وأيضا بشراه بإسحاق يثني به إسماعيل: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} (112) سورة الصافات، وبارك الله على إبراهيم وآله، فصارت جزءاً من "تشهد" المسلم في كل صلاة.

    وكان حقه على الله عز وجل أن يقول فيه: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (131:130) سورة البقرة، {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} (125) سورة النساء. وكان حق إبراهيم على الله عز وجل أن يستجيب دعوته في الملة الآخرة: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} (128) سورة البقرة، فيكون إمام المذهب والطريقة، أي الملة: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ} (78) سورة الحـج.

    كان إبراهيم المثل الأعلى للمسلم الحق، يسلم أمره كله لله. وكان إبراهيم المثل الأعلى للمؤمن الحق، تنهد الجبال ولا يتزعزع له إيمان. فكان حقه على الله عز وجل أن يقول فيه: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} (120) سورة النحل.

    قالت بعض التفاسير، كما قالت بعض المعاجم، إن لفظ "الأمة" هنا يعني "الرجل الجامع لخصال الخير"، وليس هذا من اللغة في شئ كما مر بك: لا يجوز للغوي الحاذق أن يشتق المعني بعيدا عن أصل المادة اللغوية، أي بعيدا عن المعني الرئيسي للجذر الثلاثي المشتق منه. ولا يجوز لغة التفسير بالحدس والفراسة، إن اصبت مرة فقد أخطأت مرات، بل يكون الجذر الثلاثي للمادة اللغوية هم إمامك. ليس في مادة الجذر العربي أ/م/م شيء يفيد الجمع بين خصال الخير، وإنما كل ما في العربية بألف وميم مضعفة أو مكررة يدور حول معني الأم التي ولدت، والأم بمعني المثابة، يثاب إليها، والأم يجتمع إليها صغارها، والأم يتبعها ولدها. والأمة في الآية اسم من هذا، إنه "القدوة" وزنا ومعنى.

    ********

    كان جزاء إبراهيم الذي وفى - وقد اجتاز البلاء المبين - أن جعله الله عز وجل إماما للناس:
    {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} (124) سورة البقرة، وهذا هو المعني الدقيق لاسم إبراهيم (إمام الناس) الذي لا يصح في العبرية غيره كما مر بك، وتلك هي مناسبة الانتقال باسمه من "أبرام" إلي "أبراهام" يوم التمام، باجتياز "البلاء المبين".

    ولكنك لا تقرأ في سفر التكوين شيئا يعلل لك سبب العدول باسم إبراهيم من "أبرام" إلي "أبراهام" وهو عندئذ ابن تسع وتسعين، دون أسباب أو مقدمات، إلا إرادة الوعد بكثرة النسل... "ولما كان أبرام ابن تسع وتسعين سنة ظهر الرب لأبرام وقال له أنا الله القدير. سر أمامي وكن كاملا فأجعل عهدي بيني وبينك وأكثرك كثيرا جدا".

    فسقط أبرام على وجهه. وتكلم الله معه قائلا: أما أنا فهو ذا عهدي معك وتكون أبا لجمهور من الأمم. فلا يدعي اسمك بعد أبرام بل يكون اسمك إبراهيم (أبراهام في الأصل العبراني). لأني أجعلك أبا لجمهور من الأمم. وأثمرك كثيرا جدا وأجعلك أمما.وملوك منك يخرجون" (تكوين 17/1-6). أما العهد الذي يلتزم به إبراهيم لقاء وعد الله إياه بكثرة النسل فهو (عهد الختان): "وأما أنت فتحفظ عهدي. أنت ونسلك من بعدك في أجيالهم. هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك. يختن منكم كل ذكر. فتختنون في لحم غرلتكم. فيكون علامة عهد بيني وبينكم" (تكوين 17/9-11)" فيكون عهدي في لحومكم عهدا أبديا. وأما الذكر الأغلف الذي لا يختن في لحم غرلته فتقطع تلك النفس من شعبها. إنه قد نكث عهدي" (تكوين 17/13-14).

    في هذا اليوم أيضا، وفي مناسبة تعديل اسم أبرام إلي أبراهام، عدل الله كذلك كما يقول سفر التكوين، اسم زوجته من "ساراي" إلي "سارة": "وقال الله لإبراهيم ساراي امرأتك منها ابنا وأباركها فتكون أمما، وملوك شعوب منها يكونون"(تكوين 17/15-16). (حاول علماء التوراة المغايرة بين معني"ساراي" ومعني "سارة" ليبرروا تعديل التسمية، فقالوا غير جازمين أن الأولي من المساورة والمغالبة والثانية من السراوة والشرف. أما "سارة" فهي عبريا من الجذر "سرر" وكافئه العربي سرا / يسرو/ سرواة، فهي "سرية" بمعني "أميرة". وقد بقي من هذا في عربية المماليك في مصر المتأثرة برواسب آرامية لفظة "سارعسكر" أي أمير الجند)

    في هذا اليوم أيضا كان البشرى الأولى لإبراهيم بابنه إسحاق. هذا يتفق مع القرآن الذي يجعل توقيت البشرى الأولى بإسحاق تعقيبا على اجتياز إبراهيم اختبار "البلاء المبين"، كما تجد في قوله عز وجل لحظة فداء إسماعيل: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} (112:107) سورة الصافات.

    ولكن الكاتب يسقط عمدا من هذا السياق "اختبار الذبح"، لأنه يريد شرف هذا "البلاء المبين" لإسحاق، لا لإسماعيل، وإسحاق لم يولد بعد، فيرجئ الحديث عن هذا إلي أن يولد إسحاق. فيجئ الكلام مقطوعا عن سياقه، ولا تفهم وجه التناسب بين "عهد الختان" وبين "تكثير النسل"، ولا بين هذين وبين وجه الضرورة إلي تغيير اسم إبراهيم وهو ابن تسع وتسعين سنة من أبرام إلي أبراهام، إلا أن يكون معني "أبراهام" هو المنجاب المنسال، ذلك المعني الذي اضطر إليه الكاتب ، فألزمه به علماء التوارة من بعده على خلاف مع نحو اللغة العبرية ومعجمها.

    ********

    كان إسماعيل يوم تبدل اسم إبراهيم من "أبرام" إلي "أبراهام"، ابن ثلاث عشرة سنة، كما يقول سفر التكوين (تكوين 17/25)، يصح به "القربان" في اختبار الذبح (هذا يقارب عبارة القرآن: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ (102:101) سورة الصافات).

    وكان جديرا بكاتب سفر التكوين الذي بين يديك أن يتخذ من اجتياز إبراهيم هذا الاختبار الفذ، مناسبة لتعديل اسمه من "أبرام" إلي "أبراهام"، أي من "أبي العلاء" إلي "إمام الناس" في الإسلام والإيمان، لحظة أثبت جدارته بهذا الوسام. ولكن كاتب سفر التكوين الذي بين يديك لا يهتم ولا يريده، لأنه يفوت على بني إبراهيم عبر إسحاق هذا الشرف، وإسحاق لم يولد بعد، فنقل "بطولة" اختبار الذبح من إسماعيل إلي إسحاق، كما كان يفعل بعض فراعنة مصر بنقوش أسلافهم: يرفعون اسم الفرعون صاحب النقش الذي يسجل أمجاده، ويضعون مكانه اسم الفرعون البطل "المزيف"، فيفضحهم علماء الآثار حين يكتشفون التدليس. هذا بالضبط هو ما فعله الكاتب. لأنك حين تقرآ له (تكوين 22/2) عبارة: "خذ ابنك وحيدك الذي تحبه...." تتوقع حتما أن تجئ بعدها مباشرة لفظة "إسماعيل"، ولكن الكاتب يضع مكانها بكل ثقة لفظة "إسحاق" ، يكررها في كل مواضع واقعة اختبار الذبح، غير عابئ بذاكرة القارئ الذي قص عليه من قبل أن "إسحاق" لم يكن قط ابنا "وحيداً" لإبراهيم، وإنما الذي كان ابنا "وحيداً" لإبراهيم، وظل كذلك حتى مولد "إسحاق" هو بكره "إسماعيل"، فتقطع بأن ثمة أحداً "ذا مصلحة" قد عبث بهذا النص "المقدس"، لأن اختبار الذبح بابن "وحيد" لا يمكن عقلا أن يقع وإسحاق يثني إسماعيل، بل لا يمكن عقلا أن يقع إلا قبل مولد إسحاق، فلا يكون إلا بإسماعيل صاحب لقب "الابن الوحيد" وحده، فتقطع بأن مكان الحديث عن واقعة اختبار الذبح هو هذا الإصحاح السابع عشر نفسه الذي تقرر فيه - جزاء لإبراهيم على اجتيازه هذا الاختبار الفذ - تعديل اسمه من "أبرام" إلي "أبراهام"، أرجأه الكاتب إلي الإصحاح الثاني والعشرين ريثما يولد إسحاق ويشب.

    ولأن كاتب سفر التكوين يري محقا أن اجتياز إبراهيم البلاء المبين، أي اختبار الذبح، يستحق جزاء يكافئ بر إبراهيم، فقد عقب على واقعة اختبار الذبح (الذي كان بإسحاق كما يقول) بقوله على لسان الله عز وجل: "من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك وحيدك، أباركك مباركة وأكثر نسلك كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر، ويرث نسلك باب أعدائه، ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض، من أجل أنك سمعت لقولي" (تكوين 22/16-18)، يجعل جزاء إبراهيم "كثرة النسل" كما مر بك، ويطنب في أمجاد هذا النسل "المبارك"، وكأنما المكافأة لنسل إبراهيم، لا لإبراهيم نفسه، ينزعها الكاتب عن إبراهيم ويخص بها نفسه وشعبه.

    أما الذي يستوقف النظر، الذي فات الكاتب أن يتذكره، فهو ان إبراهيم عقب اختبار الذبح (الذي كان بإسحاق كما يقول) لم يكن في حاجة إلي "مكافأة" تكثير النسل، لأنه حصل على الوعد بها من قبل "مجانا"، منحها له الكاتب دون مناسبة، بل دون ابتلاء تطير له النفس شعاعا، حين أراد - وهو يمهد لتفسير اسم إبراهيم - النص على كثرة نسله، فقال في الإصحاح الخامس عشر: "فإذا كلام الرب إليه قائلا: لا يرثك هذا . بل الذي يخرج من أحشائك هو يرثك. ثم أخرجه إلي خارج وقال انظر إلي السماء وعد النجوم إن استطعت أن تعدها. وقال له هكذا يكون نسلك. فآمن بالرب فحسبه له براً" (تكوين 15/4-6) ـ أي قالها الرب لإبراهيم جازما قاطعاً لا تحتاج إلي مزيد تأكيد، فما الداعي للمكافأة بها على اجتياز "البلاء المبين"؟ ثم ينتقل الكاتب إلي الإصحاح السابع عشر، يوم كان إبراهيم ابن تسع وتسعين، يريد توقيت الاسم من "أبرام" غلي "أبراهام"- ولم يولد بعد إسحاق - على ما مر بك فيقول إن الرب تراءى لإبراهيم يكرر له العهد (أي العهد بتكثير النسل) فيقول له: "أما أنا فهو ذا عهدي وتكون أبا لجمهور من الأمم. فلا يدعي اسمك بعد أبرام، بل يكون اسمك إبراهيم (أبراهام في النص العبراني)، لأني أجعلك أبا لجمهور من الأمم، وأثمرك كثيرا وأجعلك أمما" (تكوين 17/4-6). أفلم يؤمن من قبل إبراهيم بالوعد الأول الذي في الإصحاح الخامس عشر، وحسب له ذلك براً، فلم التكرار ولم يحدث من إبراهيم شي ينم عن تشككه في ذلك الوعد؟ وما الذي فعله إبراهيم ها هنا حتى يكافأ عليه بالتلويح من جديد بوعد تكثير النسل، بل ما الذي يبرر علة تغيير الاسم من "أبرام" إلي "أبراهام" فجأة دون مناسبة ودون مقدمات وقد بلغ من الكبر عتيا"؟ أليس ها هنا موضع الحديث عن اختبار الذبح، فيكون تغيير الاسم مكافأة على اجتياز الاختبار؟ ولكن إسحاق لم يكن قد ولد بعد، والكاتب يريد أن يخصه هو من دون إسماعيل بهذا الشرف. ونسي الكاتب أنه في الإصحاح السابع عشر تنبأ لإبراهيم بأنه سيكون له من سارة زوجته ابن (أي إسحاق) منجاب كثير النسل: "وأباركها وأعطيك أيضا منها ابنا. أباركها فتكون أمماً وملوك شعوب منها يكونون" (تكوين 17/16)...
    فكيف يصدق إبراهيم الرؤيا بذبح إسحاق صبيا يافعاً لم ينجب بعد؟

    علي أن اقتطاع اختبار الذبح من الإصحاح السابع عشر (كيلا يكون بإسماعيل) ورده إلي الإصحاح الثاني والعشرين (كي يولد إسحاق ويشب)، يترك الكلام في الإصحاح السابع عشر قلقا، إذ لا معني لأن يقال لإبراهيم وهو في سن تسع وتسعين: لا يدعي اسمك بعد أبرام......، أي أن اسم "أبرام" لم يعد يليق بك. فلماذا؟ ما الذي حدث له أو منه في هذه السن كي ينبو عنه اسم "أبرام"؟ إنه بلا شك اجتياز اختبار الذبح، أي البلاء المبين الذي كان بإسماعيل ولم يكن بإسحاق الذي لم يولد بعد. ولكن الكاتب كما مر بك لا يريد ذلك، فماذا يفعل؟ تحايل على سد الثغرة فجعل لتكرمة إبراهيم باسمه الجديد مقابلا يلتزم به في نفسه وولده، وهو عهد الختان. ولكن الكاتب يعلم أن الختان من سنن الفطرة، هدى إليه إبراهيم كما هدى إليه المصريون من قبل. ويعلم أيضا أنه لا معني لربط الختان بكثرة النسل، فماذا يفعل؟ أفتعل للختان رمزاً غليظا، يخرج به عن أصله كقاعدة من قواعد النظافة الجسدية، ليصبح كالوسم، توسم به الماشية علامة على الانتماء والملكية: "أما الذكر الأغلف الذي لا يختن في غزلته فتقطع تلك النفس من شعبها. إنه نكث عهدي" (تكوين 17/14), وكان "بولس" - رسول الحواريين إلي أوربا - قد فطن من بعد إلي أن تعليق الدخول في حظيرة إبراهيم على هذا الشرط الغليظ- شرط الختان - كفيل بأن يقطع "نسل" إبراهيم لا أن يكثر نسله كما تقول النبوءة التي في سفر التكوين، فقال بعدم وجوبيته. فعدل عنه المسيحيون جميعا، إلا من ولدوا بأرض ورثت الختان فطرة، ولم ترثه ديانة (شأن المصري المسيحي، على سبيل المثال).

    ولكن المعضلة لا تزال ماثلة أما م الكاتب: ها هو في الإصحاح الثاني والعشرين يوقع اختبار الذبح على إسحاق كما مر بك، فماذا بقي في جعبته من جائزة يكافئ بها بر إبراهيم حين اجتاز بنجاح لا نظير له هذا الاختبار الفذ؟ ليس في ذهنه إلا جائزة "تكثير النسل" يطنطن بها، لا يسأم ولا يمل، ناسيا أن إبراهيم يحمل على صدره هذا الوسام من قبل بمقتضي عهد الختان. ولكن الكاتب لا يعبأ بذاكرة قارئه كما مر بك، فحسبك الله ونعم الوكيل.

    بل ليس في كثرة النسل كم تعلم مجد لأحد، حتى يجازي بها الله بر إبراهيم. فضلا عن أن هذه النبوءة لم تتحقق إن أردت نسل إبراهيم عبر إسحاق، كما قالها سفر التكوين بالنص، خطابا من الله عز وجل لإبراهيم:"بإسحق يدعى لك نسل" (تكوين 21/12).

    ليست أبوة إبراهيم هي أبوة "الناسل"، وإنما هي أبوة "الإمامة". ولو فطن كاتب سفر التكوين - وفطن من بعده علماء التوراة - إلي هذا المعني الجليل في اسم إبراهيم عليه السلام، لعضوا عليه بالنواجذا. ولكن "ألهاهم التكاثر"، عقدة اليهود في كل عصر: أراد الكاتب مجده هو ومجد شعبه - إن كان في كثرة النسل مجد - ولم يطلب مجد إبراهيم، فأراد الأب المنجاب "الناسل"، ولم يرد الأب "الإمام".

    قال المسيح عليه السلام في تقريع هؤلاء. ينص على أبوة الإمامة: "لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم. ولكنكم الآن تطلبون قتلي. ,و أنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله. هذا لم يعمله إبراهيم" (يوحنا 8/39-40). (ما فتئ المسيح، وكأنما يتنبأ بما سيكون من بعده، ينص على بشريته: إنسان يوحي إليه!)

    وقالها القرآن أيضا فأوجز وأبلغ: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ} (68) سورة آل عمران.

    وليس بعد هذا شرف لإبراهيم عليه السلام، النبي الإمام، صلوات الله وسلامه على جميع رسله وأنبيائه، وعلي كل من تبعهم بإحسان.
    ... يتبع
    مرسلة بواسطة أستاذ/ ولاء الشاذلي في 10:46 ص 0 التعليقات




































    =========================================


    ////////

    الجمعة، 15 يونيو، 2007
    آل إبراهيم
    السلام عليكم...

    "آل إبراهيم"... "لوط" ابن أخي إبراهيم و"إسماعيل" ابنه البكري و"إسحاق" الابن الأصغر هيا بنا نتابع كتاب "من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن" ونقرأ كيف فسر القرآن الكريم أسماء هؤلاء الأنبياء.

    مع تحياتي


    من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن
    العلم الأعجمي في القرآن مفسراً القرآن
    المؤلف/رؤوف أبو سعدة
    ******

    آل إبراهيم
    ******

    (1)
    لوط

    لوط في التوراة ابن أخ لإبراهيم هو هاران، وإبراهيم (وهاران) ابنا آزر(أو تارح كما تقول التوراة). و"لوط" في القرآن هي نفسها "لوط" في التوراة، لا فرق بينهما في الكتابة، ولا فرق أيضا بينهما في النطق إلا أن لفظة "لوط" العبرية - الآرامية ينطق فيها المد لا بالواو، وإنما بالضم، مثلها مثل "يوم" العربية العامية، أو bought الإنجليزية.

    أما "لوط" العبرية فهي من الحجاب والخفاء والستر، تشتقها من الجذر العبري "لآط / لوط"، وقرينه العربي "لط"، وأيضا "لاط/ يلوط/ لوطاً" ، بمعني ستره وأخفاه، "لوط" العبرية إذن مصدر بمعني الحجب والستر، وأيضا اسم بمعني حجاب.

    إن نطقت "لوط" العبرية مداً بالواو، مثل لوط في القرآن، فهي على زنة اسم المفعول في العبرية، والمعنى محجوب أو مستور، وإن نطقتها مداً بالضم (مثل "يوم" العربية العامية) كما في التوراة، فهي على زنة المصدر في العبرية، والمعني ستر وحجاب. من ذلك في العبرية المعاصرة قولهم عن الشئ غيبه الضباب: "لوط بعرافل" أي "ليط بضباب"، و"عرافل" عبرياً يعني الضباب.

    ********

    في العبرية أيضا "لوط" بنفس نطق اسم نبي الله لوط في التوراة، ومعناها في العبرية "لاذن"، ذلك الصمغ "الراتينجي" الذي يعلك أو يستعمل عطراً أو دواء، صاغته العبرية على الراجح من معنى اللزوق والعلوق الذي بقي في "لط" و "لآط" العربيين ، وضاع من الجذر العبري"لاط/لوط".

    وفي السريانية كذلك "لوط" أخري معناها "فستق" وبعيد أن يكون اسم "لوط" منه، لأن اللغة السريانية لم تولد إلا بعد لوط بقرون وقرون. على أن علماء العبرية لا يفسرون اسم "لوط" باللاذن أو الفستق، وإنما يفسرونه بالستر والحجاب، فهو حجاب أو محجوب، وبهذا المعني نفسه فسره القرآن.

    وغير بعيد أن لوطاً عليه السلام لم يكن هذا اسمه، وإنما شهر به عشية البطشة الكبري بالقرية التي كانت تعمل الخبائث، رمزاً لآية طمس أعينهم عنه، وخروجه من بينهم بقطع من الليل، في "ساتر" الله عز وجل.

    *********

    أما مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 80 من سورة الأعراف) فقد قال الكثرة بعجمة هذا الاسم، ولم يتصدوا لتفسيره.ولكن منهم (الفراء) الذي حاول تفسيره من العربية، إلا أنه أخطأ معنى الستر والخفاء الذي في "لاط" العربي، وتعلق بمعني اللصوق والعلوق (وهو الأشهر في "لط", "لآط" العربيين) فقال إنه من قولك "هذا أليط بقلبي" يعني ألصق بقلبي، أي أحب إلي. وهو لم يفطن إلي معنى الخفاء والاستتار في هذا الجذر العربي لأنه بادئ بدء لم يقسه على قرينه العبري، فأخطأ ولم يصب.

    لم يكن بين يدي مفسري القرآن وقتئذ ذلك المنهج الذي هدانا الله إليه بفضل منه ونعمه: تفسير العلم الأعجمي في القرآن بالقرآن. فالحمد لله الذي هدانا لهذا. وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

    *******

    فسر القرآن اسم "لوط" عليه السلام بأدوات ثلاث: فسره بالتعريب، وفسره بالمقابلة، وفسره أيضا بالسياق العام، أي بالتصوير:
    فسره بالتعريب، لأن "لوط" نفسها تفهم عربيا على أنها اسم فعل بمعني مفعول، من لاط / يلوط / لوطاً، كما تقول مثلا "جعل" بضم فسكون وتعني "مجعول"، من جعل/ يجعل / جعلاً. فهو المستور المحجوب، أي "الذي ليط". وهو تعريب وليس ترجمة ، لأن "لوط" بضم اللام لم تسمع من العرب. ولكنه تعريب مفسر، إن تمعنت.

    وفسره بالمقابلة، أي بالضد من معناه كما مر بك، في مثل قوله عز وجل على لسان لوط: {قَالَ إِنَّ هَؤُلاء ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ} (68) سورة الحجر، وفضحة يعني هتك ستره. وأيضا في قوله عز وجل على لسان لوط يزجر قومه: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} (54) سورة النمل، أي أتأتون الفاحشة علانية لا تستترون؛ وكان الكفرة الفجرة يتلاوطون علنا، لا يستتر بعضهم من بعض، كما أخبر الله عز وجل على لسان لوط في خطاب قومه: { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ} (29) سورة العنكبوت.

    وفسره أيضا بالسياق العام أو الجو العام الذي توحي به إليك الآيات التي تصور لك لوطاً وهو " يراود" عن ضيفه ولا يملك ما يدافع به إلا أن يفتدي ببناته فلا يقبل منه، ويهمون به ليبطشوا به إلا أن يخلي بينهم وبين ضيفه هؤلاء ليفعلوا بهم ما أرادوا، ويجزع لوط أشد الجزع وقد غلب على ضيفه فيتوجع {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} (80) سورة هود ، ولكن ضيفه يهونون عليه {قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ } (81) سورة هود، ولكن الملائكة المكرمين لا يدافعون عن لوط، ولا يبطشون بالكفرة الفجرة ، فلم تحن بعد ساعتهم، بل يضربون بينه وبينهم بحجاب، فتغشي الذين ظلموا الظلمة { فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ } (37) سورة القمر فيحتجب منهم لوط كما تحتجب الملائكة ، ويضرب الليل بأستاره على القرية المجرمة ، ويمضي لوط في ساتر الليل متبعاً ما أمر به { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ} (81) سورة هود، لينجو بسحر { إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ} (35- 34) سورة القمر، ولا ينجلي الليل عن القرية إلا وقد صبحهم عذاب مستقر {وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ} (38) سورة القمر، وهلك الظلمة ردما وعميانا {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ}(72 - 74) سورة الحجر.

    هذا الحجاب المضروب على لوط في إفلاته من بطش الذين كفروا، وفي فراره من القرية الظالم أهلها، حجاب باطنه من قبله الرحمة، وظاهره من ورائه العذاب ، ولذلك قيل له {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } (65) سورة الحجر، أي النجاة أمامك، وكل ما وراءك هالك ، فاجعلهم وراءك ، ولا تلتفت.

    هذا الجو العام، الذي توحيه الآيات ، سمة يتفرد بها القصص القرآني من دون كل قصص الحدث المروي في القرآن لا يسرد عليك كما يسرد الخير ولكنه - على خلاف ما تجد في التوراة والإنجيل - يبعث لك من غياهب التاريخ حيا نابضا مشخصا، وإذا أنت في قلب الحدث، تسمع وتري، وقد طويت المسافات واستدار الزمن .

    *******

    (2)
    إسماعيل

    "إسماعيل" في القرآن هي تعريب "يشمعيل" العبرية في التوراة.
    وهي في العبرية على المزجية من (يشمع + إيل)، ومعناها الحرفي "يسمع الله".
    وقد مر بك أن العبرية تستخدم المضارع وتريد اسم الفاعل منه، فيكون معنى هذا الاسم "الله سميع"، أو "سميع هو الله".

    وسفر التكوين لا يحدثك بشئ عن مناسبة هذه التسمية، لأن غاية همه بنو إبراهيم عبر إسحاق، لا يهتم لشي من أمر إسماعيل، إلا شذرات تجئ عبر السياق. ولكنك تجد مناسبة هذه التسمية في القرآن.
    فقد مر بك أن إبراهيم عليه السلام، حين انقطع ما بينه وبين أبيه وقومه، خرج مهاجرا إلي ربه يدعوه: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ } (100) سورة الصافات، فاستجاب له عز وجل بالبشرى {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} (101) سورة الصافات، أي بإسماعيل، لا يصح أن تقول بإسحاق، لأن إبراهيم دعا بها لحظة خرج مهاجرا إلي ربه لا يصحبه إلا زوجه سارة وابن أخيه لوط، دعا بها وهو بعد "فتي يقال له إبراهيم" (راجع الآية 60 من سورة الأنبياء)، عقيم الزوج لم يولد له بعد إسماعيل، بل لم يلتق بعد بهاجر أمه، التي أهداها إليه ملك مصر بعد سنوات من الطواف والترحال، كما تقرأ في سفر التكوين.

    بشر الله عز وجل إبراهيم بهذا الغلام الحليم ولم يستجب له من فوره، وإنما أرجأ الاستجابة إلي أجل مسمى عنده، يبتلي صبر إبراهيم. كان مقدوراً لإسماعيل بكر إبراهيم ألا يجئ من زوجه سارة الآرامية ابنة عمه، وإنما من هاجر المصرية، لينبت في واد أصم غير ذي زرع عند بيت الله المحرم، كي تقام فيه الصلاة: { رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ} (37) سورة إبراهيم، ولو كانت سارة أم اسماعيل لما ارتضت فراقه، إلا أن تصحب ابنها في مهاجره فتفارق إبراهيم. ولكنه كان ابن ضرتها ، فشجعت ولم تمانع، بل كانت هي التي أوحت وألحت، في رواية سفر التكوين.

    صدق الله إبراهيم وعده ببكره إسماعيل وقد ناهز إبراهيم ستاً وثمانين، لم يعد بعد "فتي يقال له إبراهيم"، وإنما ولد له إسماعيل وقد بلغ به الكبر، كما تجد في قوله الله عز وجل على لسان إبراهيم: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} (39) سورة إبراهيم.

    ويتذكر إبراهيم يوم ولد له إسماعيل دعوة منه سبقت، يوم خرج مهاجرا إلي ربه وحيدا إلا من زوجه وابن أخيه، يسأل ربه النسل الصالح الذي يعنيه على أمر الله، ويذكر ايضا بشرى الله إياه يومئذ "بغلام حليم"، أرجأها الله إلي أجل مسمي عنده وقد نيف إبراهيم على الثمانين، فيعلم فوق علم أن الله عز وجل - مهما طال الأجل - لا يخلف وعده رسله، وكأنه قال بالعبرية، يمجد بها الله: يشمع إيل؛ أي سميع هو الله؛ فسمي بها إسماعيل (يشمع + إيل).

    ***********

    أما مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 125 من سورة البقرة) وقد أجمعوا على عجمة "إسماعيل"، فلم يفتهم معنى "السمع" ومعني "الله" في (اسمع + إيل) ولكنهم فهموها بصيغة الطلب على الدعاء، فقالوا إن معنى هذا الاسم هو "اسمع يا ألله" أو "اللهم فاسمع".

    ولا يصح هذا من وجهين: الأول لمخالفته معنى "يشمع إيل" العبرية، التي تفيد حدوث السمع لا طلبه. والثاني لأن الذي يستمع الله دعاءه فيستجيب، لا يقول: اللهم فاسمع، وإنما يقول: قد سمعت يا ألله.

    وهذه هي آفة كل تفسير لاسم علم بغير لغة صاحبه.
    أما إن أردت ترجمة "إسماعيل" إلي العربية ترجمة تصح بها العلمية، فالأقرب إلي الصواب أن تقول "سمع الله"، على التقرير، لا على الدعاء، كما يتسمى الناس الآن بــ "جاد الله"، "جاد الحق"، وأشباههما.

    **********

    ولا ينقضي القول في "إسماعيل"- قبل حسم ذلك الإشكال الذي افتعله جمهرة، من المفسرين (راجع تفسير القرطبي للآيات 101 وما بعدها من سورة الصافات) قول الشخص الذي كان به "البلاء المبين" في القرآن: إسماعيل أم إسحاق؟

    تهيب هؤلاء المفسرون تكذيب التوراة في قولها إن "الذبيح" كان إسحاق بالاسم ، لا إسماعيل، فلم يروا بأساً من متابعة التوراة على هذا القول، لاسيما والقرآن لا ينص على الذبيح بالاسم، ووازنوا بين تكذيب التوراة بغير صريح القرآن وبين رد أحاديث من مثل قوله صلي الله عليه وسلم: "أنا ابن الذبيحين" (إشارة إلي أبيه عبد الله بن عبد المطلب وجده الأكبر إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام)، فردوا تلك الأحاديث.

    والراجح عندي أن هؤلاء المفسرين "سمعوا" من أحبار يهود أن التوراة تنص على إسحاق ولا تنص على إسماعيل،
    ولكنهم لم "يقرأوا" تفاصيل ذلك في سفر التكونين نفسه، على ما مر بك في سياق تفسيرنا لاسم إبراهيم عليه السلام، وإلا لخلصوا كما خلصنا نحن من تحليل كلام الكاتب نفسه في الإصحاحات الخامس عشر والسابع عشر والثاني والعشرين إلي أن البلاء المبين ما كان ليصح إلا بإسماعيل، وحيد إبراهيم قبل عام من مولد إسحاق، ولجزموا - كما جزمنا نحن - بأن "إسحاق" هاهنا مقحمة على هذا السفر، مدسوسة من الكاتب أو الناسخ "ذي المصلحة"، وأن تكذيب التوراة في "إسحاق" ليس تكذيباً لله عز وجل فيما أنزل من التوراة، وإنما هو تكذيب لهذا الكاتب أو الناسخ.

    والذي ينبغي التنبيه إليه أن التوراة - شأنها شأن الأناجيل التي بين يديك - ليست كلها باعتراف الكتبة أنفسهم كلاماً من الله عز وجل على رسله وأنبيائه، يتحصن بحجية الشئ الموحى به، وإما يتخللها الكثير- بل الأكثر- من كلام الكاتب و الناسخ، يصح حين يصح، كما تصح أحاديث الرواة، لا أكثر ولا أقل ، لا يرد به حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يتأول به قرآن.

    والذي ينبغي التنبيه إليه أيضا أن المسلم - المأمور بتصديق التوراة والإنجيل بمقتضي قوله عز وجل في وصف المتقين {والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} (4) سورة البقرة - إنما هو مأمور بتصديق ما أنزل الله فيهما فحسب، الذي صدقه القرآن، لا ما زاد فيهما الكاتب والناسخ.

    ويترتب على هذا مباشرة أن مقولات سفر التكوين الذي بين يديك لا ترد فحسب بصريح القرآن، وإنما ترد أيضا بالنقد التحليلي المباشر، على ما مر بك من القول في صحة "حساباته" أو من وصفه "جنة آدم" التي بعدن "شرقاً" أو تفسيره معنى "بابل" بالبلبلة، الخ... لو التزمت تصديق هذا الكاتب في كل مقولاته، فأوجبت على نفسك تصديقه في أن "البلاء المبين" كان بإسحاق لا بإسماعيل، لوجب عليك أيضا تصديقه في شناعات لا تصح في "نص مقدس"، من مثل زني ابنتي لوط بأبيهما على ما مر بك، أو من مثل انخلاع حق فخذ يعقوب (تكوين 32/26) وهو "يصارع" الله عز وجل، في محاولة بائسة لتفسير معنى شهرة "إسرائيل"،وتعليل تحريم بني إسرائيل أكل "عرق النسا" الذي على حق الفخذ.

    أما القرآن لم ينص صراحة على أن "البلاء المبين" كان بإسماعيل، لا بإسحاق، فهذه زلة لا يصح أن يقع فيها مفسر للقرآن جدير بهذا الاسم. يكفيك أن تتلو الآيات من 99 إلي 112 من سورة الصافات، كي تعلم أن إبراهيم عليه السلام بشر غداة خروجه مهاجرا إلي ربه بغلام حليم، وأن هذا الغلام نفسه بلغ معه السعي، فكان به "البلاء المبين"، وأن الله عز وجل عقب على اجتياز إبراهيم هذا الاختبار الفذ بأن بشر إبراهيم بغلام آخر يولد له، هو إسحاق: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} (112) سورة الصافات، فكان إسحاق بعض "جزاء المحسنين" الذي جازي به الله بر إبراهيم، ولم يكن هو بداهة الذي كان به البلاء المبين، وإنما كان البلاء المبين بإسماعيل.

    (ربما أحرجت هذه الآية المفسرين الذين قالوا إن الذبيح هو إسحاق، فتمحك بعضهم بتأويلها على أنها بشري بالنبوة لإسحاق الذبيح، ولا يصح هذا من لغوي حاذق، لأن البشري في الآية تتعدي بالياء، فهي واقعة بإسحاق لا بالنبوة. وإنما النبوة والصلاح في الآية وصفان للابن المبشر به).

    ونحن نضيف إلي هذا دليلا آخر من القرآن، وردت "غلام حليم" مرة واحدة في القرآن ( الصافات: 101) وصف بها الله عز وجل الغلام الذي كان به البلاء المبين، لم يخص بها غيره من أبناء إبراهيم، ووردت "غلام عليم" في القرآن مرتين، يخص بها إسحاق بالنص: {قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} (53) سورة الحجر، {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} (28) سورة الذاريات، والمعني في الآيتين هو إسحاق بلا خلاف، أفلا تدلك هذه المغايرة بين "عليم" و"حليم" على أن البلاء المبين لم يكن بالغلام "العليم" (إسحاق)، وإنما كان بالآخر، الغلام "الحليم" الذي في سورة الصافات، فهو إذن "إسماعيل"؟

    كذلك وردت "صادق الوعد" مرة واحدة في القرآن، خص بها الله عز وجل إسماعيل وحده دون غيره من النبين والمرسلين: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا} (54) سورة مريم. إلا تجد في هذا إشارة بليغة إلي صدق إسماعيل وعده أبه بالصبر على الذبح إذعاناً لأمر الله حين شاوره إبراهيم في رؤياه {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} (102) سورة الصافات، حتي "تله للجبين"، فأي صبر كان؛
    كان الذبيح إسماعيل، لا محل للقول بخلافه، ولا مجال للتردد فيه متابعة لقول أهل الكتاب.

    وإذا كان الذبيح هو إسماعيل - إحقاقا للحق لا غير- فليس معنى هذا أن إسحاق أدني منزلة في سلم الأنبياء من إسماعيل، صلوات الله وسلامه على جميع رسله وأنبيائه، بل الكل في كرامة الأنبياء عند الله سواء، وهو أعلم ببلاء أنبيائه حسبك قوله عز وجل في الأنبياء من ذرية إبراهيم، وفيهم إسماعيل وإسحاق {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (90) سورة الأنعام

    ********

    أما التفسير القرآني لاسم "إسماعيل"، وهو "يشمعيل" عبرياً، ومعناه كما علمت "سمع الله" أو "سميع هو الله"، فأنت تجد هذا التفسير في قوله عز وجل على لسان إبراهيم: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} (39) سورة إبراهيم.

    وتجده في قوله عز وجل على لسان إبراهيم أيضا: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (127) سورة البقرة.

    *******

    (3)
    إسحاق

    إسحاق (وترسم اسحق في المصحف) هو الابن الثاني لنبي الله إبراهيم عليهما السلام، رزق به من زوجه سارة وقد ناهزت التسعين، عجوزاً عقيماً قد أيأستها السنون، وإبراهيم يومئذ قد بلغ المائة، فكان إنجابهما إسحاق في تلك السن آية من آيات رحمة الله بإبراهيم وأهل بيت إبراهيم: {قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} (72) سورة هود.

    وإسحاق عليه السلام سمته الملائكة، لم تسمه أمه ولم يسمه أبوه كما يقول سفر التكوين. بل سمت الملائكة أيضا "يعقوب" بن إسحاق، ولم يولد بعد إسحاق. تجد هذا في قوله عزوجل: {وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ} (71) سورة هود

    ******

    وقد قالت الكثرة من مفسري القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 133 وما بعدها من سورة البقرة) بعجمة "إسحاق" ولم يتصدوا لتفسيره. إلا من شذ فحسبه من العربية، يشتقه من الجذر العربي "سحق" بمعنى بعد أشد البعد. وليس هذا بشئ لأنه يفسر الاسم بغير لغة صاحبه، فلا تلتفت إليه.

    *******

    "إسحاق" في القرآن هي تعريب "يصحاق" في التوراة. وهي صغية المضارعة في المفرد الغائب من الجذر العبري "صحق"، وقرينه في نهر العربية الجذر العربي "ضحك". و"يصحاق" العبري إذن يعني "يضحك"، لا يراد منه الفعل، وإنما يراد منه الفاعل، ومن ثم معنى "اسحاق"، وهو "يصحاق" عبريا، الضاحك أو الضحوك، وقد سمى العرب بمعناه على المبالغة فقالوا "الضحاك".

    والتسمية بالفعل المضارع يراد منه اسم الفاعل، شديدة الشيوع في العبرية كما مر بك في موضعه: رأيت هذا في "يشمعيل" (إسماعيل)، وتراه الان في "يصحاق"، أي إسحاق. وستجده كثيرا فيما يلي من أعلام التوراة.
    علي أن لهذا نظائر بقيت في العربية كما مر بك، تجدها في أمثال "يزيد" وغيرها من أعلام الأشخاص والمواضع. والأصل في هذا كما مر بك أن الفعل المضارع يفيد الحال كما يفيد الاستقبال، أي "يضحك" وسيظل، فهو "ضاحك" و "ضحوك".

    *******

    أما التفسير القرآني لهذا الاسم العلم، فأنت تجده في قوله عزوجل: {وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ} (71) سورة هود، أي ضحكت سارة وهي قائمة تخدم ضيف إبراهيم من الملائكة عجبا وحياء وهي تسمع من الملائكة بشري لإبراهيم بمولود يولد منها، وهي في تلك السن عجوز عقيم. وكأن ضحكها كان مناسبة يصاغ منها اسم المولود المبشر فقيل لها أضحكت؟ بشراك إذن "بالذي يضحك"، وهي "يصحاق"، اسم نبي الله إسحاق عليه السلام.

    ********

    وربما قلت فلماذا جاءت "إسحاق" في القرآن بالسين، ولم تجئ على أصلها بالصاد "إصحاق"؟
    قال هذا بالفعل بعض المستشرقين، مماحكة، كدأبهم في معارضة القرآن.
    ولكنك تندهش إذ تعلم أن "يصحاق" هذه تجئ في عبرية التوراة بالسين كما تجئ بالصاد، والصاد أغلب، وأن "سحق" و"صحق" في المعجم العبري صنوان. وفي اللغة العربية تتعاقب السين والصاد مثل "السراط" و"الصراط" وقد قرئ بهما.

    ولعلك تدرك معي أن تتابع الصاد والحاء والقاف في "يصحاق" قعقعة تنبو عنها موسيقي القرآن، لذا فقد عرب القرآن "إسحاق" عن "يسحاق" ولم يعربها عن "يصحاق" عالماً أنه لم يبعد، لوجود كلا الرسمين في عبرية التوراة.

    لا يشاد القرآن أحد إلا غلبه القرآن، وسبحان العليم الخبير.


    ... يتبع


    http://e3gaz1.blogspot.com/
    مرسلة بواسطة أستاذ/ ولاء الشاذلي في 5:02 م 0 التعليقات






















































































































































    بحث اخر لمؤلف اخر

    الأبحاث المنشورة
    تحتوي هذه الصفحة على الأبحاث المنشورة في المؤتمرات والمجلات العلمية.

    1- لفظتا "عاقروعقيم " ودلالتهما اللغوية في القرآن الكريم ،.
    ألقي في المؤتمر العلمي الثالث(الإعجاز في القرآن الكريم) الذي أقيم في كلية التربية الحكومية بغزة(فلسطسن) في الفترة10-12 صفر 1421هـ/الموافق15017 مايو 200م،وهو منشور في (مجلة الأحمدية - دبي) العددالثامن ،1422هـ- 2001م،ص ص 61- 86.

    لفظتا (عاقر) و (عقيم) ودلالتهما اللُّغوية
    في القرآن الكريم
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


    ملخص البحث

    يتتبع هذا البحث ورود هاتين اللفظتين في القرآن الكريم ،واستخدامهما اللغوي ، وتأصيل اشتقاقهما ، وما يحمله هذا الاشتقاق من دلالاتٍ ومعانٍ متعددة، سواء كانت هذه المعاني وظيفية أو معجمية .
    وتحاول هذه الدراسة النـَّصية استقراء المادة اللُّغوية (الجذر اللغوي) التي وردت في القرآن بصفة عامة ، والربط بينهما وبين معاني هاتين المفردتين على وجه الخصوص ، واكتشاف الفروق الدلالية بينهما ، إن كان ثـَمَّةَ فروق .
    *****
    نعمة الإنجاب نعمةٌ لا يعادلها شئٌ في حياة الإنسان ذكراً كان أم أنثى. وقد امتن الله على عباده بذلك، وجعلها آيةً من آياته الدالة على قدراته، وهبةً من هباته لعباده. يقول الله تعالى: ]واللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وجَعَلَ لَكُم مِّن أَزْواجِكُم بنينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّن الطَّيِّباتِ[(1) ويقول: ]وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّن أَنفُسِكُم أَزْوَاجاً لِّتسكُنُوا إلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً…[(2) ويقول: ]للهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثاً ويَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكور*أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإنَاثاً…[(3).
    والتناسل سنة الله التي قامت عليها الخليقة بدءاً بآدم –عليه السلام – وابنيه "قابيل" و"هابيل" ، بل هو سنة الله في جميع المخلوقات التي ذرأها في هذا الكون، ولذا عُدَّ هو الأصل، وما عداه خارجٌ عليه.
    ولو تأملنا الأنبياء – عليهم السلام – لوجدنا أن أكثرهم قد رزق بالبنين والبنات، يقول الله تعالى ]وَلَقَدْ أَرْسَلْنْا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً…[(4)ولم تذكر المرويات التاريخية من الأنبياء الذين لم يُرْزقوا بأبناء سوى عيسى ويحيى – عليهما السلام -(1) .
    وقد حث الإسلام على التناكح ،والتناسل والإنجاب ، والسعي للحصول على الولد .فقال صلَّى الله عليه وسلم : " تزوجوا الودود الولود ، فإني مكاثرٌ بكم الأمم "(2) وقال لا تَزَوَّجُنَّ عاقراً، فإني مكاثرٌ بكم"(3).
    ولذا عُدَّت الرغبة في الأمومة والأبوَّة من المظاهر الفطرية عند الإنسان، ومن مظاهر غريزة النوع لديه بشكل عام، فهي مركوزةٌ في جِبِلَّته، ذاتيةٌ في كيانه .
    وقد استوقفني في القرآن الكريم-وما أكثر ما استوقفني فيه-ورود لفظتين تدوران في هذا الإطار-أعني الإنجاب، ولكن في الوجه المضاد له سلباً، وهما لفظتا (عاقر) و(عقيم)، فرأيت أن أخُصَّهما بدراسة أسلوبية لُغوية، تتتبَّع مواضع ومواقع ورودهما في القرآن، وتتأمل في استعمال النصِّ أو الأسلوب القرآني لهما، وما فيهما من قِيَمٍ صوتية ودلالية، سواء أكان ذلك على مستوى المفردة القرآنية، انتقاءً واختياراً لها دون سواها، أم على مستوى التراكيب القرآنية، خُصُوصيةً وترخُّصاً.
    وقد وردت هاتان اللفظتان في مواضع متعددة من القرآن الكريم، بلغت سبعة مواضع(4) ، منها ثلاثة مواضع للفظة (عاقر)، أولها في قوله تعالى: ]قَالَ رَبِّ أنَّى يكون لي غلام وقد بَلَغَنِي الكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقرٌ…[(5) ، والموضعان الآخران هما قولـه تعـالى :


    ]وَإِنيِّ خِفْتُ المَوالىَ مِن وَرائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً…[(1)، وقوله تعالى: ]قَالَ رَبِّ أَنَّىا يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً[(2).
    وأربعة مواضع للفظة (عقيم)، أولها قوله تعالى: ]…حَتَّى تَأْتِيهُمُ السَّاعَة بَغْتةً أوْ يأتِيَهُمْ عَذَابُ يَومٍ عَقِيمٍ[(3)، وثانيها قوله تعالى: ]فأقْبَلَتِ امْرأتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ[(4)، وثالثها قوله تعالى: ]وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلنَا عَلَيْهمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ[(5)، ورابعها قوله تعالى: ]أوْ يُزَوجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإنِاثاً وَيَجْعلُ مَن يَشَاء عَقِيماً إِنَّهُ عَليِمٌ قَدِيرٌ[(6).
    وهذه المواضع السبعة منها خمسةٌ متصلةٌ بالمعنى الاصطلاحي لهاتين اللفظتين، وهو عدم إمكانية الإنجاب، أمَّا الموضعان الآخران فيدوران حول الجذر اللغوي لمادة (عقم)، مما يعني أن لفظة (عاقر) جاء استخدامها في القرآن بالمعنى الاصطلاحي لها، أما لفظة (عقيم) فقد اسْتُخْدِمَتْ في المعنى اللغوي لها، وفي المعنى الاصطلاحي أيضاً.
    على أنه ينبغي التنويه إلى أن الجذر اللغوي للفظة (عاقر) لم يكن القرآن خِلْواً منه، فقد ورد في خمسة مواضع(7)، كلها جاءت بصيغة الفعل (عقر)، حديثاً عن قوم صالح-عليه السلام-، وما صنعوه في آية الله التي أرسلها إليهم وهي الناقة.
    فأمَّا لفظة (عاقر) ومواضعها الثلاثة في القرآن الكريم، فقد وردت على لسان نبي الله زكريا-عليه السلام-حينما بُشِّر بحمل زوجه منه، وولادة يحيى-عليه السلام-له، على كِبَرٍ منه وعُقْرٍ فيها، أو على شيخوخةٍ فيه وداءٍ فيها، وكلتاهما صفةٌ أو حالةٌ تحول دون الحمل والولادة، أو الإنجاب بصفة عامة.
    وبتتبُّع المواضع الثلاثة التي وردت فيها لفظة (عاقر)، نجد أن القرآن أشار في موضع واحد منها إلى العُقْر مباشرةً ، واستخدم عبارة ]وامْرَأَتِي عَاقِرٌ[، وهنا لم يُبَيِّنْ هل كان العُقْر أيام شباب زوج زكريا أو حدث لها في فترة متأخرة من حياتها؟
    والتعبير هنا بالجملة الاسمية يدل على أن كونَها عاقراً وصفٌ لازمٌ لها، وليس أمراً طارئاً عليها(1).
    أما الموضعان الآخران فقد استخدم القرآن فيهما عبارة ]وكانتِ امْرَأَتِي عَاقِراً[، مما يدل على أنها كانت عاقراً قبل كبرها.
    والتعبير بـ"كانت" يدل-كما يذكر ابن الجوزي-على أحد شيئين: إمَّا للتوكيد، أي وهي عاقر، وإمَّا لإفادة أنها كانت منذ كانت عاقراً، ولم يحدث لها العُقْر في الكِبَر(2).
    وشيءٌ آخر، أن في قوله تعالى: ]قَالَ رَبِّ أنَّى يكونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِي الكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ[، وقوله تعالى: ]قَالَ رَبّ أَنَّى يكُونُ لِي غُلامٌ وَامْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ من الْكِبَرِ عِتيًّاْ[ ذكراً لسببين مانعين من الإنجاب وهما: كِبَرُ سن الزوج، وعُقْر الزوجة، ولكنه في الموضع الثالث اكتفى بذكر سبب واحد يحول دون الإنجاب، وهو عُقْر الزوجة. وفي هذا ما يدل على أن زكريا-عليه السلام-"كان يعرف من نفسه أنه لم يكن عاقراً، ولذلك ذكر الكِبَر ولم يذكر العُقْر"(3).
    ويستوقفنا في هذين الموضعين-أيضاً-أن القرآن قدَّم في "آل عمران" على لسان زكريا كِبَرَ سِنَّه وأخَّر عُقْر زوجه، ولكن قَدَّم في "مريم" عُقْر زوجه، وأخَّر كِبَرَ سِنِّه!، ومثل هذا التقديم والتأخير حَفِيٌ بالنظر والتأمل، والتماس وجهه البلاغي.
    وقد ذكر بعض العلماء تعليلاً لذلك فقالوا: لكي تتناسب رؤوس الآي في "مريم" بقوله: عتياً، ولياً، رضياً، وعشياً…إلخ، وأيضاً لما قَدَّمه أولاً بقوله:]وَهَنَ الْعَظْمُ مِنّي[ و]وكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً[ آخًّره ثانياً؛ تفنُّناً في الفصاحة(1).
    على أنني ألمس شيئاً آخر غير ما ذكر في التقديم والتأخير هنا، وهو أن العُقْر يُعَدُّ السبب الرئيس في عدم حدوث الإنجاب، أما كِبَر السنِّ فليس فيه-في الغالب-ما يحول دون ذلك، فقد ينجب الرجل وهو في سنٍّ متقدمة من العمر، أماَّ المرأة فتقلُّ-أو تنعدم-فرص إنجابها إذا تجاوزت سناً مُعَيَّنة، وذلك حينما ينقطع عنها دم الحيض وتصبح يائساً، وهذا ما أيَّده الطبُّ الحديث.
    ولذلك اكتفى القرآن في موضع من هذه المواضع الثلاثة بذكر عُقْر المرأة، سبباً وحيداً لعدم إمكانية الإنجاب-كما تقدم-.
    وإذا كان هناك من العلماء من ذكر أن العاقر من النساء هي التي لا تلـد لِكِبَرِ سِنِّها(2)، وكأنه يجعل كبر السن سبباً للعُقْر، فإن هناك منهم- أيضاً- من يُفسر العاقر من النساء بأنها هي التي لا تلد من غير كِبَر(3)، وكأنه يَعدُّ العُقْر غايةً لا سبباً، أي أنه ينظر إلى العُقْر على أنه داءٌ مطلقٌ في ذاته،دون تحديد بِكِبَر سنٍّ أو غيره،وهذا ما أميل إلى القول به.
    ثم إن في قوله تعالى: ]وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ[ إسناداً مجازياً(4) لبلوغ الكِبَر إياه، بمعنى أن الكِبَر هو الذي بلغ زكريا، ولم يقل على الحقيقة "قد بلغت الكبر"، وهذا من باب التوسُّع في الكلام.
    والتعبير هنا بالجملة الفعلية يدل على أن "الكِبَر يتجدد شيئاً فشيئاً، ولم يكن وصفاً لازماً"(1). ويلاحظ في هذه الآية أنه لم يبين القدر الذي بلغه الكِبَر منه، ولكنه في آية أخرى حدَّد ذلك القدر وهو العِتِيّ، الذي يعني الغاية (النهاية) في الكِبَر، واليُبْسَ، والجفافَ في العظام والمفاصل(2).
    ومما يستوقفنا في هذا المقام هو مدى التشابه الحاصل بين يحيى-ابن زكريا-وعيسى-عليهما السلام-في المعجزة التي كانت لكليهما.
    فمعجزة يحيى أنه بشارة الله على لسان الملائكة، أو جبريل-عليه السلام-وحده، لأبيه وأمّه، اللَّذين كانا على حالة تحول دون الإنجاب، فأبوه زكريا-عليه السلام-بلغ من العمر أرذله، حيث ذكر المفسرون أنه يوم بُشِّر بيحيى كان ابن تسعين سنة، وقيل: عشرين ومائة سنة(3)، وأمَّا أمه(4) فكانت-كما ذكر القرآن-عاقراً لا تلد، ولهذا فمجيئه إلى الدنيا على كِبَر سن أبيه وعُقْر أمّه معجزةٌ من المعجزات.
    وأما معجزة عيسى فقد كانت أيضاً-بشارة الله به لأمّه مريم التي كانت عذراء لم تُنكح من قبل، فمجيئه إلى الدنيا من غير أب معجزةٌ وأيُّ معجزة.
    ومن أجل هذا التوافق في المعجزة والتشابه في الظروف، لا يجيء القرآن "بذكر مولد يحيى إلا ويُعقبه بذكر مولد عيسى، يُمهِّد لإعجاز بإعجاز، فكلتا الولادتين آيةٌ تنقطع دونها رقاب البشر"(5).
    يقول الله تعالى عن زكريا ويحيى:]فَنَادَتْهُ الْمَلائِكةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي في الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيِحْيَى مُصَدقاً بكلمةٍ مّن اللهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنبَيّاً مِّن الصَّالِحينَ * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وامْرأَتِي عَاقِرٌ قالَ كذلِكَ اللهُ يفْعلُ مَا يَشَاءُ[(1)، ويقول عن مريم وعيسى: ]إذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكلمَةٍ مِّنْهُ اسمهُ المسيحُ عيسى ابنُ مريمَ وَجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربينَ * ويكلمُ النَّاسَ في المهدِ وكهلاً ومن الصالحين * قالتْ ربِّ أنَّى يكونُ لي ولدٌ ولمْ يمسسني بشرٌ قال كذلك الله يخلقُ ما يشاءُ…[(2)
    ولابد لنا- ونحن نستلهم الدلالات اللغوية من خلال خصوصية العبارة القرآنية- أن نتوقف قليلاً عند استخدام النص القرآني لبعض الألفاظ، وإيثاره لها دون بعضها الأخر في الآيات السابقة، وبخاصة تعبيرُه في الرد على زكريا حينما تعجب من مجيء ابن له وهو وزوجه على ما تقدم من حال، وذلك بقوله: ]كَذَلِك اللهُ يفْعَلُ ما يَشَاءُ[، حيث عبَّر عن تلك المعجزة بالفعل.
    وكذلك تعبيره في الرد على مريم حينما تعجبت من مجيء ابن لها دون أن يمسَّها بشر بقوله: ]كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ[، فهنا عبَّر عن هذه المعجزة بالخلق.
    ويبدو لي-والله أعلم-أن معجزة يحيى كانت معجزة فعْل-إن صَحَّ التعبير-لشيء هو كائن أصلاً، أما معجزة عيسى فمعجزة خلْق لشيء غير كائن أصلاً.
    وبيان ذلك أن ولادة يحيى تمَّت بعد أن وُجد طرفا الإنجاب، الأمُّ والأب، وانتفت-بمشيئة الله وقدرته-أسباب عدم الإنجاب: كِبَر سن الأب، وعُقْر رَحم الزوجة، فالمعجزة إذن كانت في شفاء داء الزوج، وإصلاح ما فسد من أعضاء الحمل في الزوجة، كما عبَّر القرآن بذلك فقال: ]وَزَكَرِيَّا إذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تذَرْنِي فَرداً وأنتَ خَيْرُ الْوارِثينُ* فاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ…[(3).
    فالإصلاح هنا-كما قال قتادة وسعيد بن جبير وأكثر المفسِّرين-هو أنها "كانت عاقراً فَجُعِلَتْ ولوداً"(1)، أو كما يقول الفرَّاء: "إنها كانت عقيماً فجعلناها تلد، فذلك صلاحها"(2)، أو كما يقول أحد المعاصرين: "استحيينا فيها وهي العجوز العاقر آلة الحمل والولادة"(3)، ولذا كان الأنسب أن تُذكر المعجزة على هذه الصفة مقرونةً بالفعْل ]يَفْعَلُ[.
    أمَّا ولادة عيسى-عليه السلام-فجاءت دون توفُّر أحد طرفي المعادلة في الإنجاب، وهو الأب، حيث لم تكن الأمُّ متزوجةً قط، فالمعجزة إذن كانت في الخلْق، وهو من الوجهة اللغوية والعلمية "إنشاءٌ لشيء ابتداءً، أي إيجاده من عدم"(4).
    ويُفَسِّر بعض المعاصرين هذه المعجزة بقوله: هي "إخصاب بويضة بغير مُخْصب، أو خَلْق هذه البويضة مُخصبة ابتداء…"(5)، ولهذا كان الأنسب أن تذكر المعجزة هنا مقرونةً بالخلْق ]يَخْلُقُ[، دون أيِّ لفظ آخر.
    وهكذا نرى أن هاتين الحالتين كانتا مختلفتين في الغرابة، ولهذا آثر القرآن في الحالة الأولى التعبير بلفظة ]يَفْعَلُ[ ؛ "إذ العادة جرت أن الفعل يستعمل كثيراً في كل ما يحدث على النواميس المعروفة، والأسباب الكونية المألوفة"(6)، كما آثر في الحالة الأخرى التعبير بلفظة ]يَخْلُقُ[؛ لأن "الخلْق يُقال فيما فيه إبداعٌ واختراع، ولو بغير ما يُعرف من الأسباب"(7)، وهكذا جاء اختلاف العبارتين باختلاف الاعتبارين.
    وقد استوقفتْ هذه المغايرة الأسلوبية وخصوصيتها في النص القرآني، أستاذنا الدكتور تمام حسَّان، وحاول تفسيرها تفسيراً آخر يختلف كُلِّياً عما ذُكر، وهو "أن التعبير بلفظ (يَفْعَل) في حالة زكريا لا يثير خواطر سيئة؛ لأن زكريا وامرأته زوجان فلا شُبْهَة إن حملت المرأة؛ لأن زوجها بجانبها، وقد كان إخصابها بواسطة تسخير زوجها لذلك، والتسخير والإخصاب من فعل الله، أما في حالة مريم فإن التعبير بلفظ (يَفْعَل) ربما أثار خواطر سيئة، فاللفظ لهذا غير مناسب، ومن هنا جاء الفعل (يَخلُقُ)(1).
    وقصارى القول: أن هذه الإيحاءات في الدلالات الهامشية للألفاظ والعبارات قد عُني بها النصُّ القرآني أيما عناية، فما كان حسناً منها ومؤدياً بكل دقة للمعنى المراد توصيله للقارئ أو السامع، اختار له اللفظ المناسب الذي لا يمكن أن يقوم غيره مقامه، وما كان عكس ذلك اطَّرحه وأهمله(2).
    ذلك من جهة، ومن جهة أخرى يستوقفنا-أيضاً-مدى التشابه الواقع بين يحيى وإسحاق-عليهما السلام-، وزكريا وإبراهيم-عليهما السلام، وأمِّ يحيى وأمِّ إسحاق.
    فيحيى وإسحاق معجزتهما واحدة، وهي مجيئهما إلى الدنيا وأمُّهُما وأبواهما على حالة تحول دون الحمل والولادة، وزكريا وإبراهيم كلاهما شيخٌ كبيرٌ، وأمُّ يحيى وإسحاق كلتاهما عجوزٌ عقيمٌ، أو عجوزٌ عاقرٌ.
    وقد استخدم القرآن لفظة (عاقر) مع امرأة زكريا، في حين أنه استخدم لفظة (عقيم) مع امرأة إبراهيم (سارة). يقول عزَّ وجل: ]…فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ[(3).
    وثمة شيءٌ آخر، هو أن القرآن ذكر في حق امرأة زكريا أن الذي كان يمنعها ويحول بينها وبين الحمل هو داءٌ واحدٌ هو العُقْر، أما امرأة إبراهيم فقد تراوح ذكر المانع لها مَرّةً بين العجز (كبر السنّ) والعُقْم مجتمعين، حيث قال تعالى: ]…فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ[، ومرة أخرى اكتفى بذكر العجز دون العقم، فقال تعالى: ]قالت يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وأَنَا عَجُوزٌ وَهَذا بَعْلِي شَيْخاً…[(1).
    وهذا يدعونا إلى التأمُّل وطرح السؤال التالي: هل العُقْر والعُقْم شيءٌ واحدٌ، ومعناهما واحدٌ؟ أو أنهما شيئان مختلفان؟
    وإن كانا ذَوَي دلالة واحدة، فلماذا استخدم القرآن لفظة (عاقر) في مواضع ثلاث، واستخدم لفظة (عقيم) في موضع واحد؟.
    وللإجابة على الشقِّ الثاني من السؤال أقول: إن القرآن آثر استخدام لفظة (عقيم)، وتأخيرها، لاعتبارين متلازمين-فيما أرى-، أحدهما مراعاة الفاصلة القرآنية، أو رؤوس الآيات - كما يسميها الفرَّاء (207هـ)(2)-، والآخر مراعاة مقتضى المعنى.
    فأما الاعتبار الأول، فالفاصلة في سورة "الذاريات" تنتهي بحرف النون في أغلب الآيات، وبحرف الميم في بعضها الآخر، وكلاهما-كما هو مُقَرَّرٌ في علم الأصوات-مجهورٌ، متوسطٌ بين الشدة والرخاوة، مُرَقَّقٌ، منفتحٌ، مَغْنُونٌ (أنفى)، فجاءت الفاصلة بين حروف متقاربة، ولم يكن ممكناً وضع (عاقر) بدلاً من (عقيم)، كما لم يكن ممكناً تقديم لفظة (عقيم) على لفظة (عجوز)؛ لتناسب رؤوس الآي.
    وأمَّا الاعتبار الآخر، فبيانه أن العَجْز قُدِّم هنا-وهو وصفٌ طارئٌ عليها-على العُقْر-وهو وَصْفٌ لازمٌ لها-،فكأنها قدَّمت سبباً حاضراً يمنع من الحمل على سبب ماض، أو بعبارة أخرى كأنها أضافت مانعاً متجدداً إلى مانع ثابت، من باب المبالغة في استبعاد حصول الشيء واستحالته، والتعجب من حدوثه لو حدث.
    ولذلك ورد في موضع آخر من القرآن على لسان زوج إبراهيم أنها قرنت عجزها بشيخوخة بعلها، حيث قالت ]أَأَلِدُ وأَنَا عَجُوزٌ وَهَذا بَعْلِي شَيْخاً[، فَتُنُوسي هنا ذكر العُقْر، وجُعِلَ كِبَر سنِّهما مانعاً قوياً من حدوث الحمل.
    ويُذكرنا تقديم العجز على العُقْم هناك بالمريض الذي لا يُرجى برؤ مرضه، وحينما يحدث له عارضٌ آخر فإن الأطباء يُوجِّهون جهودهم لعلاج ما استجد من مرض، ويتركون ما عداه؛ لاقتناعهم بأن ما يكون أولى مما كان، وبخاصة أن ما كان هو عندهم في حكم الميئوس شفاؤه، فيؤثرون معالجة ماجدَّ على ما قَدُم .
    ويلاحظ أن لفظ (عجوز) جاء على وزن "فعول"، وهو بمعنى "فاعل"، أي أنها عاجزةٌ عن المجيء بولد وهي في هذه السن المتقدمة.
    أما لفظ (عقيم) فعلى وزن "فعيل"،وهو بمعنى "مفعول"،أي أنها معقومة الرَّحِمِ لا تلد.
    ونعود لنحاول الإجابة على الشقِّ الأول من السؤال السابق، فنقول: إن مادة (عقم) في اللغة تدل-كما يذكر ابن فارس-على غموض، وضيق، وشدة(1).
    ومن المعنى اللُّغوي لهذه المادة اشتق أو استُعير-كما يقول الزمخشري(2)- عُقْم المرأة والرجل، وهما اللذان لا يولد لهما، وعُقم الملك: وهو قتل الرجل لابنه، أو الابن لأبيه، إذا خافه على الملك، والدَّاء العُقام: الذي لا يُرْجى البُرْء منه، والكلام العُقْمي: أي العويص الذي لا يُعرف وجهه، والعقل العقيم: الذي لا يجدي على صاحبه شيئاً، والريح العقيم: التي لا تُلْقح شجراً، ولا تُنشئ سحاباُ، ولا تحمل مطراً…إلخ(3).
    وسبق لنا القول إن الجذر اللغوي للفظة (عقيم) ورد في موضعين من القرآن الكريم، أحدهما كان وصفاً للريح التي أرسلها الله على قوم عاد، والموضع الآخر كان وصفاً ليوم القيامة أو يوم بدر-كما ذكر ذلك المفسرون(1).
    وهكذا نرى أن هذه المادة اللغوية تدل أصلاً واستعارةً على الشيء الذي لا فائدة فيه، ولا ثمرة له.
    والعقيم من النساء التي لا تلد، والعُقْم وصفٌ للرحم الذي لا يعطي الولد، أو كما يقول أصحاب المعاجم: العَقْم-بفتح العين-والعُقْم- بضم العين-هَزْمَةٌ تقع في الرحم فلا تقبل الولد، والرحم المعقومة-كما يذكر الكسائي: المسدودة التي لا تلد(2).
    وهذا اللفظ مما يستوي فيه المذكر والمؤنث فيقال: امرأةٌ عقيمٌ، ورجلٌ عقيمٌ. يقول سيبويه: "وأما فعيل إذا كان في معنى مفعول، فهو في المذكر والمؤنث سواء"(3)، وعلى هذا جاء قوله تعالى: ]...وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً[ شاملاً للاثنين الرجل والمرأة، وذلك ما أكده العلم الحديث، فالعُقْم مرضٌ يصيب الرجال والنساء على حدٍّ سواء، وليس كما كان يُعْتَقَدُ قديماً من أنه خاصٌّ بالنساء دون الرجال.
    وهو من الوجهة الطبية "عدم القدرة على الإلقاح، بالرغم من إمكانية الرجل على ممارسة العملية الجنسية"(4).
    ويُعَدُّ عُقْم الرجال من الأمور الصعبة، حيث قد بلغت نسبة نجاح علاجه-كما تذكر بعض الدراسات الإحصائية- 15%، في حين أن عُقْم النساء وصلت نسبة نجاح علاجه إلى 50%(5).
    أما مادة (عقر) في اللغة، فقد ذكر ابن فارس أن لها أصلين "متباعد ما بينهما، وكل واحد منهما مُطَّردٌ في بابه، جامعٌ لمعاني فروعه. فالأول: الجرْح، أو ما يشبه الجرْح من الهزْم في الشيء، والثاني دال على ثبات ودوام"(1). وأصل العُقْر في اللغة قطع الرِّجل، فكأنه قطع الولادة(2).
    وعُقْر المرأة يعني أن رحمها يعقد ماء الرجل، أو هو عجزْها عن تقبل مَنِّي الرجل. وذلك ما يمكن تفسيره في الطب الحديث بأن حموضة المهبل تقتل الحيوانات المنوية بصورة غير اعتيادية، أو وجود تضاد بين خلايا المهبل والحيوانات(3).
    وتتعدد معاني هذه المادة في المعاجم اللغوية(4)، ولكن هذا التعدُّد الدلالي لا يكاد يخرج عن الأصلين اللَّذَين ذكرهما ابن فارس في "المقاييس"، وقد تقدم ذكرهما. والذي يهمنا في هذا الباب هو عُقْر النساء، الذي عليه مدار حديثنا.
    وهذا اللفظ مما يستوي فيه المذكر والمؤنث أيضاً،فيقال:رجلٌ عاقرٌ،وامرأةٌ عاقرٌ(5).
    وقد سبق القول إن الجذر اللغوي لهذه اللفظة جاء في خمسة مواضع من القرآن الكريم، كلها وصفٌ لما فعله قوم صالح-عليه السلام-بناقة الله من ذَبْح ونَحْر لها.
    والمتأمل للجذر اللغوي لكلٍّ من (عقم) و(عقر)، يجد أنه ثلاثي الأصل، رغم ما قد يبدو فيه من ثنائية.

    وتفسير هذه الثنائية أن هاتين اللفظتين أصلهما العين والقاف (عَقَّ)، الذي ذكرت معاجم اللغة وما جرى مجراها أنه يدل على الشّقَّ ، والخرْق، والحفْر، والقطْع(1). وسبق أن ذكرنا الدلالة الأصلية (المركزية بتعبير المحدثين) لهاتين اللفظتين، التي تتفق إلى حد كبير مع الدلالة العامة لمادة (عَقَّ).
    ولعل هذا ما دعا أحد الباحثين المعاصرين إلى القول بثنائية الجذر اللغوي لمادة (عقم)، وذلك بعد أن لاحظ وجود علاقة معنوية تربط بين الثنائي المضعَّف والثلاثي المشترك معه في حرفين(2).
    والواقع أن هذه النظرة، بالرغم مما قد يبدو من منطقيتها في هذا المقام، لا تستقيم في كل مادة من مواد اللغة، وهذا ما يحملني على القول بثلاثية الجذر اللغوي لهاتين اللفظتين.
    وقد وردت هاتات اللفظتان-إحداهما أو كلتاهما-في مؤلفات غريبي القرآن والحديث، مقرونتين بالمعاني المتعددة لهما، وكذلك في مؤلَّفات التَّصْويب اللغوي، وخاصةً فصيح ثعلب والشروح التي عليه.
    كما وردتا في المؤلَّفات الخاصَّة بالأفعال، من حيث ضبطُ فعليهما، ومصادرهما، ومعانيهما(3).
    وقد تبين لي فيما اطَّلعت عليه من تلك المصنَّفات أن العلماء جمعوا بين هاتين اللفظتين في المعنى، واشتراكهما في الدلالة الواحدة.
    فهذا الخليل بن أحمد يذكر أن العَقْر: هو العُقْم، والذي يعني استعقام الرحم، وهو ألا تحمل(4).
    ويؤكد هذا المعنى صراحة أبو بكر السجستاني (330هـ)، حيث يقول: "عاقر وعقيم: بمعنى واحد، وهي التي لا تلد، والذي لا يولد له"(1).
    وذكر ابن فارس (395هـ) أنهم "يقولون: لقحت الناقة عن عقر، أي بعد حِيَال، كما يقال عن عُقْم"(2).
    وذكر أبو سهل الهروي (433هـ) أن لفظة العاقر "مثل العقيم سواء، وهي التي لاتحبل ولا تلد"(3)، كما ذكر الزمخشري (538هـ) أنه يقال "للمرأة العاقر: معقومة، كأنها مسـدودة(*) الرحم"(4)، وفسّر أبو حيان الأندلسي (745هـ) لفظ عاقر بقوله: "عقيم لا يلد ولا يولد له"(5).
    وهكذا يبدو لنا من خلال هذه النصوص مدى اتفاق هاتين اللفظتين واتحادهما في الدلالة اللغوية، المعجمية منها والوظيفية، الأمر الذي يجعلنا نستنتج منه مبدئياً أن هاتين اللفظتين تُعدَّان من الألفاظ المترادفة في العربية!
    ولم تكن المعاجم الحديثة بعيدةً عن هذا التصوُّر، فهي تُسَوِّي بينهما أيضاً في المعنى.(6)
    على أن هناك بعض العلماء الذين ألَّفوا في المشترك اللفظي Homonymy، أورد هاتين اللفظتين على أن كل واحدة منهما مما يتفق لفظه ويتعدد معناه(7)، وهذا يعني أنهما تقفان في الواقع اللغوي على النقيض من الاعتبار أو التصوُّر السابق.
    ومن المقرَّر في الدراسات اللغوية الحديثة أن قياس درجة التطابق Range of application بين الدلالتين المركزية والهامشية من خلال استعمال الكلمة يؤدي إلى وضوح الفرق بينهما، ومن ثَمَّ الحكم عليها بأنها من المترادفات أو لا.
    فإن كان التطابق تاماً بين الألفاظ أو الكلمات، بحيث تقبل التبادل أو الاستعاضة بينها في أي سياق، فذلك يعني الترادف الحقيقي Absolute synonymy، وإن كان التطابق غير تام، بحيث يتفاوت استعمال الكلمة من سياق إلى آخر، فهذا يعني شبه الترادف Near synonymy (1).
    وما قيل هنا يجري على المشترك اللفظي أيضاً، سواء بسواء، "فدرجة التطابق هذه تصلح معياراً في حالات المشترك اللفظي والترادف، بحيث إذا تطابقتا في الدلالة كان هناك ثَمَّة ترادف أو اشتراك، أمَّا إذا لم تتطابقا في الدلالة فليس ثَمَّة ترادف أو اشتراك"(2).
    ونحن حينما نتأمل العبارة القرآنية، والمغايرة بين ألفاظها، وإيثار بعض الألفاظ دون بعضها الآخر، ندرك أن وراء ذلك سرّاً بيانياً، وإيحاءً دلالياً، ووجهاً إعجازياً، يدفع بالباحث إلى تتبعه، ومحاولة الوقوف على فقه أساليبه.
    وإزاء هذا لا يَتَأَتَّى لنا-وإن جاز لغيرنا-أن نُفَسِّر لفظة (عاقر) بـ(عقيم)، أو العكس، ونُسَوِّي بينهما في الدلالات، ونغفل ما بينهما من إشارات؛ حيث صنيعُ القرآن يومئ إلى وجود فرق دقيق في المعنى بين اللفظتين، إضافةً إلى أن الحسَّ الراشد-كما يُسَمِّيه أستاذنا الدكتور محمد أبو موسى(3)-قد لا يقنع بهذا التفسير وهذه التسوية.
    وفي ضوء ذلك، فإني أكاد ألمس في استخدام النص القرآني لهاتين اللفظتين أن كلمة (عقيم) ذات مدلول أوسع من كلمة (عاقر)، فهي أعمُّ دلالة، في حين أن (عاقر) ضَيِّقَةُ الدلالة.
    وبيان ذلك أن العُقْم مرضٌ يقع على الجنسين من الرجال والنساء، يوصف به من كان كذلك منهما . وهو في واقعه الـطـبي إمَّا أن يـكون أوَّلـيـاً ، بمعـنى أن تكون المـرأة لا تستطيع الحمل أصلاً، أو أن يكون الرجل في أصله غير مُهّيَّأٍ للإنجاب، لأسباب تتصل بأعضاء التناسل في كل منهما، وهذا-كما يذكر أطباء العقم-من الصعوبة بمكان علاجه، إلا عن طريق التلقيح الصناعي أو ما يعرف بطفل الأنابيب.
    وإمَّا أن يكون ثانوياً، بمعنى أن يحدث لهما إنجابٌ ثم يفقدان قدرتهما التناسلية على ذلك، وهذا أكثر قابلية للشفاء(1)، وفي كل هذا ما يدل على عمومية الدلالة في هذه اللفظة.
    أما لفظة (عاقر) فيظهر لي أنها تُطلق فتنصرف دلالتها إلى النساء لاغير ، فهي وصفٌ خاصٌ بهن فحسب.
    وهذا التصوُّر لم أجد أحداً من العلماء-فيما وقع بين يديَّ من مصادر-أشار أو تنبَّه إليه، سوى بعض المعاصرين المهتمين بتفسير القرآن الكريم، حيث ذكروا في تفسير قوله تعالى: ]قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وامْرَأَتِي عَاقِرٌ…[(2) أن العاقر وصفٌ خاصٌ بالنساء ولا يوجد في الرجال، ولذا يقال عاقرٌ ولا يُلْبس(3)، مما يعني أنه لفظٌ وُضِعَ خاصاً لمعنى خاصَ .
    هذا شيء، وشيءٌ آخر أن هذه اللفظة توحي دلالتها بعدم الإنجاب مطلقاً، واستحالة الحمل والولادة.
    وفيما تقدم نلمس خصوصية دلالة هذه اللفظة، وهذا ما يجعلني أميل إلى القول بأن هاتين اللفظتين ليستا مترادفتين ترادفاً تاماً، بحيث يحملان الدلالة نفسها في أيِّ سياق لغوي، بل هما أقرب ما يكون إلى شبه الترادف، أو الترادف غير التام Incomplete synonymy ، فاللفظتان بينهما تقاربٌ في المعنى إلى درجة الإلباس، دون أن يَتَّحدا فيه.
    وبعد، فهذا ما اتضح لي في هذه الدراسة الأسلوبية واللغوية للنصِّ القرآني، فإن كان صواباً ما كَشَفَتْ عنه دراستي، أو كان قريباً منه-وآمل أن يكون ذلك كذلك-، فهو فَضْلٌ من الله ونعمة، وإن كان غير ذلك فحسبي أنني مجتهدٌ في رحاب القرآن، ينشد الحقيقة التي هي ضالَّة المؤمن، ويبتغي ما عند الله من أجرٍ وثواب.
    وأختتم هذه المحاولة التي أُقَدِّمُها على استحياءٍ إلى المكتبة القرآنية-وأنا أعلم الناس بعجْزي وقلَّة بضاعتي-بقول صاحب (مفتاح السعادة): "ولعلَّ العمر لو أنْفقَ في اكتشاف أسرار القرآن، وما يرتبط بمقدماتها ولواحقها، لانقطع العمر قبل استيفائها، وما من كلمة في القرآن إلا وتحقيقها مُحْوِجٌ إلى مثل ذلك…، وأما الاستيفاء فلا مطمع فيه، ولو كان البحر مداداً والأشجار أقلاماً لنفد البحر قبل أن تنفد أسرار القرآن"(1).
    وهذا كلُّه حَقٌ، فما من كلمةٍ أو لفظةٍ يختارها القرآن إلا وهناك سرٌّ يقف وراء هذا الاختيار، ربما عرفناه فأخبرْنا به، وربما غَمُضَ علينا أو قَصُر إدراكنا عنه، بعد أن نكون قد اجتهدنا في تحصيله، وحاولنا الكشف عن مخبوئه وخفيِّه، فلم نستطع الاهتداء إليه، والوقوف عليه.
    والله أسأل أن يجعل من محبتي لكتابه، ورغبتي الجامحة في إدراك دلائل مفرداته وألفاظه، سبباً في تجنيبي خَطَلَ الرأي، وسطحية التأمل، ومزالق التأويل، وزلَّة القلم، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه، والحمد لله أولاً وآخراً.

    الهوامش والتعليقات:
    (1) النحل :72
    (2) الروم :21 . وقد فُسِّرت الرحمة هنا عند ابن عباس ومجاهد والحسن بأنها الولد ، أو الإنجاب بصفة عامة .
    ينظر : الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) ،14/17
    (3) الشورى :49 ،50
    (4) الرعد :38
    (1) ينظر :تفسير القرطبي 16/49، الكشاف للزَّمخشري ، 4/183
    (2) أخرجه النسائي في سننه ، 6/65-66(كتاب النكاح –كراهية تزويج العقيم) ، ورواه أبو داود في السنن2/542(كتاب النكاح–4- باب النهي عن كراهية تزويج من لم يلد من النساء ،حديث رقم /2049)
    (3) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، 3/273، وينظر: غريب الحديث، لأبي إسحاق الحربي، 3/996.
    (4) اعتمدت في حصر هذه المواضع على المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، ص468و469.
    (5) آل عمران: 40
    (1) مريم : 5
    (2) مريم : 8
    (3) الحج: 55
    (4) الذاريات: 29
    (5) الذاريات:41
    (6) الشورى: 50
    (7) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، ص468.
    (1) روح المعاني، للألوسي، 3/149، 8/62.
    (2) زاد المسير، لابن الجوزي 5/211. وينظر: أضواء البيان، للشنقيطي، 1/244.
    (3) روح المعاني 8/67.
    (1) كشف المعاني في المتشابه من المثاني، لبدر الدين بن جماعة، ص127-128. وينظر: الدر المصون، للسَّمين الحلبي، 3/159، فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن، لأبي يحيى زكريا الأنصاري، ص85، روح المعاني 8/66-67.
    (2) ينظر: تفسير القرطبي 11/79.
    (3) المصدر السابق .
    (4) الإسناد المجازي: هو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ملابس له غير ما هو له ، بقرينة تصرفه عن إرادة الظاهر. ويطلق عليه عبد القاهر الجرجاني مصطلح (المجاز العقلي) أو (الحكْمي). للمزيد ينظر: التوجيه البلاغي للقراءات القرآنية، د.أحمد سعد محمد، ص380 فيما بعدها.
    (1) روح المعاني ، 3/149.
    (2) ينظر: تفسير القرطبي 11/83 ، أضواء البيان، للشنقيطي، 1/243-244.
    (3) ينظر: تفسير القرطبي 4/79.
    (4) قيل: إن أمه هي إيشاع بنت فاقودْ ابن قبيل ، وقيل: إنها إيشاع بنت عمران، وعلى هذا القول تكون أمُّه أختاً لمريم-أُمّ موسى-، ومن ثمَّ يكون يحيى وعيسى ابني خالة.
    (5) من إعجاز القرآن ، رؤوف أبو سعدة ، 2/228.
    (1) أل عمران: 39-40.
    (2) أل عمران: 45-47.
    (3) الأنبياء: 89-90.
    (1) تفسير القرطبي 11/336 ، وينظر : الكشاف 3/104، زاد المسير 5/384.
    (2) معاني القرآن ، 2/201، وهنالك تفسيرٌ آخر للإصلاح هنا وهو أنها كانت سيئة الخُلُق، طويلة اللسان، فأصلحها الله فجعلها حسنة الخُلُق. وقد جمع القرطبي بين المعنيين على سبيل الاحتمال. ينظر: تفسير القرطبي ، 11/336 ، وعلى المعنيين يتوقف التوجيه الإعرابي (النحوي) للعطف في قوله تعالى: ]وأصلحنا[. ينظر: روح المعاني ، 9/87.
    (3) من إعجاز القرآن ، 2/228.
    (4) أطفال الأنابيب بين العلم والشريعة، زياد أحمد سلامة، ص14. ويرى بعض المعاصرين أن الخَلْق لا يعني الإيجاد من العدم، وإنما هو الإيجاد من شيء. ينظر: الكتاب والقرآن، قراءة معاصرة، د.محمد شحرور، ص429-430، وليس هذا بصحيح، فالمعنيان كلاهما واردٌ ومستعملٌ في كتاب الله عزَّ وجل. ينظر: المفردات في غريب القرآن، ص224، 225.
    (5) من إعجاز القرآن ، 2/228.
    (6) تفسير المراغي ، 1/156.
    (7) المصدر السابق ، وينظر: روح المعاني، 3/164، فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن، لأبي يحيى زكريا الأنصاري، ص86، تفسير التحرير والتنوير، لابن عاشور، 3/242و249.
    (1) البيان في روائع القرآن، ص297. وينظر: ص323.
    (2) جعل الإمام الخطابي (338هـ) مناط البلاغة في النص القرآني وإعجازه البياني قائماً على وقوع اللفظ في مكانه فإذا أُبدل فسد معناه ، أو ضاع الرونق الذي يكون معه سقوط البلاغة. ينظر: ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، ص29.
    (3) الذاريات: 29
    (1) هود: 72.
    (2) ينظر: معاني القرآن، 3/260،274. ومراعاة الفاصلة القرآنية عدَّها الزركشي والسيوطي وغيرهما من العلماء أحد أسباب وأسرار التقديم والتأخير في القرآن الكريم. ينظر: البرهان 3/274، الإتقان2/20. وللمزيد حول هذه المسألة ينظر: التقديم والتأخير في القرآن الكريم، حميد العامري، ص114 فما بعدها، الإعجاز البياني للقرآن، د. عائشة عبدالرحمن، ص235 فما بعدها.
    (1) معجم مقاييس اللغة 4/75 (عقم).
    (2) أساس البلاغة 2/134 (عقم).
    (3) ينظر: العين، للخليل بن أحمد الفراهيدي، 1/210-211، الصحاح، للجوهري، 5/1988، لسان العرب، لابن منظور، 12/412 (عقم).
    (1) ينظر: تفسير القرطبي 12/87، الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، للدامغاني، ص330، معجم ألفاظ القرآن الكريم، أمين الخولي، 4/238-239.
    (2) ينظر: الصحاح 5/1988، لسان العرب 12/412، معجم مقاييس اللغة 4/75 (عقر).
    (3) الكتاب 3/647. وينظر: غريب القرآن وتفسيره، لليزيدي، ص349، فعلت وأفعلت، لأبي حاتم السِّجِسْتاني، تحقيق: د.خليل إبراهيم العطية، ص133، الريح، لابن خالوية، تحقيق د.حسين محمد شرف، ص50، ما اتفق لفظه واختلف معناه، لابن الشجري، ص252.
    (4) العقم عند الرجال والنساء، د. سبيرو فاخوري، ص36. وينظر أطفال الأنابيب بين العلم والشريعة، ص28.
    (5) ينظر: العقم وعلاجه، د. نجم عبد الله عبد الواحد، ص 91.
    (1) معجم مقاييس اللغة 4/90. وينظر: النوادر، لأبي مسحل الأعرابي، 1/397-398، الاشتقاق، لابن دريد، ص346-347.
    (2) شرح الفصيح، لابن هشام اللَّخمي، ص72، شرح الفصيح، المنسوب للزمخشري، 1/119.
    (3) خلق الإنسان بين الطب والقرآن، د. محمد علي البار، ص 518، وينظر: روعة الخلق –أسرار كينونة الجنين، ترجمة: ماجد طيفور، ص176.
    (4) ينظر: العين 1/170-173، معجم مقاييس اللغة 4/90-96، أساس البلاغة 2/132، لسان العرب 4/591، تاج العروس 13/98 (عقر).
    (5) ينظر: غريب القرآن وتفسيره، لليزيدي، ص104، فعلت وأفعلت، لأبي حاتم السجستاني، ص133، الزاهر، لأبي بكر الأنباري، تحقيق: د.حاتم الضامن، 1/582، شرح الفصيح، لابن هشام اللخمي، ص72، المفردات في غريب القرآن، ص511.
    (1) ذكر الخليل بن أحمد أن أصل العقِّ الشقٌّ، وإليه يرجع عقوق الوالدين، وهو قطعهما؛لأن الشقَّ والقطع واحدٌ. العين1/72. وينظر: معجم مقاييس اللغة 4/3، إصلاح المنطق، لابن السكِّيت، ص236، الفائق في غريب الحديث، للزمخشري، 3/12، النهاية في غريب الحديث والأثر، 3/271.
    (2) ثنائية الألفاظ في المعاجم العربية، د.أمين فاخر، ص 202-203. وينظر ما ذكره الأب مرمرجي الدومنكي عن علاقة الجذر الثنائي (عق) بمادة (عقل)، في كتابه: هل العربية منطقية، ص 125-130.
    (3) ينظر: الأفعال، لابن القوطية، ص15،192،193، الأفعال، للسرقسطي 1/294.
    (4) العين 1/170.
    (1) غريب القرآن، ص140. وينظر: العمدة في غريب القرآن، لمكي بن أبي طالب القيسي، ص99، 282.
    (2) معجم مقاييس اللغة 4/92 (عقر).
    (3) التلويح في شرح الفصيح، تحقيق: د.محمد عبد المنعم خفاجي، ص15، وينظر: شرح الفصيح، لابن الجبان، ص126.
    (*) وردت هذه الكلمة في الكتاب المطبوع "مشدودة"-كذا-بالشين، وهو تصحيفٌ، والصَّواب ما أثبتُّ.
    (4) الفائق في غريب الحديث 3/16.
    (5) تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب، ص182. ولمزيد من هذه النصوص التي لا تُفَرِّقُ بين دلالة هاتين اللفظتين. ينظر: تصحيح الفصيح، لابن درستويه، 1/209، أمالي المرتضى، 2/379، تدبير الحبالى والأطفال والصبيان…، لأحمد بن محمد البلدي، تحقيق: د. محمود الحاج قاسم، ص80، الأفعال، للسرقسطي 1/295.
    (6) ينظر-على سبيل المثال-: المعجم الوسيط 2/621 (عقر).
    (7) ينظر: ما اتفق لفظه واختلف معناه، لابن الشجري، ص 252-254، إصلاح الوجوه والنظائر، للدامغاني، ص330 (لم يرد في هذا الكتاب سوى لفظة "عقيم").
    وقد استعرضت ما وصلنا من هذا النوع من التأليف – سواء أكان ذلك خاصاً بالقرآن أو بالحديث أو بلغة العرب – فلم أجد ذكراً لهذين اللفظين ضمن مواد هذه المصنفات . على أنه ينبغي التنبيه إلى أن كتاب ابن الشجري المتقدم يُعدَّ أوسع ما ألف في بابه، كما تبين من خلال قراءة مواده اللغوية ، وموازنتها بالمؤلفات المماثلة .
    (1) ينظر: الكلمة-دراسة لغوية معجمية، د.حلمي خليل، ص132.
    (2) علم الدلالة دراسة نظرية وتطبيقية، د. فريد عوض حيدر، ص50.
    (3) البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري، ص221.
    (1) أطفال الأنابيب بين العلم والشريعة، ص31-38.
    (2) آل عمران: 40
    (3) ينظر: تفسير التحرير والتنوير 3/242، أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، أبو بكر الجزائري 1/313.
    (1) مفتاح السعادة، لطاش كبرى زاده، 3/113.

    مصادر البحث ومراجعه
    *القرآن الكريم.
    *الإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي (911هـ)، ط4، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر، 1398هـ-1978م.
    *أساس البلاغة، لأبي القاسم جار الله الزمخشري (538هـ)،دار الكتب المصرية بالقاهرة، 1341هـ-1923م.
    *الاشتقاق، لأبي بكر محمد بن الحسن بن دريد (321هـ)، تحقيق: عبد السلام هارون، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، 1378هـ-1958م.
    *إصلاح المنطق، لابن السكيت (244هـ)، شرح وتحقيق: أحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون، ط3، دار المعارف بمصر، 1970م.
    *إصلاح الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، لأبي عبد الله محمد بن علي الدامغاني (478هـ)، تحقيق: عبد العزيز سيد الأهل، ط2، دار العلم للملايين، بيروت، 1977م (نُسِبَ خَطَأً إلى الحسن بن محمد الدامغاني).
    *أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، 1408هـ-1988م.
    *أطفال الأنابيب بين العلم والشريعة، زياد أحمد سلامة، ط1، الدار العربية للعلوم، بيروت، لبنان، 1417هـ-1996م.
    * الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق، د. عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، دار المعارف بمصر، 1971م.
    * الأفعال، لابن القوطية (367هـ)، تحقيق: د. علي فودة، ط1، مطبعة مصر، 1952م.
    * الأفعال، لأبي عثمان السرقسطي، تحقيق: د.حسين محمد شرف، مطبوعات مجمع اللغة العربية بالقاهرة، 1395هـ-1975م.
    * أمالي المرتضى (غرر الفوائد ودرر القلائد)، للشريف المرتضى علي بن الحسين (436هـ)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط1، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1373هـ-1954م.
    * أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، أبو بكر الجزائري، ط4، راسم للدعاية والإعلان، جدة، السعودية، 1412هـ-1992م.
    * البرهان في علوم القرآن، لبدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي (794هـ)، ط1، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1377هـ-1958م.
    * البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري وأثرها في الدراسات البلاغية، د.محمد حسنين أبو موسى، دار الفكر العربي، القاهرة، د.ت.
    * البيان في روائع القرآن-دراسة لغوية وأسلوبية للنص القرآني، د.تمام حسان، ط1، عالم الكتب، القاهرة، 1413هـ-1993م.
    * تاج العروس من جواهر القاموس، للسيد محمد مرتضى الزَّبيدي (1305هـ)، الجزء الثالث عشر ، تحقيق: د.حسين نصار، وزارة الإعلام، الكويت، 1394هـ-1974م.
    * تدبير الحبالى والأطفال والصبيان وحفظ صحتهم ومداواة الأمراض العارضة لهم، لأحمد بن محمد بن يحيى البلدي، تحقيق: د.محمود الحاج قاسم محمد، دار الرشيد للنشر، العراق، 1980م.
    * تفسير التحرير والتنوير، للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، الدار التونسية للنشر، 1969م.
    * تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن)، مطبعة دار الكتب، القاهرة، 1365هـ-1946م.
    * تفسير المراغي، لأحمد مصطفى المراغي (1371هـ)، المكتبة التجارية، مكة المكرمة، د.ت. "نسخة مصورة".
    * التقديم والتأخير في القرآن الكريم، حميد أحمد عيسى العامري، ط1، دار الشئون الثقافية العامة، بغداد، 1996م.
    * التلويح في شرح الفصيح، لأبي سهل محمد بن علي الهروي (433هـ)، ضمن كتاب (فصيح ثعلب والشروح التي عليه)، تحقيق: د.محمد عبد المنعم خفاجي، ط1، مكتبة التوحيد، القاهرة، 1368هـ-1949م.
    * التوجيه البلاغي للقراءات القرآنية، د. أحمد سعد محمد، ط1، مكتبة الآداب، القاهرة، 1418هـ-1998م.
    * ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، للرُّماني والخطَّابي وعبد القاهر الجرجاني، تحقيق: محمد خلف الله والدكتور محمد زغلول سلام، ط2، دار المعارف بمصر، 1387هـ-1968م.
    * ثنائية الألفاظ في المعاجم العربية وعلاقتها بالأصول الثلاثية، د. أمين فاخر، ط1، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، 1398هـ-1978م.
    * الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي.
    * خلق الإنسان بين الطب والقرآن، د. محمد على البار، ط5، الدار السعودية للنشر، جدة، 1404هـ-1984م.
    * الدُّر المصون في علوم الكتاب العزيز، لأحمد بن يوسف المعروف بالسَّمين الحلبي (756هـ)، تحقيق: د.أحمد محمد الخراط، ط1، دار القلم، دمشق، 1407هـ-1987م.
    * روح المعاني، لأبي الفضل شهاب الدين الألوسي (1270هـ)،دار الفكر، بيروت،لبنان، د.ت.
    * روعة الخلق-أسرار كينونة الجنين، ترجمة: ماجد طيفور، ط1، الدار العربية للعلوم، بيروت، 1412هـ-1991م.
    * الريح، لأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه (370هـ)، تحقيق: د.حسين محمد شرف، ط1، مكتبة إبراهيم حلبي العلمية، المدينة المنورة، 1404هـ-1984م.
    * زاد المسير في علم التفسير، لابن الجوزي عبد الرحمن بن علي (597هـ)، المكتب الإسلامي، دمشق، 1964م-1968م = 1384هـ-1388م.
    * الزاهر في معاني كلمات الناس، لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري (328هـ)، تحقيق: د.حاتم صالح الضامن، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، 1399هـ-1979م.
    * سنن أبي داود، لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (275هـ)، تعليق :عزت عبيد الدعاس وعادل السيد، ط1، دار الحديث للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1389هـ-1969م.
    * سنن النسائي (303هـ) بشرح السيوطي، المكتبة التجارية الكبرى بمصر، د.ت.
    * شرح الفصيح، (المنسوب) للزمخشري، تحقيق: د. إبراهيم بن عبد الله بن جمهور الغامدي، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى، مكة المكرمة، 1416هـ.
    * شرح الفصيح، لابن هشام اللخمي (577هـ)، تحقيق: د. مهدي عبيد جاسم، ط1، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، 1409هـ-1988م.
    * شرح الفصيح في اللغة، لأبي منصور ابن الجبان، تحقيق: د.عبد الجبار جعفر القزار، ط1، دار الشئون الثقافية العامة، بغداد، 1991م.
    * العقم عند الرجال والنساء-أسبابه وعلاجه،د.سبيرو فاخوري،ط1،دار العلم للملايين،بيروت،1979م.
    * العقم وعلاجه، د.نجم عبد الله عبد الواحد، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، 1988م.
    * علم الدلالة- دراسة نظرية وتطبيقية، د. فريد عوض حيدر، ط1، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1419هـ-1999م.
    * العمدة في غريب القرآن، لمكي بن أبي طالب القيسي (437هـ)، تحقيق: د.يوسف عبد الرحمن المرعشلي، ط2، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1404هـ-1984م.
    * (كتاب) العين، للخليل بن أحمد الفراهيدي (175هـ)، تحقيق: د. عبد الله درويش، مطبعة العاني، بغداد، 1386هـ-1967م.
    * غريب الحديث-المجلدة الخامسة، لأبي إسحاق إبراهيم الحربي (285هـ)، تحقيق: د.سليمان ابن إبراهيم العايد، ط1، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى، مكة المكرمة، 1405هـ-1985م.
    * غريب القرآن، لأبي بكر محمد بن عزيز السجساتي (330هـ)، تحقيق: لجنة من العلماء،مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح، القاهرة، 1382هـ-1963م.
    * غريب القرآن وتفسيره، لأبي عبد الرحمن بن عبد الله بن يحيى اليزيدي (237هـ)، تحقيق: محمد سليم الحاج، ط1، عالم الكتب، بيروت، لبنان، 1405هـ-1985م.
    * الفائق في غريب الحديث، للزمخشري، تحقيق: علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، ط2، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، سنة الإيداع 1971م.
    * فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن، لأبي بكر يحيى زكريا الأنصاري، تحقيق: الشيخ محمد علي الصابوني، دار القرآن الكريم، بيروت، لبنان، 1403هـ-1983م.
    * فعلت وأفعلت، لأبي حاتم السجستاني (255هـ)، تحقيق: د.خليل إبراهيم العطية، مطبعة جامعة البصرة، 1979م.
    * قاموس القرآن = إصلاح الوجوه والنظائر.
    * الكتاب،لسيبويه(181هـ)،تحقيق:عبد السلام هارون،ط2،الهيئة المصرية العامة للكتاب،1977م.
    * الكتاب والقرآن – قراءة معاصرة،د.محمد شحرور، ط6،الأهالي للطباعة والنشر، دمشق،1994م.
    * الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، للزمخشري، تصحيح: مصطفى حسين أحمد، ط2، مطبعة الاستقامة بالقاهرة، 1373هـ-1953م.
    * كشف المعاني في المتشابه من المثاني، لبدر الدين بن جماعة (733هـ)، تحقيق: د. عبد الجواد خلف، ط1، منشورات جامعة الدراسات الإسلامية، كراتشي، باكستان، 1410هـ-1990م.
    * الكلمة –دراسة لغوية معجمية،د.حلمي خليل،الهيئة المصرية العامة للكتاب،الإسكندرية،1980م
    * لسان العرب، لابن منظور (711هـ)، دار صادر، ودار بيروت، 1374هـ-1955م.
    * ما اتفق لفظه واختلف معناه، لابن الشجري هبة الله بن علي (542هـ)، تحقيق: د. عطية رزق، ط1، دار المناهل، بيروت، لبنان، 1413هـ-1992م. (سلسلة النشرات الإسلامية التي تصدرها جمعية المستشرفين الألمانية).
    * معاني القرآن، لأبي زكريا يحيى بن زياد الفرَّاء (207هـ) الجزء الثالث، تحقيق: د.عبد الفتاح إسماعيل شلبي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1972م.
    * معجم ألفاظ القرآن الكريم، الجزء الرابع، إعداد: أمين الخولي، مطبوعات مجمع اللغة العربية بالقاهرة، 1388هـ-1968م.
    * المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم،وضعه:محمد فؤاد عبد الباقي،مطابع الشعب، القاهرة،1378هـ
    * معجم مقاييس اللغة ، لأبي الحسين أحمد بن فارس (395هـ) ، تحقيق: عبد السلام هارون، ط1، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1369هـ-1371هـ.
    * المعجم الوسيط، قام بإخراجه: إبراهيم مصطفى وزملاؤه، مطبوعات مجمع اللغة العربية بالقاهرة، 1381هـ-1961م.
    * مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم، لأحمد بن مصطفى الشهير بطاش كبرى زاده، تحقيق: كامل بكري وعبد الوهاب أبو النور، دار الكتب الحديثة، القاهرة، 1968م.
    * المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصبهاني (502هـ)، أعدَّه للنشر: د.محمد أحمد خلف الله، مكتبة الأنجلو المصرية، سنة الإيداع 1970م.
    * من إعجاز القرآن-العلم الأعجمي في القرآن مُفَسَّراً بالقرآن، رؤوف أبو سعدة، دارة الهلال، القاهرة، سنة الإيداع 1973-1974م.
    * النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير مجد الدين المبارك بن محمد (606هـ) ، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي،ط1،دار إحياء الكتب العربية،القاهرة،1383هـ-1963م
    * (كتاب) النوادر، لأبي مسحل الأعرابي، تحقيق: د. عزة حسن، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، 1380هـ-1961م.
    * هل العربية منطقية-أبحاث ثنائية ألسنية، للأب أ.س.مرمرجي الدومنكي، مطبعة المرسلين اللبنانيين، جونيه، لبنان، 1947م.





  2. #2
    مراقب Array الصورة الرمزية a7bk_ ya rbe
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    372

    افتراضي رد: بحث رائع وهام جدا مش حتقدر تغمض عينيك

    بارك الله فيك أخي الكريم ,,,

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
     
 

أهـلا و سهـلا بكم في منتـدى غــرفة الحـوار الإسـلامي المسيحـي بالبالتـولك للــداعية وســـام عبــد الله
oJJI Muslim Christian Dialogue oJJI